
منطقة في الأحواز القديمة (سوشيل ميديا)
ملخص
تتناول رواية “ختم خزعل”، الصادرة عن دار العين، للكاتبة هدى النعيمي، قضية الأحواز العربية، المنطقة التي كانت إمارة عربية مستقلة اسمها “عربستان”، تحت حكم الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، حتى ضمّها رضا شاه البهلوي إلى إيران عام 1925.
تُقرّ الكاتبة في استهلالها بأن الرواية تقوم على أحداث موثّقة وثابتة، خضعت لمراجعة تاريخية أجراها الباحث الأحوازي حامد الكناني المقيم في لندن، مع التمييز الصريح بين الشخصيات التاريخية الحقيقية والشخصيات المتخيَّلة.
تنتهج الرواية تقنية تعدد الأصوات السردية، إذ تُعطي كل فصل لشخصية مختلفة تروي تجربتها بضمير المتكلم، وتمتد حتى الفصل الرابع عشر الذي اختارت النعيمي أن يقتصر على عبارة”أحداثه لم تحدث بعد”، وقصيدة راجعين للشاعر الراحل طاهر السلامي. يبدأ السرد مع نور الدين بن صديق بن عزيز (1916)، الحفيد الذي لم يرَ جدَّه، وينتهي معه أيضاً. وبين الفصل الأول والفصل الأخير تحضر وتغيب شخصيات كثيرة، تبدأ حيوات وتنتهي، تُبنى بيوت وتُهدم، تشتعل حروب وتقوم ثورات.
اختارت الكاتبة، تقديم شخوصها وهم عائلة الشيخ عزيز، زوجاته وأولاده وبناته وأحفاده، عبر توزيع سردي يُشكّل بانوراما زمنية وإنسانية ممتدة عبر أجيال، تُعيد تركيب التاريخ من خلال الذاكرة الشخصية والعائلية لا من خلال الوثيقة الرسمية. وهو خيار جمالي وفكري بالغ الدلالة؛ إذ تقول الرواية ضمنياً أن التاريخ لا يُحفظ في الكتب فقط، بل في ذاكرة النساء الأرامل، وفي وجدان الأطفال اليتامى، وفي نفوس خادمات الديار.
بين التاريخ والمصير
يمكن اعتبار الشيخ عزيز شخصية محورية بامتياز، هو رجل يحمل “ختم الشيخ خزعل” ويحمل رسالته إلى السلطان العثماني، لكنه يحمل أيضاً أسرار عائلته وجراحاتها. يراه ابنه صِديق شبحاً غائباً، وتراه ابنته طاهرة أماناً ضائعاً. هذا التناقض بين دوره التاريخي الكبير وغيابه الإنساني عن أبنائه هو من أصدق لحظات الرواية في وصف هذا النوع من الرجال، الذي يشارك في صنع تاريخ كبير لكنه يغيب عن عائلته، وكأن هذه المعادلة بديهية جداً في استحالة الجمع بين الانتماء الأكبر للوطن والهوية، والانتماء الأصغر نحو العائلة .
أما رُقيّة، زوجة عزيز المرأة التي تحمل الأسرار، هي ليست مجرد زوجة أو جدة؛ إنها شاهدة على العصر. تنتقل من خيمة إلى خيمة ومن مدينة إلى أخرى، وتتزوج ثلاث مرات وتخسر أبناءها، وتحفظ الأوراق التي يطلب منها حملها بأمانة. رُقيّة كشخصية تكشف كيف أن المرأة كانت مستودعاً للذاكرة ومحرّكاً صامتاً للأحداث.
فضّية ابنة أخت رُقيّة وزوجة ابنها، هي المرأة التي تُغنّي وترقص وتحفظ في صمتها لوعة الغياب؛ صوتها يصل إلى جميع غرف المنزل، الكاتبة تجعل منها صوتاً لعربستان المنسية، النساء في الرواية هن الحافظات الحقيقيات، رُقيّة تحمل الأوراق، وفضّية تحمل الغناء، وطاهرة تصنع “كعك الأم” ومعصومة تحتفي بصناديق الذاكرة.
