
بعد سلسلة الاغتيالات التي قضت على كبار قادة الحرس الثوري برزت أدوار أحمد وحيدي وحسين طائب وحسين نجات في المشهد السياسي الإيراني ( اندبندنت عربية)
ملخص
بعد القضاء على 35 قائداً كبيراً في الحرس الثوري الإيراني خلال حربين مع إسرائيل والولايات المتحدة، برز مثلث طائب ووحيدي ونجات، الذي له تاريخ طويل في الأمن الداخلي والقمع، كصانع القرار الرئيس في الهيكل العسكري والأمني للنظام.
أدت المواجهات العسكرية المتتالية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران خلال عامي 2005 و2006 إلى تصفية عدد كبير من قادة الصفين الأول والثاني في الحرس الثوري الإيراني، وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والشبكة الأمنية للنظام الإيراني، ويرى المحللون والمصادر المطلعة أن هذه التصفية الواسعة النطاق لم تكن مجرد ضربة عسكرية، بل أحدثت تحولاً جذرياً في هيكل السلطة داخل النظام، مما أدى إلى عودة الشخصيات الأمنية والعسكرية المستبعدة لأعلى مناصب صنع القرار، وترقية قادة الرتب الأدنى إلى مناصب قيادية عليا.
وكانت حرب الأيام الـ 12 نقطة انطلاق هذا التغيير والتحول، فوفقاً للمعلومات المنشورة فقد استهدفت إسرائيل قمة هرم القيادة العسكرية للنظام الايراني خلال الساعات الأولى من الهجمات، ومن بين القتلى أسماء معروفة مثل القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس أركان القوات المسلحة محمد باقري، وقائد مقر خاتم الأنبياء غلام علي رشيد، وخليفة رشيد في المقر نفسه علي شادماني، وقائد القوات الصاروخية للحرس الثوري أمير علي حاجي زاده، ورئيس جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري ومحمد كاظمي.
وتضم هذه القائمة أكثر من 35 قائداً عسكرياً رفيع المستوى قُضي عليهم خلال 12 يوماً، وإضافة إلى الأسماء المذكورة آنفاً فقد قُتلت شخصيات أخرى خلال هجمات إسرائيلية عدة، من بينهم نائب رئيس استخبارات الحرس الثوري محسن باقري، ونائب المفتش العام لمقر “خاتم الأنبياء” محمد جعفر أسدي، والقائد البارز في القوات الجوية للحرس الثوري داود شيخيان، وقائد وحدة الطائرات المسيّرة الجوية للحرس الثوري محمد باقر طاهر بور، والمسؤول الرفيع في القيادة العامة للحرس الثوري مسعود شنائي، وقائد وحدة حماية الاستخبارات في منظمة الـ “باسيج” محمد تقي يوسفوند، وقائد وحدة نقل الأسلحة في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري بهنام شهرياري، ونائب رئيس استخبارات الحرس الثوري حسن محقق.
ولم تقتصر أهمية هؤلاء الأفراد على مناصبهم الرسمية وحسب، فخلال فترة قيادته نجح القائد العام السابق للحرس سلامي في تحويله إلى لاعب رئيس في السياسة الداخلية الإيرانية أكثر من أي وقت مضى، فلم يكن سلامي مجرد قائد عسكري وحسب، بل كان أيضاً المتحدث الأيديولوجي للمشاريع الإقليمية للنظام، أما محمد باقري فكان ينظر إليه على أنه حلقة الوصل بين الجيش والحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى، بينما كان غلام علي رشيد العقل المدبر للتصميم العملياتي لهيكل الحرب في النظام.
واستهدفت الموجة الثانية من الهجمات الأميركية – الإسرائيلية خلال حرب الـ 40 يوماً قادة المخابرات والأمن، ومن بين المستهدفين الرئيس الجديد لجهاز استخبارات الحرس الثوري ماجد خادمي، ورئيس جهاز استخبارات الشرطة غلام رضائيان، والقائد العام للحرس الثوري الذي خلف سلامي خلال حرب الأيام الـ 12، محمد باكبور، وعلي شمخاني مستشار المرشد، ورئيس منظمة الـ “باسيج” غلام رضا سليماني، ورئيس الدائرة العسكرية في مكتب المرشد الأعلى محمد شيرازي، والمتحدث باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني، ورئيس جهاز الاستخبارات في مقر خاتم الأنبياء صالح أسدي، وقائد القوات البحرية للحرس الثوري علي رضا تنكسيري، وقد أحدثت هذه القائمة تحولاً جذرياً في هيكل القيادة العسكرية للنظام، إضافة شخصيات مثل زير الاستخبارات إسماعيل الخطيب، ورئيس أركان القوات المسلحة عبدالرحيم موسوي، ووزير الدفاع في الحكومة الـ 14 وعزيز ناصر زاده ونتيجة لذلك فقد نتج من ذلك، بحسب المحللين، فراغ غير مسبوق في الهيكل الأمني العسكري للبلاد، كان لا بد من ملئه.
