سعد سلوم…. جريدة المدى
«الصبر مفتاح الفرج”، هكذا كان يستهلُّ نائب السفير الأميركي، روبرت فورد، أحاديثه في الجلسات المغلقة في عام 2010، تحت رعايةٍ مشتركةٍ بين الحكومة العراقية والسفارة الأميركية. كانت تلك الاجتماعات تهدف إلى رسم خارطة طريقٍ لإتفاقية الإطار الاستراتيجي للتعاون والصداقة بين الولايات المتحدة والعراق، مركزةً على ملفاتٍ تمس جوهر الدولة، من التبادل الثقافي والتعليم، وصولاً إلى استراتيجيات الاقتصاد والنمو. كان فورد يمارس طقساً دبلوماسياً مدروساً لكسر الجليد، يلقي هذه العبارة الحميمية ليلامس بها وجداننا، قبل أن ينكفئ سريعاً إلى لغته الإنكليزية، ليتحول إلى ذلك الدبلوماسي العملي الذي يدون ملاحظاتٍ دقيقةً غابت عن جُلّ الحاضرين من النخبة العراقية التي افتقرت آنذاك إلى قراءة ما وراء لغة “واشنطن” في تلك القطاعات الحيوية.
في تلك القاعات، تلمستُ مأزقنا الوجودي كنخبةٍ ممزقة الهوية والمشاعر، كنا مسكونين بغضبٍ دفين تجاه قوةٍ نراها في قرارة أنفسنا قوة احتلال، بينما نكتم في صدورنا امتنانا خفيا لها لأنها أزاحت كابوس النظام السابق. وفي برزخ هذا التناقض القاتل، لم يجرؤ أحدٌ منا على تقديم تصورٍ استراتيجيٍ حقيقيٍ لمستقبل العلاقة مع هذا الشريك الحذر، رغم أننا كنا نجلس لنخطط معه لمستقبل العراق الثقافي والاقتصادي.
لقد كانت تلك الاجتماعات لحظةً تاريخيةً ضاعت في تيه التردد، ففي غفلةٍ من الزمن، تحول العراق من طفل واشنطن المدلل الذي أرادت أمريكا تسويقه كواجهةٍ ديمقراطيةٍ براقة في الشرق الأوسط، إلى إرثٍ مثقلٍ بالأزمات بات يُنظر إليه في دوائر النقد السياسي كسلة مهملات السياسة التي خلّفها جورج بوش. ومنذ ذلك الحين، قُيّد العراق في منطقةٍ رماديةٍ قاتلة، تائهاً بين اتهامات العدو، ووصمة ناكر الجميل، وصفة الشريك.
اليوم، وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً على الغزو، ما تزال نخبنا السياسية عاجرة عن صياغة إجابةٍ وطنيةٍ جامعةٍ لطبيعة هذه الرابطة. ففي دهاليز السياسة، تظل هوية الولايات المتحدة بالنسبة للعراق لغزاً متبدلاً، فهي تارةً عدوٌ في لحظات التعبئة الشعبوية، وتارةً صديقٌ في أوقات الحاجة، أو شريكٌ في مسارات التنمية، أو حليفٌ في معادلات الأمن. ولعل أدق توصيف لهذا التخبط هو أن تعريف العلاقة بات رهن المتحدث، ومكانه، وجمهوره، مما جعلها الحاضر الأكبر في مفاصل حياتنا، والأكثر غموضاً وتناقضاً في خطابنا الرسمي.
هذه الازدواجية، التي كانت تُدار لعقود خلف الأبواب المغلقة، باتت تتكشف اليوم بوضوح، فكما أشار السيد عمار الحكيم في تعليقه على التحولات في إدارة العلاقة مع واشنطن، فإن ما نراه اليوم من انفتاح لا يمثل خروجاً على إجماع الإطار التنسيقي، بل هو تجسيد لقناعاتٍ كانت تُناقش سراً وتُؤجل علناً. إن هذه المفارقة تضع النخبة السياسية أمام مرآة الواقع، حيث كانت الواقعية السياسية تُمارس في الخفاء لصالح الدولة، بينما يُترك للجمهور خطابٌ شعبويٌ مغاير تماماً. وبذلك، لم تعد العلاقة مع واشنطن مجرد ملف خارجي، بل أصبحت مرآةً تكشف الفصام الوظيفي الذي تعاني منه العملية السياسية، حيث تظل المصلحة الوطنية رهينةً لخطابٍ مقسومٍ على نفسه، يضحي بالمصارحة مع الشعب في سبيل الحفاظ على التوازنات الهشة الداخلية للسلطة.
