سلام حربه…. جريدة المدى
من يتأمل الحياة الديمقراطية في العراق منذ عام 2003 ولغاية يومنا هذا سيجد أن هذه (الديمقراطية) لم تتقدم خطوة واحدة الى أمام بل بقيت تدور على نفسها في دائرة مظلمة مغلقة منذ ثلاثة وعشرين عاما.
النظام السياسي العراقي غير قادر على التغيّر والتحول، فقد بني على نظام المحاصصة الطائفية والعرقية التي سنته الأحزاب السياسية، معظمها تشكل ما بعد الاحتلال، حين جاؤا مع دبابة الغازي الأمريكي، تغلي في نفوسهم براكين الحقد والكراهية والنفور على كل ما يسمى عراقيا فاستولوا على الدولة العراقية وهيمنوا على الحكومات المتعاقبة منذ عام 2006 والى اليوم من خلال انتخابات (ديمقراطية) فرضوها في الدستور البائس الذي صيغ على عجالة في زمن الفوضى وغياب الرشد الوطني، هذه الانتخابات (الديمقراطية) مكنت الأحزاب السياسية وخاصة الدينية منها في البقاء والاستحواذ على السلطة السياسية بذريعة فوزهم في هذه الانتخابات وإن بقاءهم هو استحقاق انتخابي وقد سرقوا المال العام وبواسطته استطاعوا شراء ذمم الكثير من الفئات الفقيرة وقد وصل ثمن الصوت الانتخابي الى وجبة أكل واحدة ومعها خمسة وعشرين دينار، أو شراء بطاقة المواطن الانتخابية بمبلغ الخمسين أو المئة ألف دينار بعد أن عطلوا كل نواحي الحياة وشلوا القطاعات الاقتصادية من صناعة وزراعة وسياحة وأشاعوا البطالة وخربوا المدن العراقية وانعدمت الخدمات من خلال مشاريع ارتجالية ووهمية بحيث أصبحت معظم المدن العراقية وخاصة محافظات الوسط والجنوب لا تصلح للعيش وأوكلوا إعمار هذه الخرائب الى شركات تعود الى هذه الأحزاب من خلال مكاتبها الاقتصادية الموجودة في كل وزارة ومؤسسة حكومية وطوقوا كل القوى الوطنية والمدنية والعلمانية وحرموها من التمثيل في مجلس النواب فلا صوت للمعارضة موجود داخل السلطة التشريعية وأقرت معظم القوانين بالتوافق والتوازن والشراكة، وأسدل الستار عن كل السرقات منذ عام 2003 ولغاية اليوم بعد أن صمت الجميع عن المحاسبة وأغلقت معظم ملفات الفساد من باب أسكت عني أسكت عنك واثقلت الدولة العراقية بالديون الخارجية والداخلية بسبب توقف نشاط كل القطاعات في البلد واعتماد النظام السياسي على الاقتصاد الريعي من تصدير النفط الذي يشكل أكثر من تسعين بالمئة من الموازنة العامة ليدخل البلد في المجهول ويغدو مستقبل الشعب ضبابيا، وسيرهق الجيل القادم بالديون التي تبلغ مئات التريلونات من الدنانير دون أن يعبأ أي من هؤلاء السياسيين الذي جاء بهم قانون الصدفة في حكم هذا البلد والعبث بحاضره ومستقبله.
(الديمقراطية) التي انتهجها النظام السياسي الجديد قاصرة ولا وجود لها في أدبياتهم العقائدية والسياسية وهي وسيلة رخيصة، بنظرهم، للهيمنة على السلطة ولا تحمل أي شذرة من روح الديمقراطية المتعارف عليها والتي تقوم على فكرة أن الشعب هو مصدر السلطات واختيار الأفضل لحكم البلد وانشاء قانون للاحزاب وسيادة القانون وحرية التعبير والاحتجاج السلمي واستقلال الصحافة والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وحماية حقوق الأقليات ومنع استبداد الأغلبية الطائفية أو العرقية في المجتمع والتداول السلمي للسلطة واقامة المؤسسات الدستورية ومنظمات المجتمع المدني للحفاظ على العملية الديمقراطية ومنع انزلاقها نحو الدكتاتورية والتفرد.
من يتفحص المشهد (الديقراطي) في العراق سيجد أن من يتحكم به مجموعة لا تتجاوز العشرة أفراد هم المهيمنون على الحياة السياسية ومنهم تخرج القوانين لوجود أذنابهم وممثلي أخزابهم وكتلهم السياسية تحت قبة البرلمان واقتصر دورهم كدمى تحركها خيوط السياسي (المقدس) ومباركة المؤسسات الدينية الظهير والمساند القوي للنظام السياسي القائم. لقد أقامت الأحزاب السياسية الدينية دولة عميقة هدفها الابقاء على هيكل الدولة الثابت الذي شيدوه ولن تسمح هذه الدولة أن يختل التوازن في نظام المؤسسات الوطنية وكي لا يتسلل الوطنيون والمدنيون والعلمانيون الى مفاصل الدولة وتبقى ملفات فسادهم وخرابهم في الستر والكتمان.
ستة انتخابات (ديمقراطية) نفذت في البلد منذ عام 2005 وآخرها في تشرين الثاني عام 2025 والوجوه هي هي وكأن البلد لم ينجب رجالا سواهم، بأيديهم السلطات كافة وكل واحد منهم امبراطورية مالية وامكانيات بشرية تفوق امكانية الدولة، علما أن أكثرهم قبل عام 2003 لم يشبعوا بطونهم ويأكلون ما يرمى لهم من فتات موائد أسيادهم الأجانب. في كل انتخابات يصرفون ما لا يقل عن ثلاثة الى أربعة مليارات دولار في حملاتهم الانتخابية لتزيين شعاراتهم الكاذبة ولشراء ذمم البعض من الناخبين بالمال مستغلين حالة الفقر المدقع الذي أوصلوا المجتمع اليه والبطالة التي عطلت كل طاقات الشباب، كما أشاعوا الأمية بين فئات المجتمع وخربوا التعليم وشجعوا تسرب الطلبة من المدارس وأغرقوا العقول بالأوهام والخراقات التي تبثها الكثير من المنابر الدينية بحيث أصبح المواطن العراقي، المصنف سابقا الأذكى في العالم، مكبلا بالقصص والتصورات الغيبية الكاذبة، والحياة في نظره كيفية توفير لقمة العيش له ولأبنائه ويبقى مقبّلا لأيادي السياسيين ورجال الدين وخاصة المقدسين منهم الذين لا يعرف أحد أصولهم وكيف هبطوا كقدر لعين لتكبيل حركة المجتمع وخلق هذه الفجوة العميقة بين السيد والعبد.
لا مستقبل للعراق بوجود هذا النمط البائس من (الديمقراطية) وسيبقى هؤلاء السياسين، ولا أحد غيرهم وسيخلفهم أبناؤهم، من يقابل المواطن العراقي من الولادة الى الوفاة لأنهم أشلوا الحياة السياسية وجعلوا كل شيء يدور في حلقة مفرغة وأصبح العراق والعراقي,ن في نظر البعض من الشعوب مثارا للتندر والسخرية وبدل أن يلحق العراقي بعجلة العلم والتحضر فإنه يسبح اليوم في مستنقع الماضي ولا يفقه من الحياة سوى ما يتردد من سخافات عفنة ومن حكايا ساذجة تجمد العقل وتنقله الى مصاف الغريزة الحيوانية..