عودة وحيدي: من الهامش إلى أعلى مراكز صنع القرار في النظام
يعد القائد السابق لـ “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني ووزير الداخلية في حكومة إبراهيم رئيسي، أحمد وحيدي، أحد أبرز الشخصيات التي عادت لمركز السلطة بعد إقالة كبار القادة، ويقال إنه يشرف على أهم الشؤون العسكرية والأمنية والسياسية للنظام، ولا سيما بعد اغتيال علي لاريجاني، ويعد وحيدي من أهم قادة الحرس الثوري خلال التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، وكان من مؤسسي هيكل الحرس الثوري الخارجي، وقاد “فيلق القدس” المنشأ حديثاً بعد الثورة، وقد برز اسم وحيدي لأعوام في قضية تفجير المركز اليهودي (أميا) في الأرجنتين، وأصدرت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (إنتربول) مذكرة توقيف بحقه.
ومع تولي قاسم سليماني قيادة “فيلق القدس” تراجع نفوذ وحيدي تدريجياً وانسحب من القيادة العسكرية العليا، وفي الأعوام اللاحقة برز وحيدي في مناصب تنفيذية وأمنية داخلية، بدءاً من وزارة الدفاع في حكومة أحمدي نجاد وصولاً إلى وزارة الداخلية في حكومة رئيسي، وكان له دور محوري في قمع احتجاجات عام 2022.
لكن إقالة كبار قادة الحرس الثوري خلال الحربين الأخيرتين أعادت وحيدي لدائرة السلطة المركزية، ووفقاً لتقارير منشورة فقد أدى دوراً حاسماً في إعادة بناء هيكل قيادة الحرس الثوري بعد الهجمات الإسرائيلية، وخلال الأسابيع الأخيرة، ومع تكرار فشل المفاوضات التي قادها محمد باقر قاليباف، تشير تقارير إلى دور وحيدي المحوري في قيادة المفاوضات، وتأكد حضوره البارز في فريق التفاوض الإيراني.
ويؤكد محللون أن وصول وحيدي إلى السلطة لم يقتصر على توليه قيادة الحرس الثوري وحسب، فهو أحد أضلاع المثلث الذي أوصل الحرس الثوري الإيراني إلى قمته كفريق موحد، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أنه بعد إقالة علي لاريجاني سُحب جزء من الصلاحيات التنفيذية وصلاحيات اتخاذ القرار من ذو القدر، السكرتير المناوب للمجلس الأعلى للأمن القومي، ووضعها في أيدي كبار قادة الحرس الثوري الإيراني مثل وحيدي ودائرة قيادة خاتم الأنبياء.
طائب ونجات: شخصيتان بارزتان في الأمن الداخلي على قمة السلطة
يعد حسين طائب من الشخصيات التي عادت لمراكز صنع القرار بعد الأزمة الأخيرة، وهو شخصية ذات أهمية خاصة وكان أحد أقرب المقربين إلى مجتبى خامنئي، ومن أقوى الشخصيات الأمنية في النظام خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وأدت علاقة طائب الوثيقة بمجتبى إلى أن تصبح منظمة استخبارات الحرس الثوري أهم مؤسسة أمنية داخلية في عهده، وقد أدى طيب دوراً محورياً في قمع احتجاجات عام 2009، ويُحمّل كثير من النشطاء السياسيين والصحافيين “استخبارات الحرس الثوري” مسؤولية الاعتقالات وملفات القضايا والقمع الواسع النطاق خلال فترة رئاسته، وأدت الإخفاقات الاستخباراتية المتتالية للحرس الثوري، بما في ذلك اغتيال محسن فخري زاده، وسرقة الوثائق النووية، والنفوذ الإسرائيلي الواسع في هيكل الأمن داخل النظام، إلى إقالة حسين طائب من استخبارات الحرس الثوري، ومع ذلك فيرى محللون فيه الذراع الخفية لمجتبى خامنئي في تصفية المنافسين وتشكيل النظام الأمني، ومع إعلان خامنئي الشاب قائداً يعتقد كثيرون أن طائب هو المسؤول عن المرحلة الاستخباراتية والأمنية للبلاد.
