راغدة درغام – النهار اللبنانيه
منطقياً، يفترض ألّا تنهار المحادثات الأمريكية الإيرانية التمهيدية لإجراء مفاوضات الفرصة الأخيرة لأن كل من الوفدين توقّع من الآخر رفع السقف قبل وصوله إلى إسلام آباد، فترك مساحة للمناورة التفاوضية. ليس هناك بعد اختراقاً جذرياً في العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن هناك شبه اعتراف من إدارة دونالد ترامب بشرعية حكم الحرس الثوري الراديكالي العقيدة والهوية مهما حاول دونالد ترامب أن يصف رجال النظام الجدد بالعقلانية زاعماً أن العمليات العسكرية الأمريكية أسفرت عن تغيير النظام في طهران.
شراء الوقت حاجة مشتركة بين الطرفين الأمريكي والإيراني من أجل دراسة واستدراك الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية وإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً. كلاهما يحتاج فسحة التنفس واستراحة المحارب لأن كلًّ منهما اصطدم بمنطق الآخر في حسابات الانتصار والهزيمة: منطق الجبروت العسكري مقابل منطق الانتحار. خرج كل منهما في الجولة الأولى بلا هزيمة مطلقة للنظام في طهران، وبلا انتصار قاطع لدونالد ترامب.
جني الأموال بات هدفاً مشتركاً بين واشنطن ترامب وطهران الحرس الثوري. الجديد والمثير للاهتمام والقلق هو أن الرئيس الأمريكي تحدث بلغة الشراكة الأمريكية الإيرانية لجني الأموال عبر مضيق هرمز قبل أن يتراجع ويستدرك تداعيات هذه الفكرة المسيئة لحلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية في الخليج والشرق الأوسط وكذلك للحلفاء الأوروبيين.
لافت أن حديث الشراكة الأمريكية الإيرانية في إدارة مضيق هرمز دغدغ تطلعات الحرس الثوري ليس حباً بما يسميه “الشيطان الكبير” وإنما لأن الفكرة الجهنمية تنصب الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوةً عالمية في الشرق الأوسط، أولاً. وثانياً، لأن مثل هذه الشراكة تنسف الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية العربية.
وثالثاً، لأن الشراكة بين “الشيطان” الأمريكي في نظر طهران مع النظام “الإرهابي” في نظر واشنطن يشكل أرضيةً لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بتلاقي فوقية القومية الفارسية مع فوقية القومية الأمريكية المنعطفة على فوقية القومية اليهودية لإسرائيل بتهميش متعمّد للرؤية والمشاريع التنموية في المنطقة العربية، بالذات في دول الخليج.
قد يزعم رجال طهران أنهم تمكنوا من كسب أمريكا إلى صفوفهم وإحداث انشقاق في التلاحم الأمريكي الإسرائيلي وهم يبررون الصفقات المعلنة والخفية التي في أذهانهم. يريدون تهيئة الأرضية لتبرير الصفقات من اجل البقاء في السلطة ومن اجل جني القدر الضخم من الأموال.
رجال طهران يراهنون على إجبار دونالد ترامب لبعض دول مجلس التعاون الخليجي على دفع فاتورة التعويضات التي تطالب بها إيران، وهم يبنون تفكيرهم على قاعدة أن القاسم المشترك بين إيران وإسرائيل هو السعي لتقزيم الوزن العربي في الشرق الأوسط. يريدون إحياء تلك العلاقة التهادنية التاريخية بين الفرس واليهود كاستراتيجية للشرق الأوسط الجديد.
لن يتخلى رجال طهران عن اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا لأن لا حاجة بهم إلى الاستغناء عن هذين الشريكين المهمين لهم عسكرياً واقتصادياً وكسند في النفوذ الإقليمي. الفكرة بسيطة في حساباتهم وهي أن تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها الشريك الاستراتيجي للدول الكبرى في الشرق الأوسط.
معظم القيادات الخليجية العربية استبقت المفاجآت والاعتباطية وبنت علاقات مع الصين وروسيا وأوروبا استعداداً لها. لكن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية تبقى أساساً إستراتيجياً للدول العربية الخليجية مهما نوّعت في العلاقات. واليوم تجد هذه الدول نفسها أمام مراجعة ضرورية لاحتمال الانقلاب الأمريكي الإيراني في موازين القوى، كما لاحتمال تلقي المزيد من الانتقام الإيراني منها في حال الفشل في النقلة النوعية في العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد محطة إسلام آباد.
