اكرم حسين.. كاتب
يشكل ترشيح الزملاء الكرد في مجلس الشعب السوري لمنصب نائب رئيس المجلس محطة سياسية غنية بالدلالات، تستحق التوقف والتحليل، بعيداً عن المبررات المباشرة التي ساقها المترشحون، والتي تتلخص في إيصال رسالة سياسية مفادها أن هذا المنصب السيادي يجب أن يكون للكرد، خصوصاً في ظل غياب أي تمثيل كردي في السلطة القضائية العليا (المحكمة الدستورية ) أو في أي منصب سيادي في الحكومة السورية الحالية.
لكن ما يثير الانتباه حقاً، ويتجاوز في أهميته مضمون الترشح ومبرراته، هو العبارة التي وردت في النص المعلن: “الاتفاقيات بين أعضاء المجلس حول جميع المناصب كانت قد حسمت منذ مدة”
هذه العبارة، بقدر ما تبدو اعترافاً عابراً بواقع سياسي، إلا أنها تكشف عن جوهر الأزمة التي تعصف بالعملية السياسية في سوريا. فإذا كانت المناصب السيادية في السلطة التشريعية تُحسم عبر “اتفاقيات مسبقة” بين أعضاء المجلس، بعيداً عن آليات الانتخاب الديمقراطية الشفافة، فإن هذا يؤشر بوضوح إلى أن العملية برمتها تجري برعاية السلطة التنفيذية وتوجيهاتها.
والسمة الأبرز لهذه الحالة هي طغيان السلطة التنفيذية على كل من السلطة القضائية والسلطة التشريعية، مما يحول مجلس الشعب إلى مجرد هيئة استشارية للمصادقة على قرارات تتخذ من قبل السلطة التنفيذية ، وفي هذا السياق، يصبح الترشح للمناصب، مهما كانت مبرراته الوطنية أو القومية، مجرد مشاركة في لعبة سياسية مفروضة القواعد، لا تغيّر من جوهر اختلال التوازن بين السلطات شيئاً.
وهنا، لا يمكننا أن نتجاوز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كانت مشاركة الكرد في مجلس الشعب، دون اتفاق سياسي واضح يحدّد آليات المشاركة في الحكم وصيغ تقاسم السلطة، خطأ استراتيجياً؟
يحتّم ، الموقف الكردي التاريخي، الذي امتد لعقود من النضال، والذي حمل في طياته تضحيات جساماً: اعتقالات، حرمان من الوظائف، إقصاء منهجي، واستشهاد خيرة شباب الكرد في سبيل المطالبة بحقوقهم المشروعة في إطار الوطنية السورية. اليوم أكثر من أي وقت مضى، وقفة مراجعة جادة وشجاعة.
فالمشاركة في مؤسسات الدولة الجديدة دون ضمانات سياسية واضحة، ودون إطار تفاهمي يضمن الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية للكرد، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، منها:
· شرعنة الإقصاء عبر المشاركة الشكلية التي لا تترافق مع تأثير حقيقي في صنع القرار.
· تفريغ النضال التاريخي من مضمونه بتحويله إلى مكاسب رمزية لا تلامس جوهر المطالب.
· إرباك الحركة الكردية داخلياً، بين تيار يرى في المشاركة مدخلاً للتغيير التدريجي، وآخر يراها تطبيعاً مع سياسات تهميشية.
ما يستدعيه المشهد الراهن، في ظل فشل مفهوم “وحدة الساحات” الذي راهنت عليه بعض الأطراف الكردية، هو إعادة النظر بجدية في الفلسفة السياسية الكردية من زوايا عدة:
أولاً: العودة إلى القاعدة الشعبية. فلا يمكن لأي موقف سياسي أن يكون مشروعاً إذا لم ينبع من إرادة الشعب الكردي نفسه، عبر آليات تشاورية حقيقية تعبر عن تطلعاته واحتياجاته المتنوعة.
ثانياً: توحيد الصف الكردي. فالتشرذم السياسي الكردي كان ولا يزال أحد أهم عوامل إضعاف الموقف التفاوضي. ولذلك السعي الحقيقي إلى وحدة الموقف، دون فرض وصايات، ضرورة ملحة لانتزاع الحقوق.
ثالثاً: صياغة رؤية وطنية جامعة. بحيث تتجاوز المطالب الكردية الخطاب القومي الضيق، لتتسع ضمن إطار وطني سوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة المتساوية، والتعددية الثقافية، واللامركزية ، وتوزيع عادل للسلطة والثروة.
رابعاً: استنهاض العمل النضالي الديمقراطي. مهما كانت العقبات، فالوسائل الديمقراطية المشروعة داخل المؤسسات وفي الشارع تبقى الأدوات الأكثر فاعلية لدفع التغيير، شريطة أن تقترن برؤية واضحة واستراتيجية طويلة الأمد.
ويبقى السؤال المشروع الذي ينتظر إجابته من الممارسة العملية:
هل ستقبل الحكومة السورية الحالية ، بشراكة حقيقية للكرد في الدولة ومؤسساتها؟ أم ستواصل التعامل مع الملف الكردي كمسألة أمنية أو إدارية، تمنح فيها الوعود دون الوفاء، وتقدم فيها التنازلات الشكلية دون الجوهرية؟
سيكشف المستقبل وحده النقاب عن نوايا جميع الأطراف. لكن الأكيد أن الكشف عن هذه النوايا يتطلب عملاً نضالياً دؤوباً ومتواصلاً، بكافة السبل والوسائل الديمقراطية المشروعة، مع إدراك أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الوحدة الكردية هي المدخل الأساسي لتحقيق أي اختراق سياسي حقيقي.
في النهاية، لا يمكن فصل قضية الكرد في سوريا عن مسار التحول الديمقراطي الشامل في البلاد . فالدولة المدنية الديمقراطية التي تتسع للجميع، وتضمن الحقوق الدستورية لجميع مكوناتها، هي الإطار الذي يمكن من خلاله تحقيق العدالة والكرامة للشعب الكردي ولجميع السوريين ، وهذا يستدعي من الجميع، أكراداً وعرباً وسرياناً وغيرهم، العمل المشترك لبناء سوريا جديدة على أنقاض الاستبداد والتهميش.