أما الضلع الثالث في هذا المثلث فهو حسين نجات، شخصية تظهر بصورة أقل في وسائل الإعلام، لكنها تتمتع بنفوذ واسع في بنية السلطة الحقيقية للنظام، وقد عمل لأعوام في مقر “ثارالله” في طهران، وهو أهم جهاز أمني داخلي للحرس الثوري، وله دور في قمع الاحتجاجات الطلابية واحتجاجات عام 2009، والموجات اللاحقة من الاحتجاجات، ويُعد شخصية مقربة من القيادة ودائرة أمن مجتبى خامنئي.
وخلال الأعوام السابقة، مع صعود جيل من قادة الحرس الثوري الأكثر خبرة في العمليات، مثل سلامي وحاجي زاده، كان دور نجات خفياً إلى حد ما، لكن إقالة كبار القادة وتركيز النظام على الأمن الداخلي عززا موقعه مجدداً، ويعزى كثير من القرارات الأمنية في العاصمة وإدارة ساحة الاحتجاج إلى دائرة يؤدي فيها نجات دوراً محورياً، ويُشاع أن إدارة قاعدة خاتم الأنبياء قد سُلمت فعلياً إلى نجات بعد إقالة قادتها رفيعي المستوى، ووفقا لمحللين فإن السياسات العسكرية والإقليمية، وحتى الدبلوماسية النووية، مستحيلة من دون موافقة مثلث وحيدي وطائب ونجات.
جعفري وموسوي وحجازي: ثلاث شخصيات في ثلاثة أدوار مختلفة
وإضافة إلى مثلث السلطة الرئيس تؤدي ثلاث شخصيات أخرى أدواراً مختلفة في هذا الهيكل الجديد، ويعد القائد العام للحرس الثوري الإيراني من عام 2007 إلى 2019، عزيز جعفري، أحد مهندسي هيكل القيادة الجديد، فخلال فترة قيادته حوّل الحرس الثوري من قوة عسكرية بحتة إلى شبكة أمنية واقتصادية وسياسية، وهو نموذج يعتبر اليوم الركيزة الأساس لبقاء النظام، وبعد إقالته من منصب القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني عام 2019، نُقل إلى مقر “بقية الله الأعظم” الثقافي والاجتماعي بأمر من علي خامنئي، وقد أصبح هذا المنصب الآن الذراع الدعائية الأهم لخطاب القادة الجدد، ويعتقد المحللون أن جزءاً كبيراً من البرامج الميدانية والشعبية في البلاد يدار مباشرة تحت إشراف جعفري.
ووفقا للأدلة المتوافرة فإن تنسيق القادة مع القيادة الجديدة وإدارة هيكل الحرس الثوري الإيراني المنهار ومقر خاتم الأنبياء ما كان ليتحقق لولا دور هذا القائد العام السابق، وقد ذُكر اسم جعفري سابقاً في ملفات مسربة تتعلق بالفساد الاقتصادي داخل مؤسسة التعاون التابعة للحرس الثوري والشبكة المالية المرتبطة بـ “فيلق القدس”.
أما القائد الحالي لسلاح الجو التابع للحرس الثوري، مجيد موسوي، فسرعان ما تحول أخيراً إلى أحد أهم الشخصيات العسكرية في النظام بعد مقتل حاجي زاده خلال الموجة الأولى من الهجمات الإسرائيلية، وكان لموسوي، الذي خلف حاجي زاده لأعوام عدة، دور مباشر في تطوير برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة والقواعد تحت الأرض التابعة للحرس الثوري، ويعد مقرباً من الدائرة الفنية والعملياتية لحسن طهراني مقدم الذي قتل بعملية غامضة في وقت سابق، وعُرف عنه أنه المسؤول الأول عن تطوير القوة الصاروخية للنظام.
