أنس حمدون.. كاتب سوري
أحد أعمق أمراض العمل السياسي السوري خلال العقود الماضية، أنه لم ينجح فعليا في بناء مشاريع سياسية جماعية حقيقية، بل أنتج ما يشبه “الدكاكين السياسية” المتجاورة؛ مساحات صغيرة يديرها أفراد أكثر مما تديرها أفكار أو مؤسسات أو رؤى وطنية متكاملة.
ولهذا، حتى حين ظهرت كيانات “ائتلافية” أو “توافقية”، بقيت في عمقها مجرد تجمع دكاكين فردية، لا انخراطا فعليا داخل مشروع سياسي موحد.
كل شخص يحاول الحفاظ على مساحة التأثير الخاصة به، وعلى الهرم الصغير الذي يجلس فوقه، وعلى شبكة الولاء والرمزية المحيطة باسمه، حتى لو كان الثمن شلل المشروع الجماعي كله.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة استدعاء الشخصيات الرمزية أو الانتقالية لتتصدر واجهات الكيانات المشتركة؛ مجالس دمى وهيئات فارغة ومعطلة، جرى تصميمها أساسا لتجنب بروز قيادة فعلية، ولإخفاء صراعات النفوذ والإيغويات المتصارعة خلف ستار “التوافق” و”العمل الجماعي”.
المسألة لم تكن دائما مرتبطة بالكفاءة أو الشعبية أو القدرة القيادية، بل بالحاجة إلى شخصيات لا تهدد توازنات الدكاكين الداخلية، ولا تمتلك ثقلا يسمح لها بإعادة تشكيل المجال السياسي أو فرض قيادة فعلية على الآخرين.
والمفارقة أن هذا النموذج لم يكن استثناء عابرا، بل تحوّل تدريجيا إلى ثقافة سياسية كاملة داخل المعارضة السورية، كرّست إنتاج الكيانات التوافقية الفارغة، التي تكثر فيها المجالس والهيئات والواجهات، ويغيب عنها مركز القرار الفعلي والقدرة على إنتاج قيادة سياسية حقيقية.
والسبب أعمق مما يبدو.
في العمق، لم يكن أغلب الفاعلين السياسيين مستعدين فعليا للانخراط تحت قيادة أحد آخر، حتى داخل المشاريع التي يشاركون فيها نظريا. كل طرف يريد الشراكة بشرط أن يبقى “سيد دكانه”، وصاحب النفوذ الأعلى داخل حيزه الخاص، حتى لو تحدث طوال الوقت عن الديمقراطية والعمل الجماعي والأفقية ورفض الزعامات.
ولهذا تحولت مفاهيم مثل “الأفقية” و”العمل التوافقي” و”الديمقراطية الداخلية” أحيانا إلى غطاء لغوي لصراع إيغويات غير معلن، أكثر من كونها تعبيرا عن ثقافة مؤسساتية حقيقية.
وحتى داخل التيارات والتنظيمات الكبرى، كثيرا ما بدا المشهد الداخلي أقرب إلى صراع مراكز قوى وأشخاص ومشاريع نفوذ فردية، أكثر من كونه بنية سياسية متماسكة تمتلك قيادة موحدة ورؤية واضحة.
ولهذا بقيت المعارضة السورية، رغم كثرة الهيئات والأسماء والمؤتمرات، عاجزة عن إنتاج جهاز سياسي حقيقي يمتلك قيادة واضحة، ومركز قرار فعليا، ورؤية موحدة، وقدرة على فرض الاتجاه العام.
لأن كل محاولة لبناء مركز قيادة حقيقي كانت تصطدم فورا بخوف الدكاكين من خسارة مواقعها الصغيرة.
وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات المشهد السوري.
الجميع يتحدث عن رفض الزعامة، وعن محاربة الشخصنة، وعن عدم الاهتمام بالمناصب والأدوار، بينما الواقع الفعلي تحكمه نرجسيات سياسية شديدة الحساسية تجاه المكانة والترتيب والرمزية وحجم الحضور والنفوذ.
ولهذا يفضّل كثيرون البقاء “الرجل الأول” داخل مشروع صغير وهامشي، بدل القبول بأن يكونوا جزءا من مشروع أكبر تحت قيادة شخص آخر يمتلك كفاءة أو حضورا أو قدرة أعلى.
هذه الذهنية هي التي أنتجت، وما تزال تنتج، التفكك والعجز وإعادة تدوير الفشل داخل المجال السياسي السوري.
وربما تكمن إحدى المآسي الأعمق في أن المعارضة السورية لم تفشل فقط لأنها تعرضت للقمع والاستهداف، بل لأنها عجزت أيضا عن إنتاج طبقة سياسية قادرة على مغادرة دكاكينها الصغيرة والانخراط داخل مشروع وطني أكبر من إيغويات الأفراد وحساباتهم الضيقة.
وأي مشروع سياسي لا يستطيع تجاوز عقلية الدكاكين هذه، لا يمكن التعويل عليه فعليا، لأنه سيبقى محكوما بصراع الإيغويات الصغيرة، وبالحفاظ على الحيزات الفردية، وبالخوف المرضي من بروز قيادة حقيقية.
ولهذا سيبقى المشهد السوري المفتت يعيد إنتاج العجز نفسه، إلى أن تنبثق قيادة سياسية فعلية تمتلك القدرة على فرض نفسها بالاستحقاق والكفاءة والشجاعة والرؤية، وتكسر هذه البنية الرمادية التي تختبئ خلف خطاب الطهرانية الجماعية والعمل التوافقي، بينما تخفي في داخلها صراعا لا يعلن عن نفسه على النفوذ والمكانة والزعامة.