هذا الفصام الوظيفي الذي تعيشه نخبنا (والمتأرجح بين خطاب الرفض وممارسة الشراكة) ليس مجرد أزمة سياسية طارئة، بل هو انعكاسٌ لفرصةٍ تاريخيةٍ مهدرةٍ في استثمار الشعور بالذنب الأمريكي إزاء ما خلفه الغزو من دمار، إذ استُبدل ذلك الندمُ بغضبٍ متنامٍ تجاه ما تراه واشنطن “نكراناً للجميل”. وبالنظر إلى المسار التاريخي، يبدو التحليل القاصر هو الذي يكتفي بوصفه سوء إدارة لفرصٍ عابرة، فنحن أمام واحدةٍ من أغرب العلاقات في السياسة الدولية، فخلافاً لتجربة واشنطن مع ألمانيا واليابان حيث نجحت في تحويل الدول المهزومة إلى نماذج “بناء أمم” مستقرة وحليفة، اصطدمت التجربة العراقية بفشلٍ ذريع في صياغة هذا التحول، مما دفع واشنطن للانتقال من طموح إعادة هنسة العراق إجتماعيا الى التعامل معه وفق منطق إدارة الأزمات.
لقد ولّدت هذه النقلة علاقةً تعيش تأرجحاً بين المصالح الأمنية، والشعارات الشعبوية المحلية. نحن اليوم أمام مشهدٍ سرياليٍ يُمكّن الفاعل السياسي من مهاجمة واشنطن نهاراً بلهجة الرفض الأيديولوجي، ثم الجلوس مساءً على طاولة “الشراكة الاستراتيجية” بانتظار دعمها الاقتصادي. إن هذا التناقض انعكاسٌ لأزمة تعريفٍ حادةٍ يعاني منها العراق في تحديد بوصلته، فبعد أن ضاعت لحظات التأسيس، انتقلت العلاقة من مرحلة بناء الأمم الكلاسيكية إلى شراكة تكنوقراطية حذرة تفتقر للنموذج والهدف المشترك، لتتركنا أمام واقعٍ صار فيه العراق غريباً حتى على أبنائه الذين لم يعودوا يتعرفون على ملامحه.
وفي ذروة هذا الغموض الموروث، تولت حكومة الزيدي الدفة، ليأتي البيان المشترك الصادر عن لقاء رئيس الوزراء والمبعوث توم باراك في 15 حزيران 2026، محاولةً دبلوماسيةً لترميم جدارٍ متصدع بلغة الشراكة المتجددة. ورغم أن النصوص الرسمية فاضت بوعودٍ وردية عن عراقٍ سياديٍّ ومزدهر، ولوّحت بآفاق اقتصادية براقة: من تنقيبات “شيفرون” في حقول الطاقة، إلى مشاريع “ستارلينك” التي تعد بنقل العراق إلى عصر الفضاء الرقمي. إلا أن القارئ يدرك أن هذه اللغة لا تعدو كونها خارطة طريق محفوفة بالألغام. تتجلى هذه الألغام بوضوح في الرؤية الأمريكية للأمن؛ إذ أدركت واشنطن أن مفتاح خزانة الاستثمارات لا يمر عبر أروقة وزارة التخطيط، بل عبر ملف السلاح المتفلت. ومن هنا، ربطت الإدارة الأمريكية صراحةً بين هذه المشاريع وبين ضرورة الاستعجال في نزع سلاح الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة.
وهنا تكمن المفارقة الطريفة والمؤلمة في آنٍ معاً: فبينما يطمح الزيدي لأن تضع “شيفرون” بصمتها في باطن الأرض العراقية، يجد نفسه أمام اختبارٍ وجوديٍّ معقد، إذ كيف له أن يُقنع قوىً تقتات على “سلاحها” بأن هذا السلاح ذاته هو العقبة التي تمنع دخول “ستارلينك” إلى سمائنا؟ هكذا تحولت الخطوط الحمراء التي ترسمها القوى المهيمنة إلى حواجز تجعل من “الشراكة الاستراتيجية” مجرد حبرٍ على ورق، إذ يبدو رئيس الوزراء كمن يحاول إقناع خصومه بالتخلي عن أدوات قوتهم مقابل وعودٍ تنموية، لا تزال هي نفسها تنتظر شرط السيادة كي ترى النور. وخلف القشور البروتوكولية، يكشف التفاعل الأخير بين الزيدي وترامب عن تحولٍ نوعيٍ في طبيعة العلاقة نحو ما يمكن تسميته “دبلوماسية الكيمياء الشخصية”. فترامب، الذي يرى العالم بعين رجل الأعمال لا رجل الدولة التقليدي، وجد في الزيدي نظيراً يشبهه في التكوين المهني، مراهناً على أن هذا التناغم قد يختصر سنواتٍ من المفاوضات العسيرة. إنها مغامرةٌ تراهن على لغةٍ مشتركة بين زعيمين يتشاركان العقلية ذاتها، كأنها مفتاحٌ لفك شفرة علاقةٍ طالما اتسمت بالتعقيد.