وبعد حرب الـ 40 يوماً بذلت وسائل الإعلام الرسمية جهوداً مكثفة لتصوير موسوي بصورة جذابة، من خلال قصص سرعة إعادة بناء مخزونات الصواريخ وفشل إسرائيل في تتبعه، ويرى محللون أن هذا التصوير ما هو إلا تكرار لنمط استخدم سابقاً مع سليماني وحاجي زاده، ومع ذلك وردت أيضاً تقارير عن استياء بعض أفراد القوات الجوية الفضائية من أداء موسوي الميداني خلال حرب الـ 40 يوما.
أما علي أصغر حجازي فيعد الشخصية الأكثر غموضاً خلال هذه الفترة، وبعد الهجوم الإسرائيلي على مجمعات مرتبطة بمقر المرشد الأعلى، أفادت بعض وسائل الإعلام بمقتله، لكن بعد ساعات نفت وسائل إعلام مقربة من الحكومة هذا الخبر، وحتى يومنا هذا لا يزال مصير حجازي غامضاً، وكان أحد أهم الشخصيات الأمنية في مكتب علي خامنئي على مدى العقود الثلاثة الماضية، ويعتبره كثيرون مسؤولاً عن التنسيق بين مكتب المرشد الأعلى وجهاز المخابرات التابع للحرس الثوري ووزارة الاستخبارات، وبرز دوره بصورة لافتة في القرارات الأمنية الكبرى والقمع السياسي وتحديد موازين القوى بين أجهزة الاستخبارات، ولهذا السبب عُدت حتى مجرد شائعة إقالته مؤشراً على شدة الضربة التي تلقاها الهيكل المركزي للنظام، وإذا كان على قيد الحياة فمن المتوقع أن يكون له دور محوري في السياسات المتعلقة بمكتب المرشد الأعلى الجديد.
“مقر خاتم الأنبياء” وإقصاء الشخصيات السياسية
لفهم هذا التقسيم الطبقي الجديد فلا بد من النظر إلى مؤسسة برزت أكثر من أي وقت مضى خلال حرب الـ 40 يوماً وهي “مقر خاتم الأنبياء”، فإذا كان هذا المقر يعرف في العقود السابقة بأنه الذراع الاقتصادي للحرس الثوري، فمن خلاله يتخذ الآن كثير من القرارات اللوجستية وإعادة الإعمار وإدارة البنية التحتية والتنسيق الأمني للبلاد، إذ شكّل اغتيال قائد المقر غلام علي رشيد ضربة قوية لهذا الهيكل، ولم يدم تعيين علي شادماني سوى أيام عدة، وكان شادماني نفسه هدفاً للهجوم الإسرائيلي مما أدى إلى إقصاء الشخصيتين الرئيستين في هذا المقر من هيكل صنع القرار في أقل من 10 أيام، وسرعان ما شُغل مكانهما بقادة متوسطي المستوى وأكثر خبرة في الشؤون الاقتصادية في الحرس الثوري، وهم قادة، عكس الجيل السابق، يمتلكون خبرة أوسع في النشاط الاقتصادي ومشاريع التنمية وإدارة الشبكات المالية للحرس الثوري، مقارنة بالقيادة التقليدية، لكن خلال حرب الـ 40 يوما تحول “مقر خاتم الأنبياء” عملياً إلى مركز إدارة الأزمات في البلاد.
وبالتزامن مع النفوذ الرسمي لهذا المقر في تنفيذ سياسات الحرب فقد امتدت عمليات الاغتيال لتشمل المستويات المتوسطة من هذا المجمع، بل وحتى المؤسسات التابعة له في المحافظات، حدّ أن بعض الشخصيات التي جرت تصفيتها، مثل نائب المفتش العام لـ “مقر خاتم الأنبياء” محمد جعفر أسدي، كانت تفتقر إلى الخبرة بصورة ملاحظة مقارنة بخلفائها.
وعلى الصعيد المحافظي كان نائب قائد حرس محافظة البرز، مجتبى كرامي، ونائب مسؤول الشؤون الاجتماعية في حرس محافظة البرز، أكبر عنايتي، ونائب قائد مقر حرس محافظة البرز، مجتبى معينبور، ونائب مسؤول الدعم في مقر قيادة المنطقة الجنوبية الغربية، عباس نوري، مجرد أمثلة قليلة من قائمة طويلة من قادة المحافظات في الحرس الثوري الإيراني ومقراته الرئيسة، مثل “مقر خاتم الأنبياء”، ومن خلال استهداف مراكز قيادات مختلفة، مثل قيادة “ثارالله” وقيادة “الإمام علي”، جرى القضاء على بعض القوات والقادة في هذا المجمع الضخم على مستويات مختلفة، وقد خلقت هذه التصفية الواسعة النطاق لمختلف الرتب وضعاً غامضاً لكنه مقصود، إذ وضع مثلث وحيدي ونجات وطائب في موقع مميز.
