في سجل الحركة النسائية السورية، تتقدم عادلة بيهم الجزائري كواحدة من أكثر الشخصيات حضوراً وتأثيراً في القرن العشرين، فهي التي ربطت بين النضال الوطني ضد الاحتلال والنضال من أجل حقوق المرأة. ومن دمشق إلى القاهرة وبيروت وموسكو، حملت قضية المرأة السورية والعربية على مدى نصف قرن من العمل العام.
ولدت عادلة عام 1900 في بيروت، ابنة عبد الرحيم بيهم، أحد موظفي ولاية بيروت من أسرة بيهم المعروفة، وكانت والدتها سليلة الأمير عبد القادر الجزائري. تلقت علومها في معهد الدياكونيز الألماني، ودرست اللغة العربية على يد الشيخ عبد الله البستاني، صاحب معجم “البستان”.
شاركت عادلة في عمر مبكر في العمل التطوعي، فحين بدأت الحرب العالمية الأولى عام 1914 لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة من عمرها، وقدمت الغذاء والكساء والأدوية للمنكوبين. وفي ظل الاستبداد العثماني المتصاعد، انخرطت في الجمعيات السرية، وكتبت في جريدتي “المفيد” و”الفتى العربي” مقالات وقعتها باسم “الفتاة العربية – نزيلة الأستانة”، حرضت فيها النساء على مشاركة الرجال في النضال. ومع انطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916، وقد بلغت السادسة عشرة، ترأست لجنة دار الصناعة التي قدمت طعاماً وأجوراً لمئات العاملات.
أسست لاحقاً “جمعية يقظة الفتاة العربية” لنشر الوعي القومي بين النساء، واشتركت في “جمعية الأمور الخيرية للفتيات العربيات” في بيروت. وبعد دخول القوات العربية والإنكليزية دمشق عام 1918، وانتهاء الحكم العثماني، شاركت مع صديقاتها في مطالبة لجنة كينغ-كرين الأميركية بالاستقلال ورفض الانتداب، عقب إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية في 8 آذار 1920 وتتويج الأمير فيصل ملكاً.
عام 1922، تزوجت عادلة من الأمير أحمد مختار الجزائري، وانتقلت إلى دمشق، وأنجبت ولدين هما أمل وزين العابدين، وتابعت نشاطها في دعم المقاومة السرية وتأمين الطعام والكساء للثوار وعائلاتهم، كما دعمها زوجها في مسيرتها النضالية.
أسست عادلة “جمعية يقظة المرأة الشامية” عام 1927 لتشجيع عمل النساء في الريف وإحياء الصناعات اليدوية، ثم “دوحة الأدب” عام 1928، التي فتحت أبوابها من دون ترخيص من المستعمرين الفرنسيين. وبعد خمس سنوات، أسست الاتحاد النسائي العربي السوري عام 1933 وانتخبت رئيسة له، ليكون ثاني اتحاد نسائي في المنطقة بعد الاتحاد المصري. وشارك الاتحاد في إضراب عام 1936 ضد الاتفاقية الفرنسية-السورية، وفي مشروع إنعاش القرى ومكافحة الأمية عام 1937، كما حضرت عادلة في القاهرة عام 1938 مؤتمر المرأة الفلسطينية بدعوة من هدى شعراوي.
شهد عام 1944 محطتين بارزتين: انضمام عدة جمعيات نسائية إلى الاتحاد السوري لتوحيد العمل النسائي، وتأسيس الاتحاد النسائي العربي العام في القاهرة بمشاركة عادلة، التي عقدت بعده أول مؤتمر صحفي لامرأة سورية. وفي 29 أيار 1945، قاد الاتحاد برئاستها أعمال الإسعاف لجرحى قصف البرلمان السوري من قبل القوات الفرنسية، وجهز مشفى ميدانياً لاستقبالهم.
بعد الاستقلال، طالب الاتحاد بإصلاح قانون الأحوال الشخصية والمساواة في الوظائف والرواتب التقاعدية. وفي نكبة 1948، جندت عادلة الاتحاد لدعم جيش الإنقاذ وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وتعاونت مع السيدة الأولى بهيرة الدالاتي على رعاية عائلاتهم، وفتحت لهم مدرسة دوحة الأدب.
في العقد التالي، توالت محطات نضالها: نيل المرأة السورية حق الانتخاب المشروط بالتعليم عام 1949، ثم حق الترشيح عام 1953، ومطالبتها بتحديد الملكية الزراعية في مؤتمر بيروت عام 1954، وعضويتها في لجنة أسبوع التسلح عام 1955، ونجاحها عام 1956 في إقرار تدريب المرأة عسكرياً وتأسيس المقاومة الشعبية النسائية السورية، إلى جانب دعم الاتحاد لمصر إبان العدوان الثلاثي ومشاركتها في مؤتمر حقوق المرأة في موسكو.
وفي عام 1957، انتخبت رئيسة للاتحاد النسائي العربي العام في مؤتمر دمشق، فقادت حملات محو الأمية والخدمات الصحية حتى عام 1963. ثم توالت مشاركاتها ومناصبها التمثيلية، من رئاسة وفدين إلى الصين والهند عام 1960، إلى رئاسة لجنة النشاط النسائي في الجمهورية العربية المتحدة، وعضوية المجلس الوطني للثورة عام 1966.
في الثالث من كانون الثاني 1975، توفيت عادلة بيهم الجزائري عن خمسة وسبعين عاماً، بعد مسيرة كرستها لنضال المرأة السورية والعربية. ومنحت وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة بمناسبة العام الدولي للمرأة، وأطلق اسمها على ثانوية للبنات في حي المهاجرين بدمشق.
في صيف عام 2017، وفي منزلها بحي الروضة في دمشق، استقبلتني الأميرة بديعة الحسني الجزائري (تطوان 1930 تقريباً – دمشق 2023)، حفيدة الأمير عبد القادر الجزائري، في لقاء كان الهدف منه الكتابة عن سيرتها هي شخصياً. لكن الأميرة جنحت في الحديث، كما يفعل أصحاب الذاكرة العميقة، إلى الكلام عن عادلة بيهم الجزائري، فأوضحت أن عادلة كرست حياتها بالكامل لتحقيق حقوق المرأة السورية والعربية. وتستحق الأميرة بديعة بدورها أن يشار إلى جهودها في هذا المضمار، فقد أسهمت هي نفسها في تأسيس جمعيات عنيت بالمرأة السورية والعربية، وعملت على رفع مستواها الثقافي والعلمي والعملي والفكري.
ورغم كل المعوقات والتهميش، استطاعت عادلة وبعض رائدات جيلها أن يبقين في ذاكرة التاريخ السوري والعربي، إلى جانب سيدات أخريات كلبيبة هاشم، مؤسسة مجلة “فتاة الشرق” عام 1906، أول مجلة نسائية في سوريا، وماري عجمي، صاحبة مجلة “العروس” عام 1910، وثريا الحافظ، صاحبة منتدى سكينة الأدبي ومبادرة خروج مئة سيدة في مظاهرة لرفع النقاب عن وجوههن، تأكيداً لحق المرأة في اختيار زيها.
تبقى عادلة بيهم الجزائري واحدة من أهم الأسماء التي رسخت حضور المرأة السورية في فعاليات الحياة العامة، شاهدة على جيل كامل من النساء جعلن من النضال الوطني والنضال النسوي وجهين لقضية واحدة.
