طالب عبد العزيز…جريدة المدى
مؤلمٌ أننا لا نقرأ في صفحات الاشقاء المسيحيين على الفيسبوك إلا القليل من حاضرهم العراقي، هناك حضور خجول ومثير للشفقة، إذ أن معظم ما يتناقلونه يتمثل بأخبار ذويهم الميتين، وذكر مآثرهم، هناك عزاء فقد، وتفرق اسر بكاملها، ونشيد متصل في تذكر الغائبين، لكنَّ الحاضر مفقودٌ، ولم يعد أبعد من جملة أمنيات، وبرقيات صامتة تأتي من المنافي، تعبر المحيطات، وتخترق ذاكرة الهواء، الذي يأتي بارداً مثلجاً مرَّة، وحاراً رطباً مرة أخرى، لكنه، لا يصلنا إلا مفوجوعاً بهم. لا أعتقدُ بأنَّ أحداً أحبَّ وطنه العراق أكثر من الاشقاء المسيحيين، بطوائفهم الكثيرة، الآشوريين، الكلدانيين، السريان، الكلدان، والارمن.، والدستور العراقي يتحدث عن أربعة عشر طائفة مسيحية، جلهم ممن سكن البلاد منذ أكثر من الفي سنة.
كنتُ تجاوزت العشرين بسنوات حين أخذني أخي الأكبر الى طبيب الجلدية محمد سعيد نعمة، العلامة الأكبر بين أطباء الجلدية في البصرة، لمعالجة بقعة تقرحت في قدمي، ولما فرغنا منه حملنا ورقة التشخيص الى (صيدلية العراق) وهناك وقفنا أمام رجل وأمرأة في منتصف العمر، هما الصيدلي أبو علي، الأرميني الذي اسمه(البير أوهان سركيس) وزوجته أم علي (السيدة مفتونة ابراهيموفا اسماعيلوفا) المسيحية من أصل بلغاري-تركي، كانا قد استأجرا الصيدلية من صاحبها (باسم ابراهيم ريحان) وهو مسيحي أيضاً، كبير بالسن، كان قد استعان بأبي علي (البير سركيس) الذي لم يكن يحمل شهادة في الصيدلة، وإنما أتقنها بالممارسة في خمسينات القرن الماضي. كانت الحكومة العراقية قد طلبت من الذي يشتغل في الصيدلية أن يحمل شهادة فيها، فذهب الى بغداد للإمتحان، وخرج بدرجة جيد جداً، وأستمر بالعمل في بموجب شهادة تخرجه. سأتذكر بأنه غاب طويلاً في بطن الصيدلية قبل أن يأتينا بعلبة الدواء.
لم يتزوج أبو علي وليس لديه ولد باسم علي، لكنه كان قد أحبَّ إمرأة مسيحية، تجاوزت الـ 45 سنة، ظلت تتردد عليه، طالبة الزواج منه، لكنه تأخر أيضاً في موافقته آنذاك، ثم وافق، بعد سنوات من الطلب والتردد. لم يرزقا بولد، كانا قد سكنا بيتاً صغيراً يقع خلف بناية الخطوط الجوية العراقية، في نهاية شارع الوطن، كانت زوجته قد اشتغلت معه في الصيدلية، وكان البصريون يكنونها بـ(أم علي) هي التي أتقنت العمل، وتجيد الأنكليزية، وكان البير سركيس(أبو علي) يجيد اللاتينية والإنكليزية والارمنية فضلاً عن العربية. معلوم أنَّ طبيب الجلدية محمد سعيد نعمة يعتمد في وصف بعض أدويته على خلط مجموعة من المعاجين والمساحيق، لعلها من تلك التي أخذها عن صاحبيْ الصيدلية. ومعلوم أيضاً أنَّ بعض الصيدليات في العشّار مازالت تبيع والى اليوم خلطة تسمّى(خلطة محمد سعيد نعمة).
لم يكن ألبير وهان سركيس مجرد صيدلي وبائع أدوية، إنما كان طبيبًا بالفطرة، ومستشارًا نفسيًا، وصديقًا لزبائنه، يرفض أن يأخذ المال من المحتاجين، فهو صاحب مقولة((الصحة ليست سلعة تُشترى، وإنما حق لكل إنسان)) وكانت أم علي تسلِّم الدواء لبعض المحتاجين من الباب الخلفي للصيدلية، لئلا يُحرج زوجُها أمام المراجعين، فقد كانت الصيدلية ببابين واحد على سوق المغايز وآخر بالقرب من مقهى التجار. توفي ابو علي وزوجته فقيرين جدآ، وبقت الصيدلية مغلقة، بعد احداث 2003 سُرقتْ معظمُ محال سوق المغايز إلّا الصيدلية التي كانا يديرانها (صيدلية العراق).
حين تصفحتُ بعض الصفحات البصرية على المواقع لم أجد إلا من يترحم عليهما، ويكيل آيات المديح والثناء. الفن الذي يحسنه العراقيون كثيراً. لكنَّ المسيحيين بلا حاضر اليوم، فقد أخرجتهم العملية السياسية –الدينية بعد الاحتلال من معادلة الوجود والفعل، وحين يئسوا(المسيحيون) من أمكانية الحضور هذه ذهبوا الى الغياب والتذكر، لذا، فنحن لا نقرأ في صفحاتهم إلا ما كان غياباً وصار ذكرى. هل تكون خصوصية التذكر في الحياة مثل خصوصية الفن عند أدونيس، الذي يكتب: ” الفن في إئتلافه لا يبتكر جديدا، ولا يزعزع أنظمة قائمة، سياسية او اجتماعية او ثقافية ولا يحرك في اتجاه المعرفة والكشف وانما هو مع الجمهور، وفي مستواه. يغيب علمُ الجمال في الفن، ويحل محله علم التوافق مع ثقافة الناس ورغباتهم” لعل واحد هؤلاء يقول:” لا تقلق أنا لا انتمي الى هذا الواقع، ولا ازاحمك في أي شيء. لا اريد أي شيء. لا اعاشر إلا التوهم”. هل تكفي بضعةُ سنواتٍ من العيش لتكون مخلصاً للتراب الذي أنت عليه؟ ترى لماذا لم تكن مئاتُ السنوات مجزيةً عند البعض؟