ويعتقد بعض المحللين أن ترتيب قيادة المستويات التي جرت تصفيتها في “قيادة خاتم الأنبياء” وضعت تحت إشراف هذه الدائرة، وأن الطيف السياسي لمسؤولي النظام، بمن فيهم وزراء الدولة ومحمد باقر قاليباف، يتمتع بنفوذ أقل في هذه الهيئة، واتخذت هذه المسألة منحى جديداً، ولا سيما بعد تصفية علي لاريجاني، فقد أشارت بعض التقارير قبل بدء الحرب إلى أن علي خامنئي أبلغ جميع الرتب السياسية والعسكرية أنه في حال تصفيته فسيكون لاريجاني مسؤولاً عن ترتيب مؤسسات صنع القرار في النظام، ومع ذلك خلّف عزل لاريجاني فراغاً واضحاً، وأثار الشكوك حول تسريب مكان وجوده يوم الهجوم عمداً من قبل بعض المقربين منه.
وإضافة إلى لاريجاني فقد كان عزل علي شمخاني، الذي كان له دور مهم في المفاوضات الإقليمية والنووية خلال الأعوام الأخيرة، عاملاً آخر في صعود طبقة جديدة من القيادة الأمنية والعسكرية في الحرس الثوري الإسلامي.
ذو القدر رمز لتراجع السياسة أمام الجيش
محمد باقر ذو القدر عميد في الحرس الثوري الإسلامي، وقاد فيلق “سيد الشهداء” في محافظة طهران بين عامي 2020 و2023، ويعمل حالياً مستشاراً للقائد العام للحرس الثوري، وهو شخصية تسعى منذ عقد من الزمن إلى الانتقال من شخصية عسكرية إلى شخصية سياسية، ويظهر اختياره في دوائر القرار، خليفة للاريجاني، بوضوح تفوّق القيادة العسكرية العليا الحالية للحرس الثوري الإيراني، وعلى رغم انتمائه إلى صلب قيادة الحرس الثوري لكنه لا يملك حتى سلطة لاريجاني نفسها، بسبب إقصائه من الدائرة المقربة من وحيدي وطائب، وهو ما يبرز أهمية القضاء على الطبقتين الرئيستين من قادة الحرس الثوري.
ووفقاً لمحللين فإن نتيجة هذه التصفية المتتالية وضع باتت فيه السلطة اليوم، بعد أن كانت قائمة خلال العقود الماضية في الأقل بتوازن داخل القوى، بين الدبلوماسيين والتكنوقراط والقادة العسكريين، محتكرة بصورة شبه كاملة من قبل دوائر الأمن التابعة للحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى، وما برز بعد الحربين الأخيرتين هو ما يشبه حكومة ثالثة للحرس الثوري، فقد قتل القادة الرئيسون، وتولى السلطة الآن من كانوا إما في الظل لأعوام أو جرى تهميشهم بسبب التطرف أو الإخفاقات الاستخباراتية أو التدخلات السياسية.
ويعد حسين طائب وأحمد وحيدي وحسين نجات وشبكة “مقر خاتم الأنبياء”، على عكس الجيل السابق من الحرس الثوري، شخصيات أقل خبرة عسكرياً وأكثر خبرة في مجالات الأمن الداخلي والقمع السياسي والعمليات الاستخباراتية وإدارة الشبكات الاقتصادية، وفي مثل هذا الهيكل تُعطى الأولوية للبقاء وإعادة بناء بنية السلطة لمصلحة هذه الدائرة ومجتبى خامنئي على أية خطط سياسية، وهو ما يفسر لماذا، بعد القضاء على الطبقتين الأولى والثانية من القادة، اتجه النظام الايراني أكثر من أي وقت مضى نحو مركزية الأمن الداخلي والاحتكار السياسي، فالنظام الذي كان يعتمد في السابق على أمراء الحرب والإستراتيجيين الإقليميين، أصبح الآن يدار من شخصيات أمنية وشبكات ضليعة في العمل الاستخباراتي والاقتصادي.
نقلاً عن اندبندنت فارسية