دمشق- شكلت الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا، والمعروفة باسم “روج آفا”، على مدى السنوات الماضية نموذجًا سياسيًا فريدًا ومرساة هوية للأكراد في مختلف أنحاء العالم.
ومثلت هذه الإدارة بارقة أمل لمشروع دولة كردية مستقلة، واستطاعت على الأرض أن توفر نموذجًا للحكم الذاتي، مع مؤسسات وإدارات محلية، في ظل الحرب السورية الممتدة منذ أكثر من عقد. لكن التطورات الأخيرة، مع تقدم قوات الحكومة السورية وسيطرتها المتزايدة على المناطق الخاضعة سابقًا للأكراد، تشير إلى أن هذا المشروع يوشك على النهاية، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى في سوريا الجديدة.
ويشكل الأكراد، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 35 مليون نسمة، أكبر أقلية عرقية في سوريا ويعيشون أيضًا في تركيا وإيران والعراق، وهم من بين أكبر الشعوب في العالم التي لا تمتلك دولة مستقلة.
وفي سوريا، تعرضوا تاريخيًا لتمييز واسع، وشمل ذلك حرمان بعضهم من الجنسية، خصوصًا في عهد نظام بشار الأسد. ومع اندلاع الحرب الأهلية، قاتل الأكراد ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، وتمكنوا من السيطرة على مساحات واسعة، حيث أسسوا إدارتهم الذاتية وفرضوا سلطة سياسية وأمنية على مناطقهم.
لكن اليوم يبدو مشروع تقرير المصير الكردي في سوريا على وشك الانهيار. فقد تقدمت قوات الحكومة السورية بسرعة على الأرض، ودفعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذراع العسكري للإدارة الذاتية، إلى التراجع المستمر. ويخضع الوضع حاليًا لوقف إطلاق النار، مع منح الأكراد مهلة لإعداد خطة لدمج مؤسساتهم في أجهزة الدولة المركزية، وهو الأمر الذي لم يُنفذ قط رغم الاتفاق الأولي في مارس الماضي.
ويعكس اللجوء إلى الحسم العسكري رغبة دمشق في توحيد البلاد تحت سلطة مركزية بعد سنوات من الانقسام، ويشير إلى أن الإدارة الذاتية لم تعد قادرة على الصمود في مواجهة استراتيجيات الحكومة السورية والتحولات الإقليمية.
وتأتي هذه التطورات وسط تحولات استراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. فقد كان الأكراد الشريك الأساسي لواشنطن في الحرب ضد داعش، لكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعادت ترتيب أولوياتها، وانتقلت الشراكة إلى الحكومة السورية الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وقد أعلن مبعوث ترامب الخاص، توم براك، أن دور قسد قد انتهى، وأن دمشق أصبحت مستعدة وقادرة على تولي المسؤولية الأمنية على الأرض.
وترك هذا التحول الأكراد في موقف هش، إذ شعروا بأن واشنطن تخلت عنهم، فيما يرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة “باعت” الأكراد ضمن مساعيها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بما يعكس تقاطع الحسابات الإقليمية والمصالح الاستراتيجية.
ولعبت تركيا بدورها دورًا حاسمًا في هذا التحول. فهي تعتبر قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور، وتصفه منظمة إرهابية، وقد دعمت تقدم الجيش السوري ضد قسد، بما في ذلك تقديم معلومات استخباراتية، وأعلنت رسميًا أن “عهد الإرهاب في منطقتنا قد انتهى”.
الإدارة الذاتية لم تعد قادرة على الصمود في مواجهة استراتيجيات الحكومة السورية والتحولات الإقليمية.
وأسهم التفاهم بين أنقرة وواشنطن حول هذا الملف في تسهيل تقدم الحكومة السورية، وتقليص الخلافات السابقة الناتجة عن دعم الولايات المتحدة لقسد على مدى سنوات، ما يعكس تلاقح المصالح بين الدول الثلاث: سوريا وتركيا والولايات المتحدة.
ومع السيطرة الميدانية للحكومة السورية على مساحات واسعة، يجد الأكراد أنفسهم في ما وصفه المحلل لاوك غفوري بـ “سجن سياسي”. فالقوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لضمان مستقبل الإدارة الذاتية، ويبدو أن الطريق الوحيد أمامهم هو الحوار مع دمشق، للتفاوض على حقوق واسعة تضمن لهم بعض الحكم المحلي والاستقرار السياسي. غير أن الثقة بين الطرفين محدودة، حيث ترى القيادة الكردية أن الحكومة السورية الجديدة تتبع أساليب “وحشية” مشابهة لتلك التي استخدمها تنظيم داعش في مواجهة معارضيه.
وفي المقابل، يرى السكان العرب والمجموعات العشائرية في المناطق التي كانت تحت الإدارة الذاتية الكردية أن الحملة السورية شكلت تحريرًا لهم من التمييز الممارس، ومن إجبارهم على المشاركة في القتال ضمن صفوف قسد.
ويزيد هذا الانقسام الداخلي من تعقيد المشهد السياسي، ويجعل أي حل مستدام مرتبطًا بقدرة دمشق على إدارة التعدد العرقي والطائفي في شمال وشرق سوريا.
وعلى المستوى الإقليمي، يعكس انهيار الإدارة الذاتية الكردية تحولًا في موازين القوى، إذ يتم تعزيز سلطة الحكومة المركزية وتقليص نفوذ الأكراد السياسي والعسكري.
ويعتمد مستقبل الأكراد الآن على مدى قدرة دمشق على الانخراط في حوار طويل مع القيادة الكردية، يوازن بين إعادة وحدة الدولة والحفاظ على حقوق الأكراد، في ظل ضغوط من حلفاء دمشق الإقليميين والدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الأكراد في سوريا لم يعد مرتبطًا بالقوة العسكرية فقط، بل بمستوى الانخراط السياسي والحوار مع الحكومة المركزية، والذي سيحدد حجم الحقوق والتمثيل السياسي لهم في المرحلة المقبلة.
وبينما تتغير التحالفات الإقليمية، ويعيد اللاعبون الكبار ترتيب أولوياتهم، يبقى سؤال الاستقرار طويل المدى في شمال وشرق سوريا مفتوحًا، على وقع معادلات معقدة تتجاوز الحدود السورية إلى مصالح دولية وإقليمية أوسع.
العرب اللندنية