تتداول مصادر صحافيّة اسم رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف مفاوضاً محتملاً في صفقة شاملة يقول الرئيس الأميركيّ إنّها قد تنهي النزاع بين إيران والولايات المتّحدة. بصرف النظر عن دقّة التسريبات أو عدمها، يفتح تداول اسم من هذا الوزن سؤالاً يصعب تجاهله في لبنان: إذا كانت إيران تفاوض “الشيطان الأكبر” كلّما اقتضت مصلحتها ذلك، تحت النار وفوق الطاولة وتحتها، وتمنح تفاوضها أوصافاً من عيار “الحنكة والبراغماتيّة” و”حرفة صانع السجّاد”، ويفرد المفاوضون المخضرمون الكتب والأطروحات لاستعراض بطولاتهم الكلاميّة، فلماذا يصبح طرح التفاوض في لبنان مناسبة لاستدعاء مصطلحات التخوين، والتنصّل المسبق من المسؤوليّة؟ إذا قرّر قاليباف التفاوض مع ويتكوف، فلماذا يحلّ للإيرانيّين ما يحرَّم على اللبنانيّين؟ ولماذا يصبح التفاوض حلالاً لقاليباف وحراماً على الرئيس نبيه برّي؟
لا يستهدف هذا السؤال إحراج برّي، بل تحميله مسؤوليّته في لحظة دقيقة. ليس غريباً عن التفاوض، بل سبق أن اضطلع بأدوار سياسيّة في الترسيم البحريّ، وفي اتّفاق وقف إطلاق النار في 2024. هو الأكثر معرفة أنّ السياسة لا تدار بالرغبات، بل بميزان القوى، ولا تتحكّم بها الشعارات بقدر حسابات الكلفة والمصلحة. ربّما يكون اليوم معتكفاً بشيء من الصمت، كاظماً للغيظ من مغامرة أخيه الأصغر الانتحاريّة، ومن عهدٍ لم تلتزمه إسرائيل بالدرجة الأولى. ربّما، على ذمّة الراوي، يكون قد قرأ في النسخة العربيّة للاتّفاق وملاحقه ما لا يقوى على مصارحة اللبنانيّين به. لكنّ الحقيقة أنّ الاكتفاء بالغيظ لا يكفي في هذه المرحلة المفصليّة من تاريخ لبنان. لا يكفي التمسّك بلجنة “الميكانيزم” التي لم تسمن ولم تغنِ من جوع على مدى خمسة عشر شهراً، ولا يكفي استحضار منطق 6 شباط كلّما جرى الحديث عن التفاوض، فيما يهدّد العدوّ الإسرائيليّ بجعل حدوده الجديدة عند نهر الليطاني بعدما أخلى الجنوب من أهله.
رهان في غير محلّه
يعرف الرئيس برّي أنّ الشيعة في أغلبيّتهم الساحقة يرفضون التطبيع مع إسرائيل، حتّى إنّهم يرفضون التفكير في السلام معها. لكنّه أكثر العارفين أيضاً أنّ السياسة ليست أبيض أو أسود. وهذا ملعبه الذي لم ينازعه فيه أحد على مدى ثلاثة عقود كان فيها شاهداً على انهيار الاتّحاد السوفيتيّ، غزو أفغانستان والعراق، وصولاً إلى انهيار النظام السوريّ، وكان خلالها ولا يزال الأقدر على إدراك التحوّلات الكبرى، خاصّة تلك التي فرضتها هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأوّل الكارثيّة على الإقليم كلّه، لا على الفلسطينيّين وحدهم. لذلك يبدو مستغرباً أن يبقى متشبّثاً بقاموس لم تعد الوقائع تسمح له وحده بأن يحكم المرحلة. يعرف أنّنا بالحدّ الأدنى نحتاج إلى اتّفاق لإنهاء حالة الحرب قبل البحث في أيّة فرضيّات لم يحِن أوانها بعد.
ما يجري اليوم ليس حرباً تفتح أفقاً سياسيّاً جديداً للبنان. في أفضل الأحوال، أقصى ما يمكن أن تطمح إليه هذه الحرب هو إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2 آذار 2026، أو إلى ما قبل 6 تشرين الأوّل 2023، أي أنّها حرب لن تنتج واقعاً أفضل، بل تحاول فقط استرجاع وضع سابق جرى تدميره. ليست هذه الإعادة في الحساب السياسيّ البارد استراتيجية قابلة للصرف في الداخل، بل إدارة متأخّرة للخسائر. الحروب التي لا تنتج معادلة جديدة، ولا تفتح أفقاً مختلفاً، لا يمكن تحويلها إلى رصيد حكم أو فائض شرعيّة. أقصى ما يمكن أن تفعله هو استنزاف البلد والبيئة الحاضنة وتعميق الانقسام حولها.