لكن، وفي الوقت الذي يعول فيه البيت الأبيض على هذه الكيمياء، يواجه هذا المسار في بغداد ما يمكن تسميته “التآكل السيادي”. فالعراق هنا ليس مجرد شريك في صفقة، بل هو ساحةٌ تتقاذفها إراداتٌ تسعى لتحويله إلى ميدانٍ تكتيكي لاستنزاف النفوذ الأمريكي، وهو ما يفسر لماذا لم يقرأ “أمراء الظل” في بغداد زيارة الزيدي كخطوةٍ نحو الانفتاح، بل كتهديدٍ وجوديٍ لمصالحهم. ولعل الهجوم الميداني على منشأة “دانا غاز” لم يكن إلا “رسالةً بالنار”، أرادت من خلالها هذه القوى إجهاض أي توجهٍ نحو فك الارتباط بالمحاور الإقليمية. وهنا يصطدم الزيدي بحائط الواقع الصلب، فبينما تراهن واشنطن على الأمن كنتيجة طبيعية لنجاح الاستثمارات، يدرك الداخل العراقي أن الأمن هو الشرط المسبق لهذا النجاح. إننا أمام حلقةٍ مفرغةٍ بامتياز، فبنية النفوذ في العراق تجاوزت الأطر السياسية التقليدية لتصبح قوةً متجذرة يصعب تفكيكها بقراراتٍ إدارية.
من هنا، ينبثق التساؤل الأكثر إلحاحاً: هل الرهان الذي يقوده الزيدي على الاقتصاد كبوابةٍ للإصلاح هو مناورةٌ استراتيجيةٌ ذكية للالتفاف على مراكز القوى؟ أم أنه وهمٌ سياسي يغفل حقيقة أن الفصائل لن تتخلى طوعاً عن “ساحة المواجهة”، فهي ليست مجرد تنظيماتٍ مسلحة، بل كياناتٌ تستمد شرعيتها وبقاءها من استمرار هذه المواجهة ذاتها؟ إن حماية المصالح الوطنية في القرن الحادي والعشرين تتطلب تحرراً من “عقدة” إدارة الأزمات في واشنطن، فالدبلوماسية التي تكتفي برد الفعل هي دبلوماسيةٌ محكومٌ عليها بالجمود.
مع اقتراب “لحظة ايلول 2026″، حيث يكتمل العد التنازلي لإنهاء المهمة العسكرية الأميركية، يجد رئيس الوزراء نفسه أمام فاتورة الاستحقاق التاريخي التي لا تقبل التأجيل. إن نجاح هذه المرحلة الفاصلة لن يُقاس بالكيمياء الشخصية التي تجمع الزيدي وترامب في أروقة البيت الأبيض، بل بقدرة الدولة على حسم صراع الهوية الاستراتيجية للعراق، وتجاوز حالة الانقسام المزمنة في تعريف الذات والمصلحة الوطنية.
إن السؤال الذي يتردد اليوم في أروقة الدولة، وفي أذهان المكونات الاجتماعية، يتجاوز في جوهره ملف الفصائل أو صفقات الاقتصاد، إنه السؤال الوجودي عن جوهر الدولة: هل سيتحول الزيدي إلى قائد يمتلك فعلياً احتكار أدوات القوة، أم سيبقى رهينةً لتوازناتٍ إقليميةٍ تحول العراق إلى ساحةٍ لتصفية حسابات الآخرين؟.
لقد حان وقت الحقيقة، فالعراق اليوم يقف عند تقاطع طرقٍ تاريخي، نخوض فيه الفصل الأخير من اختبار السيادة. فإما أن ينجح الزيدي في تحويل طاقات الدولة المعطلة الى أدوات تأثيرٍ حقيقية تخرجنا من دوامة “الدولة-الساحة” إلى رحاب “الدولة-الفاعل”، أو أن ينزلق البلاد مجدداً نحو استنزافٍ داخليٍ لا يخدم إلا أعداء الاستقرار والمتربصين به.