
-
-
…وداد سلوم…. الجمهورية .نت
-
بعد روايته الأولى قصر شمعايا، التي تناولت وجود اليهود في دمشق، نقرأ اليوم وبعد خمسة عشر عاماً الرواية الثانية للكاتب السوري الفلسطيني علي الكردي بعنوان ترانيم العتمة والضوء (عن دار ميسلون 2025)، ليأخذنا عبر قراءة ماضي شخصياته وحياتهم، إلى مراجعة لتجربة اليسار في سورية بعين ناقدة موضوعية، مضيفاً إلى أهمية الرواية كعمل أدبي يرصد الواقع وحيوات الشخصيات أهميةً تاريخيةً في توثيق مرحلة حافلة بالعمل السياسي والتضحيات.
متابعاً الوقوف على تجربة الثورة السورية، وفي مراجعة لتجربتَي الماضي والحاضر كمرآة لتاريخ بلاد كامل، وعبر مذكرات مجموعة من الرفاق الذين جمعتهم صداقة طويلة، والحلم بعالم أجمل فساروا إليه من دون أن يفكروا بالمآلات التي ستأخذهم إليها مطبات الطريق، وصولاً إلى أجيال جديدة حملت العبء ذاته.
ومنذ المقدمة، التي يتحدث فيها عن الخراب العام والإحساس باللاجدوى وفقدان الثقة بالواقع والعالم المتآمر، نرى أنه لا ينظر بتلك الرومانسية الثورية المتوقعة من عمل أدبي، بل يجنح إلى رؤية عميقة للتجربة، تستطيع أن تُحوّل الرواية إلى وثيقة.
يستخدم علي الكردي في سرده، بدايةً، أسلوب الميتا سرد ثم تعدد الأصوات (البوليفينية)، إذ تأتي الرواية على شكل لوحات أو مجموعة أوراق من مذكرات شخصياته. تأتي الأحداث بأصوات أبطاله، الذين يرصدون في ذكرياتهم تاريخ سورية السياسي منذ الوحدة مع مصر، إلى صعود حزب البعث وحكمه. لنستشفَّ الغنى السياسي الذي كانت تعيشه سورية بعد الاستقلال، وكيف بدأ تقليصُ الحياة السياسية منذ الوحدة مع مصر؛ «أردناها وحدة وأرادوها مزرعة». إلى أن استكملَ ذلكَ حزبُ البعث، وتحديداً منذ منتصف السبعينيات حين كانت حادثة سبت الدم فاصلة، عندما أعدمَ نظام حافظ الأسد خمسة شبان يساريين من المنظمة الشيوعية العربية، التي كان مشروعها تأسيسَ حزب شيوعي مغاير على المستوى العربي. أُعلِن في الجريدة الرسمية عن إعدام الشبّان الخمس في ساحة عامة بدمشق، لكن السلطة تراجعت خوفاً من ردة الفعل على الإعدام العلني، فنفّذته في الخفاء وحتى الآن ما زالت قبورهم مجهولة. فتحت هذه الحادثة عهد القمع والصمت، الذي وطَّده انفجار الصدام مع الإخوان المسلمين.
رأى الأصدقاء أن الفكر الماركسي قادرٌ على تغيير العالم، فجمعتهم الأحلام الكبيرة، في حلقات ناشطة ثقافياً على المستوى الفردي الاجتماعي، وكانت تربطهم الصداقة الشخصية قبل العمل السياسي، يتحاورون حول الفكر وأدبيات الماركسية، وحول المفاهيم التي تدخل في صلب الحياة وعلاقاتهم الشخصية كالعلاقة بالمرأة والحب والجنس ومؤسسة الزواج وغيرها، قبل أن تتحول هذه الحلقات إلى خلايا كانت نواة لتنظيم سياسي عُرِف برابطة العمل، وتَحوَّلَ فيما بعد إلى حزب العمل.