من هنا يبدو الرهان على أن تنتج هذه الحرب مكسباً داخليّاً لـ”الحزب” هو رهان في غير محلّه. مهما كانت نتائجها الميدانيّة، لا يمكن تحويلها إلى عنصر حسم في السياسة الداخليّة، بل تعمّق الهوّة بين اللبنانيّين وبين لبنان ومحيطه العربيّ، وتغلق ما كان موارباً من أبواب إعادة الإعمار. إذا كانت هذه الأبواب مقفلة أصلاً قبل 2 آذار بسبب عدم إنجاز حصريّة السلاح، فهي اليوم أشدّ إقفالاً لأنّ أحداً لن يضخّ أموالاً في بلد لم يحسم بعد ما إذا كان يريد أن يكون دولة أم ساحة، هذا إذا لم نحتسب الأضرار التي ستطال علاقة لبنان بما بقي له من أصدقاء عرب نتيجة كشف خلايا متّهمة بارتباطها بـ”الحزب” في تلك الدول.
يعرف الرئيس برّي، بحكم تجربته، حدود الرهان على إيران، فطهران تفاوض حين تحتاج، وتقاتل حين تريد، وتستخدم ساحاتها وفق أولويّاتها لا وفق الحسابات اللبنانيّة. حتّى إذا خرجت من أيّ تسوية رابحة في بعض جوانبها، فلن تكون إعادة إعمار الجنوب ولا تبريد الساحة اللبنانيّة أولويّة تتقدّم عندها على إعادة ترتيب مصالحها ونفوذها وإعادة إعمار مدنها واقتصادها. هذا ليس حكماً أخلاقيّاً على إيران، بل وصف لطبيعة الدول حين تفاوض لحسابها أوّلاً.
في المقابل، يواجه لبنان واقعاً أكثر إلحاحاً، فأكثر من مليون وثلاثمئة ألف مهجّر، معظمهم من الشيعة، اقتُلعوا من بيوتهم وقراهم، ولا شيء يوحي أنّ مسار المعركة الحاليّة سيعيدهم قريباً إليها. نحن أمام بنية اجتماعيّة كاملة أُلقي بها في مجتمعات ليست هي نفسها التي استقبلتها في 2024، ولا تلك التي احتضنتها في 2006. من لا يستشعر مستوى الكراهية المستشري في البلد يكون كمن يغطّي الشمس بغربال. يدرك الرئيس برّي أنّ البلد على حافة الانفجار الداخليّ، ويدرك أنّ الكراهية صناعة احترفتها غرف سوداء من جهات مختلفة، قد يكون أكثرها إسرائيليّ المصدر، لكنّ أبواقاً لبنانيّة أيضاً لم تجد قاعاً لحقدها. يدرك أيضاً أنّ مغامرة “الحزب” ليست فقط إسناداً لإيران أو ثأراً لمرشدها، بل هي أيضاً طعنة مباشرة له ولمركزيّة دوره في بناء التوازن اللبنانيّ.
يملك الرئيس برّي المعطيات الكافية التي تبيّن أنّ البيئة الشيعيّة لم تعد كما كانت قبل الحرب الأهليّة. ليس الشيعة جمهور تعبئة وحسب، كما يعمل “الحزب” على تصويرهم. خلال العقود الماضية نشأت داخل الطائفة شرائح واسعة من المتعلّمين، أصحاب المهن الحرّة، رجال الأعمال، المستثمرين، أبناء الاغتراب، وطبقات كاملة باتت مصالحها مرتبطة بالاستقرار، العلاقات العربيّة، انفتاح السوق، وفكرة الدولة نفسها. ليست هذه الشرائح هامشيّة، وليست خارج الوعي السياسيّ للطائفة، بل في صلبه. لم يعد الشيعة “أمّة قلقة على عتبة الدولة”، كما وصفهم يوماً الكبير وضّاح شرارة، فقد أضحوا منذ عقود عصباً رئيساً من أعصاب الدولة سياسيّاً واقتصاديّاً لدرجة أنّ الدولة كانت توصف على مدى أكثر من عقدين بأنّها “دولة الشيعة”. لذا من الخطأ التعامل معهم كأنّهم جمهور يلتحق تلقائيّاً بأيّ خيار عسكريّ أو تعبويّ. هنا بالضبط تكمن إحدى مسؤوليّات برّي: أن يقرأ هذا التحوّل كما هو اليوم بلغة اليوم وطموح اليوم، لا كما كان قبل جيل أو جيلين.
