بلقيس شرارة…. جريدة المدى
كانت مؤسسة دوكسياد تُقيم كل عام عددأً من الندوات على ظهر باخرة بين الجزر اليونانية، وكان يُبحث خلال الندوة عدة مواضيع تشمل العمارة والمدينة و تأثير المناخ وشمل بعضها الفضاء. ففي عام 1969، دعى رفعة من قبل دوكسيدس لحضور ندوة ديلوس/ Delos Symposium، وكنتُ بصحبته، ودامت الندوة اسبوعا على ظهر باخرة في الجزر اليونانية، وكانت تنتقل من جزيرة إلى أخرى. وأختتم آخر يوم الندوة المعمار والمنّظر ريشاد بكمنستر فولر/ Richard Buckminster Fuller.
كان المدعون خليط من المعماريين والاكاديميين والباحثين وعلماء في الانثروبوجي والسسيولوجي والاقتصاد وعلم الفضاء، وكان من بينهم عالمة الأنثروبولوجي الأمريكية ماركريت ميد/ Margaret Mead، كانت امرأة مسنة آنذاك. كما حضر المؤتمر المعمار والكاتب والمنظر والمخترع ريشارد بكي فولر.
بدأ بكي فولر في الإختراع ولم يتجاوز سن الثانية عشر من عمره. وكان ذا رؤى مستقبلية في التصميم المعماري، والتحق باكاديمية ملتن في ماساشوست، آدم هاوس، كما فصل مرتين من جامعة هارفرد بسبب عدم مبالاته في الدراسة. وخلال الحرب العالمية الأولى عمل كعامل راديو على ظهر باخرة ومحرر للنشر ورئيسا لفرقة إنقاذ الزواق.
وفي عام 1927 كرّس وقته ” في البحث عن المبادئ الرئيسة التي تتحكم بالكون، وما يساعد في تقدم البشرية وإيجاد طرق العمل التي تتماشى معها”. كانت مقولته: “زياردة في الإنتاج بأقل طاقة”. وفي عام 1948-1949، درّس في كلية الجبل الاسود في ولاية كارولاينة الشمالية، وعمل مع مجموعة من الاساتذة والطلبة في البدأ في إعادة مشروع geodesic dome، وسجل براءة الإختراع من قبل مؤسسة في الولايات المتحدة، ولو أن القبة اخترعها قبله ولتر بورفيلد قبل ثلاثون عاماً.
ولكن شاع استعمال القبة التي صممها فولر في جميع انحاء العالم ويعود الفضل في ذلك له. فقد صنعها في البداية من الكارتون في عام 1954، لأنها عملية وخفيفة الوزن كما ان هنالك اختصار في استعمال المواد. وعلى اثرها كُلف بتشيد قبة للبحرية في شمال كارولاينا، وصَنع أول قبة بمساعدة تلامذته في جامعة أوريغن عام 1959. طّور خلال نصف قرن افكاره التي تتعلق بالتصميم والإختراعات وبإيجاد سكن رخيص. كما قام بتوثيق حياته وفلسفته وأفكاره بكتابة يومياته بثمانية وعشرين مجلداً، وقام بتمويل بعض التجارب، فعمل كمصمم وعالم ومطّور وكاتب، وألقى محاضرات في معظم أنحاء العالم.
قضى معظم حياته يحاول ان يطور ملجأ للبشرية من خلال استعمال مواد جيدة، تعمل بكفاءة واكثر اقتصاداً، ومتوفرة لعدد كبير من البشر. فدرس هندسة بنية القواقع، واخترع طريقة أقل كلفة، واخف وزناً وأقوى من الأبنية التقليدية من الخشب والطابوق والحجر.
قام في افتتاح مؤتمر المعماريين العالمي في باريس بين عام 1965-1975، والذي ركّز على ” استعمال المبادئ العلمية لحل المشاكل البشرية والإنسانية”. كان فولر متقدم بآرائه ويعتقد أن المجتمع سيعتمد في المستقبل القريب وبالدرجة الأولى على مصادر الطاقة الشمسية والريح. وكان يعتقد ان من خلال التقدم التقني باستطاعة الانسان ان يخلق المعجزات. كما كان يعتبر نفسه “مُلك العالم”، وصرّح عن أعماله انها “مُلك البشرية”. وفي عام 1969 وهو العام الذي التقينا به، حيث أطلق عليه: بأنساني العام/ Humanist of the year.
وكان فولر بصحبة حفيدته عندما التقينا به، كان نشطاً، يشارك في جميع فعاليات المؤتمر بالرغم من تقدم سنه. كما كان مرحاً، ففي إحدى المناسبات تأخر تقديم الطعام في احدى المطاعم التي حجزت للمشتركيين في الندوة في جزيرة ميكونوس في اليونان، وبان على وجوه الحاضرين ملل الإنتظار، فما كان منه إلا ان قفز على إحدى الطاولات وبدأ بالرقص، وشارك الجميع في تشجيعه على الإستمرار.
في آخر يوم من انعقاد المؤتمر القى فولر محاضرة ليلة نزول رائد الفضاء الأمريكي نيل آرمسترونك/ Neil Armstrong على سطح القمر، وكان ذلك في 20 من شهر تموز عام 1969، حيث بقينا في الإنتظار حتى الساعة الرابعة صباحاً، عندما حط نيل آرمسترونك وسار على سطح القمر، فانتهت الليلة بالتصفيق الحاد، وشاهد تلك اللقطة حوالي ما يقارب من 500 مئة مليون شخص في العالم آنذاك، وكانت البداية في تغيير مستقبل العالم وامكانياته في التقدم العلمي والمعرفي بالنسبة للفضاء وموقع الإنسان في الكون.
توفي ريشاد بكمنستر فولر عام 1983 في مدينة لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا، عن عمر يناهز 87 عاماً.