الوفد الإيراني إلى محادثات إسلام آباد ترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وهو الرجل الذي أشرف على القمع الدموي للمتظاهرين في إيران الذين وعدهم دونالد ترامب بنصرتهم. يمكن لترامب أن يقول لهم أنه دمر قدرات إيران العسكرية، وسحق الصف الأول من القيادة الإيرانية بشراكة مع إسرائيل، وقلّص قدرات النظام على الاستمرار في البطش، وبالتالي سهّل أمامهم إمكانية تغيير النظام.
لكن تأهيله للحرس الثوري قائداً “عقلانياً” لإيران- بحسب وصفه- انما يخوّن وعده للمعارضة الإيرانية ويضعه أيضاً أمام مفاجآت متوقعة وهي رفض رجال النظام الجدد التخلي عن الأسس الرئيسية لعقيدة النظام النووية والصاروخية وتلك المتعلقة بالوكلاء.
ولكن. لكن إغراءات المال والاعتراف الأمريكي بشرعية رجال الحكم في طهران قد تؤدي برجال النظام الجدد إلى التأقلم هنا وهناك. فهم يتقنون فنون المماطلة والبازار.
ما لن يتخلوا عنه هو السيطرة التامة على إيران لأن بقاء النظام أولوية والمعارضة في رأيهم مجموعة خونة.
قد يتقدمون بتنازلات طفيفة لها وطأة إعلامية كبرى في المجال النووي تمكّن دونالد ترامب من أن يزعم الانتصار ويبرر دوافع الحرب.
قد يوافقون على تعديلات تجميلية في مسألة الصواريخ البالستية وليس في مسألة المسيّرات.
ما لن يتخلوا عنه هو تلك الترتيبات الجديدة التي تدر عليهم الفوائد المالية الكبرى في مضيق هرمز.
وما لن يضحوا به هو الوكلاء والميليشيات التابعة لهم في العراق ولبنان واليمن. هذا ما لم تشترط إدارة ترامب جدياً وبصورة حاسمة ضرورة تفكيك هذه الميليشيات، وليس مجرد التوسل لطهران أن تخفف تمويلها وتسليحها لها. عدا ذلك كل ما يبدو أنه تعاون إيراني في مسألة الوكلاء ليس سوى الترتيبات الانتقالية المرحلية وليس تعديلاً جذرياً للعقيدة الأساسية.
لعل لبنان نجا من الوقوع في الفخ الإيراني الذي اشترط ربط وقف النار بين إسرائيل وحزب الله ببدء المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد وكأن للجمهورية الإسلامية الإيرانية صلاحية مصادرة السيادة اللبنانية.
تراجع رجال طهران عن هذا الشرط رغماً عنهم نتيجة لدبلوماسية أمريكية ناجحة حيث انطلقت وساطة أمريكية لمفاوضات مباشرة بين دولة لبنان وإسرائيل لوقف النار وللتوصل إلى سلام.
اتخاذ الدولة اللبنانية قرار تأمين بيروت كان ضرورياً وهي تستحق التشجيع والدعم ليقوم الجيش اللبناني بمهامه وواجباته نحو العاصمة بلا خوف أو تخويف من حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني أو بعض القيادات اللبنانية.
قرار بدء التفاوض المباشر مع إسرائيل قرار شجاع يستحق أن تضغط إدارة ترامب على إسرائيل للبناء عليه بإيجابية وليس بفوقية، وأن يضغط الوفد الأمريكي المفاوض في إسلام آباد بصورة جدية وحازمة على الوفد الإيراني ليكف كلياً عن استخدام لبنان ساحة مباحة لعقيدته ومصالحه وحروبه بالنيابة.
بكلام آخر يجب أن لا تفشل الولايات المتحدة بالفرض على إيران التخلي التام عن استراتيجية الأذرع والوكلاء والميليشيات لأنها غير شرعية. فإذا تعاطت إدارة ترامب مع هذه العقيدة على أنها ثانوية معتبرة انه يجب عدم التمسك بها من اجل أنجاح المفاوضات، فإنها ترتكب بذلك الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الرئيس السابق باراك أوباما وانتهى بنا إلى حيث نحن الآن.
الرئيس ترامب ما زال غير منتصر في هذه الحرب، والحرس الثوري ما زال غير مهزوم.
محادثات إسلام آباد امتحان وميزان لمستقبل العلاقات الأمريكية الايرانية، كما لصدقية دونالد ترامب، كما لنائبه جاي دي فانس الذي ترأس وفد التفاوض على مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.