إدارة الأزمة أو صناعة الدّور؟
هذا ينسحب أيضاً على “الحزب” نفسه. ليس صحيحاً أنّ “الحزب” كتلة واحدة مندفعة إلى النهاية من دون حساب. في داخله أيضاً عقلاء يعرفون أن لا مصلحة للبنان، ولا للشيعة، ولا حتّى لـ”الحزب” نفسه، في حرب مفتوحة بلا أفق سياسيّ. يعرفون أنّ المخرج التفاوضيّ لا يعني بالضرورة نهاية “الحزب”، ولا إلغاء حضوره، ولا محوه من المعادلة اللبنانيّة بين ليلة وضحاها، كما يصوّر البعض من خصومه أو يتخوّف البعض في بيئته. بل قد يكون، على العكس، المخرج الوحيد الذي يقيه ويقي بيئته تحمّل أثمان تتجاوز قدرتهما على الاحتمال. هذه نقطة أساسيّة يُفترض ببرّي أن يبني عليها: ليس التفاوض إعلان استسلام، بل محاولة لنقل الصراع من طور يستنزف الجميع إلى طور يتيح إعادة ترتيب الوقائع ضمن حدود الممكن.
من هذه الزاوية، لا يُفترض بدور برّي أن يكون موجّهاً ضدّ “الحزب”، بل إلى فتح باب لا يستطيع “الحزب” فتحه وحده، ولا يستطيع خصومه وحدهم فرضه عليه، أي باب المخرج السياسيّ الذي يحمي ما بقي من البلد، ويمنع الانفجار الداخليّ، ويمنح الجميع مساحة انتقال من الحرب إلى التسوية، من دون مطالبة أيّ طرف بإعلان انتحاره السياسيّ. هذه وظيفة رجل مثل برّي: أن لا يكسر أحداً، بل يجد صيغة تمنع انكسار الجميع.
لذلك يبدو التمسّك بمنطق “الوفد الميثاقيّ” عبثيّاً. ما معنى أن يذهب لبنان إلى تفاوض بهذا الحجم بوفد موزّع على الطوائف، فيما تسمّي إسرائيل رون ديرمر أحد أعتى المفاوضين وأكثرهم شراسة، حنكةً، والتصاقاً بدونالد ترامب وبنيامين نتنياهو؟ ليس الفارق هنا في الأسماء فقط، بل في فلسفة التفاوض نفسها: دولة تتصرّف باعتبار الملفّ على رأس أمنها القوميّ، في مقابل دولة متردّدة تتعامل معه كأنّه مادّة إضافيّة في دفتر المحاصصة. إذا كان ثمّة درس ينبغي أن يُفهم من هذا التفاوت، فهو أنّ التفاوض الجدّيّ لا يحتمل وفداً يوزّع الحرج الطائفيّ، بل يحتاج إلى قرار، إلى غطاء سياسيّ واضح، وإلى جهة تتحمّل المسؤوليّة كاملة.
من هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يطرحه برّي على نفسه سؤالاً تاريخيّاً لا تكتيكيّاً: هل يكون الشيعة أقوى إذا استمرّت إيران بالتفاوض عنهم كأنّهم ورقة في ملفّ إقليميّ كبير ينتظرون صدور الحكم الجديد على مصيرهم من طاولة لا يجلسون إليها أم يكونون في موقع أفضل إذا استعادوا، عبر الدولة اللبنانيّة، قرارهم السياديّ، وحصّنوا موقع الشريك الكامل في الكيانيّة اللبنانيّة لا موقع الجبهة المتقدّمة لمشروع خارجيّ؟ ما هي تركته وإرثه السياسيّ الذي سيُذكر به في كتب التاريخ؟ هل يكون الزعيم الذي حمى موقع الشيعة داخل الدولة أم تركهم رهناً لمعادلات أدّت إلى إفراغ جبل عامل من الوجود الشيعيّ الذي لم ينقطع منذ 1400 عام؟
لهذا لا يبدو السؤال موجّهاً إلى برّي من باب الإحراج، بل من باب المصلحة التي يعرفها هو أكثر من غيره. إذا كان التفاوض حلالاً على قاليباف حين تقتضي مصلحة إيران ذلك، فلماذا يبقى حراماً على برّي حين تقتضي مصلحة لبنان ذلك؟ في لحظة كهذه، لا يكفي الصمت، ولا يكفي الغيظ، ولا يكفي انتظار أن تتبدّل الموازين من تلقاء نفسها. المطلوب قراءة أكثر برودة وجرأة تقول إنّ كلفة الامتناع عن البحث عن مخرج تفاوضيّ صارت أعلى من كلفة الذهاب إليه، وإنّ حماية الشيعة، حماية الجنوب، وحماية لبنان قد تمرّ هذه المرّة من باب السياسة لا من باب المكابرة.
فليضرب الرئيس برّي موعداً لديرمر في قبرص ويشترط عليه قبل الصعود إلى الطائرة أن تتوقّف النار، فهل تجرؤ إسرائيل عندئذٍ على الرفض؟! هذه هي اللحظة التي تميّز بين من يدير أزمةً ومن يصنع دوراً، وبرّي يعرف ذلك جيّداً.
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