كانت تلك الحلقة تُشكّل أماناً ذاتياً للأصدقاء، وتتدخلُ في حياتهم بحكم العلاقة المتينة فيما بينهم، لكن هذا أفضى إلى تداخل الشخصي بالتنظيمي، ولم يدركوا أن من أشدّ أعدائهم كانت تلك التشوهات الذاتية والتناقضات العميقة الموروثة يقول: «كانت الأنا المزيفة التي تسكننا أكثر خطورة على مشروعنا».
لم تتناول الرواية الجانب السياسي في حياة الشخصيات فحسب، بل قدمت حياةً من لحم ودم، إذ نستطيع أن نلمس عبر المذكرات اهتمامات الشخصيات وبنيتها، ونرى علاقات الحب والتجارب الذاتية، ونقاط الضعف والنجاح والفشل. فبينما كان رياض يرى في الكاميرا وسيلته لاكتشاف كنوز الجمال بين ترانيم العتمة والضوء، كان سامي يرى أن الحب هو ما يجعله يكتشف هذه الكنوز، في إشارة واضحة إلى العنوان الذي يحمل الرغبة باكتشاف الجمال، جمال يتجلى في تلك العلاقات واندفاعها رغم خيبات الأمل والانكسارات التي حصدتها، وفي تلازم النقيضين (الضوء والعتمة) الذي يُظهِر الجمال الخفي لكليهما، كما الصور التي أخذها رياض للصديقة رنا بالأبيض والأسود.
وعبر تَداخُل العام بالخاص، يرصد النص ما انتهى إليه كل فرد من الأصدقاء، على الصعيد الشخصي، بينما تدور الأحداث على خلفية سياسة النظام الذي يزداد ديكتاتورية ويتغوّلُ جهازه الأمني في سياقٍ تُزرَع فيه عبادة الفرد في العقول. في استعادة من الطفولة، يتذكر زين ابن سامي ما كانت أمه سعاد تطلبه منه يومياً فور استيقاظه: «قول لأبوك صباح الخير» مُشيرةً إلى الصورة المُعلَّقة على الجدار. كان والده يقضي سنوات سجنه التي امتدت ثمانية عشر عاماً، لتتحول تلك الصورة إلى استعاضة عاطفية مقهورة لغياب الأب. يقارنُ زين صورة والده – الذي حُرِم منه – بالأبيض والأسود على الجدار، بصورة الأب القائد التي كانت تنتشر كالوباء في الأماكن العامة وتَدمَغ دفاتر المدرسة.
يضع الكردي الخطوط تحت ما رآه أسباباً ذاتية للانكسار الذي أصاب عملَ الرابطة، فيرى أن الانتقال من أنشطة الحلقات إلى الخلايا التنظيمية، جاء مُتسرِّعاً وغير ناضج، حتى على المستوى الشخصي للأعضاء، إلى جانب غلبة أسلوب الفروسية في مواجهة النظام القمعي الشرس، ثم الوقوع في فخ المحاصصة الطائفية في القيادات، وهو الأسلوب ذاته الذي كانت تتبعه السلطة في توزيع المناصب والإدارات. فضلاً عن عدم التوسُّع في المدن الكبرى كدمشق وحلب. وقد تنبَّهَ البعض لتلك الأخطاء في وقت مبكر فغادروا، ومنهم أعضاء في الهيئة القيادية كهيثم مناع وأحمد شاهين. وحاول البعض الآخر تحصين نفسه، لكنه لم يتمكن من النجاة من بطش النظام.
شكّلت حملات الاعتقال التي تعرَّضَ لها التنظيم مرة تلو أخرى عائقاً كبيراً أمامه، وكانت دليلاً على اختراقه أمنياً مما سبب اهتزاز الثقة بتماسُكه وسرّيته. كان الاعتقال تجربة قاسية على الأشخاص وعائلاتهم وأبنائهم الذين عاشوا دون آباء، وأحياناً دون أمهات أيضاً، بما يحمله هذا الاعتقال للشخص من إذلال يومي وانكسار. يمرّ الكردي على تجارب السجن، ويذكرها كوثائق في سياق مذكرات الأصدقاء.