حلقات النساء
تبلغ الرواية إحدى ذُراها الدلالية حين يعثر صِديق ابن عزيز على الختم محبوساً بين صفحات كتاب قديم، في مشهد تصفه معصومة، ابنة حنطية، لنقرأ ما تقوله: “صرخ صديق وهو يضحك ثم يبكي، ثم يضحك ويبكي عندما رأى الختم المحبوس بين صفحات الكتاب القديم: إنه ختم الشيخ خزعل. حمل عمي صديق الورقة، الختم، لزوجي نور الدين، الذي فرح بها كثيراً، تحدث عن ذاك الختم كوسيلة لإثبات هوية الأحواز. قام بعمل عشرات الصور الضوئية للختم، وزعها على بعض الصحف المحلية، وأرسل منها صوراً للصحف العالمية. كان يكتب مقالات للصحف في بريطانيا وفرنسا، باللغتين الإنجليزية والفرنسية، يحاول إثبات حق الأحوازيين في العودة وإعادة الهوية”.
تظهر معصومة، ابنة حنطية، في الرواية كحلقة أخيرة من حلقات النساء الحافظات للذاكرة التي تُشكّل العمود الفقري للنص، إلى جانب رُقيّة وفضّية وطاهرة ونجمة. لكن دورها يختلف عن سابقاتها اختلافاً جوهرياً؛ تأتي معصومة لتكون الراوية التي تشهد على اللحظة التي يتحول فيها الإرث العائلي الخاص إلى قضية عامة. هي من تنقل لنا مشهد حنطية وهي تُعطي الختم لصديق، وبذلك تُصبح الجسر الذي يربط بين الذاكرة الحميمة للعائلة والفعل النضالي العلني الذي يتبناه نور الدين. وجود معصومة في هذا الموضع من الرواية يعزز الفكرة المركزية التي يطرحها العنوان نفسه: أن “ختم خزعل” ليس مجرد رمز سردي، بل غرض مادي يظهر فعلياً في لحظة حاسمة من النص، وتكون امرأة هي من تشهد حكايته وتنقلها.
قصة حب
بين الخيوط العائلية المتشابكة، تبرز قصة حب صِديق وحنطية كواحدة من أعمق طبقات الرواية دلالةً على فكرة الفقد المؤجَّل الذي لا يُشفى. فصديق، الذي أحب ابنة خالته حنطية، يجد نفسه مُزوَّجاً بقرار من أمه رقية من فضّية، أخت حنطية غير الجميلة، في صفقة عائلية لا مكان فيها لرغبة القلب. لكن الرواية لا تكتفي بتسجيل هذا الزواج القسري كحدث عابر، بل تتبع أثره عبر عقود، لتكشف أن الحب الأول لا يموت، بل يتقنّع. لنقرأ: “لا يرى فيها صديق أختاً كما يدّعي، يرى فيها حنطية القديمة، كما ترى فيه صِديقاً، ابن الخالة الذي كاد أن يصير لها فصار لفضّية”. هذه الجملة تفضح الكذبة التي عاشت عليها العائلة لعقود؛ فالعلاقة بين صِديق وحنطية، وقد تحولا إلى جدّين، لا تزال تحمل بقايا حب لم يُستكمل، حب يتنكّر في زيارات القريب لقريبته، بينما يدرك الجميع، أن صديق استمر في حب حنطية. الحب الذي صودر باسم العائلة، يتحول إلى حضور خفي يُراقبه الجيل التالي بقلق صامت، تماماً كما تُراقب الأجيال اللاحقة الأرضَ والهويةَ المفقودتين من دون أن تستطيع استعادتهما. فالحب هنا، كالوطن، شيء يُسلب لكنه يأبى أن يموت، ويبقى طيفاً يسكن العلاقات حتى الشيخوخة.
عربستان الضائعة
يُشكّل المكان في الرواية أكثر من خلفية جغرافية؛ إنه عنصر درامي يتفكك أمام القارئ. المحمّرة، كارون، الأهواز، عَبَدان، هذه الأسماء تتحول في النص أمامنا؛ “آبادان” تصبح “رامهرمز”، ونهر “سيحان” يُطلَق عليه اسم جديد. هذا المسح التدريجي للأسماء هو استعارة للمسح الأشمل للهوية، وهو ما تُدينه الرواية من دون أن تُصرّح به. المكان أيضاً هو الذاكرة؛ رائحة بيت عزيز الكبير لا تزال تسكن أنف طاهرة على ضفاف البحيرة في الحويزة.
تُعلن الكاتبة في استهلالها التمييزَ بين الحقيقي والمتخيَّل، وهو موقف أدبي ناضج ومسؤول. لكن الرواية تفعل شيئاً أكثر دقة؛ إنها تملأ الفراغات التي يتركها المؤرخون. ما الذي شعرت به زوجة الرجل الذي يحمل سرّاً وطنياً؟ من نحن حين تُمحى أسماء مدننا؟ كيف يرى الطفل غياب أبيه في زمن الحروب؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الوثيقة، لكنها جوهر الكتابة. الآباء في هذه الرواية غائبون باستمرار، في مهمات أو سجون أو قبور. والأبناء يكبرون في ظلال هذا الغياب. وهو ربما استعارة لغياب الوطن نفسه.
