-
زينة شهلا….. الجمهورية .نت
-
-
-
في شارع المرابط وسط مدينة حماة، والمزدحم بأصوات الباعة الذين ينادون على بضائعهم، ومئات المارة على مدار الساعة، ووسائل النقل على اختلافها، وصافرات رجال الشرطة، تقف بوابة كبيرة يُمكن أن تأخذك خلال ثوان قليلة، نحو عالم مختلف تماماً.
«سوق المهن اليدوية» عبارة كتبت بأحرف كبيرة ذهبية اللون فوق البوابة، التي تُفضي إلى ساحة واسعة يُحيط بها نحو 30 من المحلات الصغيرة المتجاورة، وإلى جانب البوابة لوحة تعريفية بالمكان: إنه «خان رستم باشا» الذي يعود تاريخه إلى العهد العثماني، فقد كان تكية، ثم تحول إلى خان، فثكنة عسكرية، فمدرسة للأيتام. واليوم، هو مكان يجمع الحرفيين والصناعات اليدوية التراثية، خاصةً تلك المرتبطة بمحافظة حماة.
داخل ساحة السوق، أو «الخان» كما يُشير إليه كثير من سكان المدينة ورواد المكان، يحل الهدوء نوعاً ما، ولا يقطعه سوى صوت النول الخشبي، أو دولاب الفخار، أو قوالب الطباعة الخشبية. أما الزوار والمتسوقون، فهم أشبه بالعملة النادرة اليوم في هذا المكان. «بتذكر عام 2009، بعد افتتاح الخان، كانوا الزوار الكتف عالكتف، وما كان يفضى. من 2011 ولليوم تقريباً ما عاد إجى حدا»، يُخبرني محسن الدبيك، وهو من أواخر حرفيي النول اليدوي الحموي التقليدي الذي يشتهر بصناعة المناشف القطنية على نحو خاص.
يعمل الدبيك بهذه الحرفة منذ سبعينيات القرن الماضي وقد ورثها عن والده وجده. وداخل محله الكبير في السوق، لا تهدأ يداه وقدماه عن حياكة المناشف بقياسات وألوان وتصاميم مختلفة. كانت الأعوام الفائتة صعبة للغاية بالنسبة له، ولا يعود ذلك لقلة الزوار وانخفاض حركة البيع فقط، وإنما أضيفت إلى ذلك عوامل أخرى منها صعوبة الحصول على المواد الأولية، وتراجع أعداد حرفيين آخرين لا بد من وجودهم في هذه المهنة، مثل «المسدّي»؛ أي من يركّب الخيوط الطولية للأنوال، فصار يعتمد على نفسه لهذا الغرض.
«رغم كل ذلك، فحركة المبيع في انخفاض متزايد خلال العام الأخير، والسبب الأساسي لذلك برأيي الواقع الاقتصادي الصعب لعموم السوريين، والغلاء الفاحش، فأسعار المواد الضرورية مثل الخبز والغاز تضاعفت. من سيهتم بشراء المنتجات اليدوية في هذا الوضع؟»، يقول، مضيفاً بأن الحرف اليدوية، عموماً، «بتستر، لكن ما بتعيّش برفاهية».
لا تختلف آراء الحرفيين في المحلات المجاورة كثيراً، والكل يُجمع على أن اعتماد المهن اليدوية بشكل أساسي على حركة السياح والقدرة الشرائية للزوار، هو العامل الأهم وراء تدهور أحوالها خلال العقد الفائت. «في الحرب القطاع السياحي هو أول ما يموت، وآخر ما ينتعش»، يصف يوسف كشتو الذي يعمل في مجال الرسم والفسيفساء، حال عمله.
«يُفترض بالجهات المسؤولة، وعلى رأسها وزارة السياحة وغرف السياحة، أن تساعد في تسليط الضوء على مهننا، وهي اليوم تموت فعلاً، وأن تُعيننا على تسويق منتجاتنا. أغلب مَن هنا لا يعتمدون على حِرفهم كمصدر دخل أساسي، وكثيرون ينتظرون مساعدة أقاربهم في الخارج»، يقول كشتو ويتابع بأن «الخان» لا يحظى بذات الشهرة مثل «التكية السليمانية» في دمشق و«خان الشونة» في حلب، كمكان يجمع الحرفيين التقليديين، وهناك كُثر من زوار المدينة لا يعلمون حتى بوجوده، ما يستلزم جهوداً تسويقية إضافية.
كل هذه الصعوبات دفعت بالفنان للعمل على منتجات تراعي الأحوال المعيشية للناس على أمل استقطاب زبائن أكثر، فبدلاً من اللوحات الفسيفسائية الكبيرة والجداريات، يُنتج لوحات صغيرة أو جرّات أو طاولات يمكن اقتناؤها بأسعار مقبولة، وتُبقي عجلة العمل دائرة.
في محل ثالث، ينكبُّ محمد سعيد المدني على صناعة مجسمات خشبية بأحجام متفاوتة، تُحاكي واجهات المنازل التقليدية. يأمل أن يكون الصيف المقبل وفير الحركة، على غرار العام الفائت حين قدِم كثير من المغتربين الذين كانوا متعطشين لزيارة البلد واقتناء الأعمال اليدوية بعد طول غياب. «نجهز أنفسنا بمنتجات ذات حجم صغير وسعر معقول تشجع الناس على الشراء».
هذا الأمل هو ما يدفع يحيى ظاظا، الحرفي المختص بترميم النواعير وصناعة مجسمات مُصغّرة عنها، للقدوم كل يوم إلى محله في «الخان»، وإن كان لا يترقب أي زبون: «لا توجد قوة شرائية لكننا نستمر بالعمل ونسعى حتى لتطويره». ويسرد عن مصاعب إضافية يتحمل الحرفيون أعباءها مؤخراً، ومنها قطع الكهرباء وهي شريان حياة أساسي للمكان.
يُضيف محسن الدبيك: «نحتاج لاهتمام جدي ودائم من قبل الوزارات المعنية لتسويق منتجاتنا، وللدعم كي نتمكن من المشاركة في معارض تساعدنا على التعريف بعملنا، لكننا لا نرى بأن حرِفنا اليوم أولوية. الوضع هكذا في سوريا عموماً لكن حماه منسية على الدوام».
رغم الصعوبات المتراكمة التي يواجهها حرفيو الخان، والتي أثّرت على استمرارية عملهم، يواصلون الحضور يومياً إلى محلاتهم، مترقبين موسماً يُعيد بعض الحياة إلى السوق.
-