يتداخل الزمن في أوراق الشخصيات، من ذاكرة قديمة إلى واقع معاصر استمرَّ لأربعة عشر عاماً حاملاً للسوريين الألم والدمار والخراب، نتيجة ما فعله النظام في البلاد بأكملها ليُحافظ على وجوده. وإن كان الكاتب قد أراد مراجعة تاريخية ونقدية للنشاط السياسي في سوريا خلال مراحل سابقة، فإنه يتابع في تسليط الضوء على الفترة الحالية لكشف النقاط المفصلية التي شكّلت تَحولاً في الثورة السورية.
فمن البداية، اجتمع الشباب الفرِح ببدء عهد جديد يحمل مشروع إقامة الحلم الذي استلموا رايته دون اتفاق مسبق، وكانوا من كل الأطياف، لكن النظام استخدم فكرة الأقليات ليَدقّ إسفين الشقاق بين مكونات الشعب، وساعدته القوى الإسلامية المُتشددة. ومع ازدياد عنف النظام والعنف المضاد من أصحاب الرايات السود، بدأ القلق يتسرب إلى الشباب المندفع، وهكذا جرَّهم النظام إلى ساحته جَرَّاً، بما بذرَه من شحن طائفي ومذهبي، مما هيأ الجو للجماعات التكفيرية التي استغلت المظلومية والدِّين بدعم من قوى خارجية، فصارت سورية أرض جهاد وغدا السوريون مطيّةً للنظام تارة، ولهذه الجماعة أو تلك تارة أخرى.
لا يفوتنا أن الحديث السياسي قد أوقع الكاتب أحياناً في فخّ المباشرة والتحليل السياسي التوثيقي للماضي، سواء في تفنيد أخطاء الجماعة، أو عبر عرض النقاش السياسي الدائر في الساحة السورية حالياً، في المواجهة بين الجيل القديم والجيل الشاب الذي يخوض تجربة مريرة وقاسية، إذ رغمَ عُريِّ الواقع السياسي في سورية، إلا أن الخلاف ما زال حارّاً ومتشعباً.
أراد علي الكردي في روايته أن يُعيدَ المؤشر إلى تجربة تستحق العناية والتفنيد، لتَواشُجِها مع معاناة الإنسان وتاريخ القمع والديكتاتورية في البلاد، وفي موازاة مع الحاضر المُحتدم بالأحداث، ليبني نسيجاً من الماضي والحاضر واشتباكات الأشخاص والتجارب والأخطاء. وسواء اختلفَ القارئ معه أم اتفق، فإن الكاتب يُقدم رؤية تلامس الواقع وتضعه مثارَ بحث. ولعل توقيت صدور الرواية، في ظلّ المتغيرات المصيرية التي تعتري البلاد وهي تقف على حافة جرف خطير، يجعل هذه الترانيم بين العتمة والضوء وبين الأمل والخيبة من الأهمية بمكان، إن قُدِّرَ للّاعبِ السوري أن يكون فاعلاً في أرضه.
بعد الثورة في 2011، تحوّلت البلاد كما يقول أحد الأصدقاء إلى سجن كبير تجري فيه، وعلى مرأى العالم كل أساليب انتهاك الإنسان وآدميته، حتى صار يخجل من ذكر آلام الماضي.
يُقدم الكردي بهذه الموضوعية والشفافية قراءته للماضي، وهو سجين سياسي سابق أمضى تسع سنوات في سجون النظام، علَّ الدروس تُجدي وتصل. كما يضع بين يدي القارئ حقبةً مليئة بالإرهاصات، وما أنتجته من واقع مفتوح على أفق المجهول.
رواية شيقة، كاشفة وجريئة مكتوبة بالألم الذي يُرخي ثقله لا من الماضي وحده، بل من الحاضر أيضاً. فالكاتب تُحرِّكهُ المسؤولية المُلقاة على عاتقه وعاتق جيله حين يتساءل، في البداية، ماذا يكتب الروائي في لحظة الدم؟ وأيّ عبء يقع على عاتقه في لحظة الدمار العام والانهيارات؟ ماذا يقول لتكون الكلمة هي الفصل؟
-