تسير الرواية على حبل مشدود بين التوثيق والسرد الأدبي؛ وهذا تحدٍّ بنيوي في الرواية التاريخية عموماً.
تكتب النعيمي بلغة سلسة تنحو نحو البساطة المقصودة، وكأنها تُحاكي لغة الرواة الشفهيين الذين تستعير أصواتهم. الجمل قصيرة في الغالب، والوصف تراكمي لا تزييني، وهذا ينسجم مع شخصيات تحكي من الذاكرة. وتبلغ اللغة ذروتها الشعرية في أصوات النساء، رُقيّة وفضّية وطاهرة، وكأن الكاتبة تنفتح بصدق أكبر حين تكتب المرأة. بعض الفصول تبدو مكتملة درامياً، بينما فصول أخرى تؤدي وظيفة توثيقية، وفي هذا السياق، تبدو شخصية عباس، أخو عزيز، أقل حضوراً من غيرها، وكأنها تُستخدم في بعض المواضع لخدمة الحدث أكثر من أن تُمنح مساحتها الخاصة كشخصية مكتملة الملامح.
الهوية والانتماء
يُصوَّر الموقف البريطاني بمرارة في الرواية؛ تلك الشركة التي عاهدت الشيخ خزعل ثم تخلت عنه، وهو درس في العلاقات الدولية يتكرر في كل عصر. يحمل عنوان الرواية “ختم خزعل” دلالة مزدوجة تتكشف تدريجياً عبر فصولها. فالختم، في بداياته، هو رمز السيادة العربية المستقلة لإمارة الأحواز؛ أداة يحملها عزيز بصفته رسولاً مؤتمناً للشيخ خزعل، تتطلب حمايته تضحيات ومخاطرة بالحياة. لكن هذا الرمز يختفي لعقود، يضيع بين صفحات كتاب منسي، تماماً كما ضاعت عربستان نفسها واسمها وهويتها عبر الأجيال.
وحين يعود الختم إلى الظهور في الفصل الأخير، فإنه لا يعود بصفته أداة سلطة، بل بصفته وثيقة تاريخية يُعاد توظيفها في معركة إثبات الهوية المعاصرة. بهذا المسار، يصبح العنوان نفسه مرآة مكثفة للرواية بأكملها، الختم كرمز للسيادة المفقودة في الماضي، والختم كدليل يُستعاد ويُستثمر في الحاضر من دون أن يُحسم مصيره. العنوان إذاً ليس عتبة شكلية، بل تلخيص لحركة الرواية كلها من الغياب إلى محاولة الحضور.
تحمل الرواية همّاً وطنياً وإنسانياً يتجلى بوضوح في السرد، وتُقدّم نموذجاً جديراً للرواية التاريخية التي تُعيد كتابة التاريخ المنسي بصوت الناس البسطاء. أهميتها تكمن في ما تقوله عن الأحواز، وفي اختيار طريقة الكشف عبر ذاكرة النساء والرجال، في منزل يتهدده الزوال.
تختار النعيمي أن تنهي روايتها بفصل رابع عشر مغاير تماماً لما سبقه؛ فصل لا يروي حدثاً بل يُعلن، بجملة واحدة كثيفة الدلالة، أن “أحداثه لم تحدث بعد”. هذا الاختيار البنيوي يقلب منطق الرواية التاريخية رأساً على عقب: فبدلاً من أن يكون الختام استكمالاً للماضي أو تسوية له، يصبح بوابة نحو زمن لم يُكتب بعد. الرواية التي بدأت بحفيد لم يرَ جدّه، وتتبّعت أجيالاً غارقة في الغياب والفقد والمحو، تختار أن تترك القارئ لا أمام نهاية، بل أمام احتمال. وفي اختيار قصيدة عنوانها “راجعين” تحديداً، إشارة لا تخطئها العين إلى الحلم الأحوازي بالعودة، عودة الاسم والهوية والانتماء الذي مُحي عبر الفصول السابقة. بهذا، يتحول الفصل الأخير من خاتمة سردية إلى أفق سياسي وإنساني مفتوح، وكأن الكاتبة تقول إن التاريخ المروي هنا ليس غرضاً في ذاته، بل تمهيداً لفصل قادم لم يُكتب.