صقر أبو فخر… ضفة ثالثة
المشهور أن أقدم كاريكاتير في التاريخ وُجد في مصر، وهو يصوِّر طائرًا يصعد إلى شجرة على سلم طويل. ومن علامات الخواء الثقافي والاضطراب السياسي في الحياة العربية اليوم غياب المجلات الساخرة والفكاهية بعدما كان القرن العشرون قد شهد صدور نحو مائة مجلة فكاهية على امتداد سنواته المائة أيضًا. وأشهر تلك المجلات “أبو نظارة” ليعقوب صنوع (القاهرة، 1877)، و “التنكيت التبكيت” لعبد الله النديم (القاهرة، 1881)، و”أبو قردان” لكامل تادرس (القاهرة، 1923)، و”حط بالخرج” لمحمد عارف الهبل (دمشق، 1909)، و”جحا” لمحيي الدين شمدين (دمشق، 1911)، و”العصا لمن عصى” لنجيب جانا (دمشق، 1912)، و”جراب الكردي” (حمص، 1914)، و”المضحك المبكي” لحبيب كحالة (دمشق، 1929)، و”الدبور” ليوسف مكرزل (بيروت، 1923)، و”كنّاس الشوارع” لميخائيل تبسي (بغداد، 1925)، و”حبزبوز” لنوري ثابت (بغداد، 1931). ومن طرائف ذلك الزمان أن ميشال زكور نشر في مجلة “المعرض” التي أصدرها في بيروت سنة 1921 كاريكاتيرًا وتحته عبارة “إربط كلبك كي لا ينبح”، وكان اسم الحاكم الفرنسي للجمهورية اللبنانية آنذاك ليون دوكايلا.
في لبنان كان لكل مجلة أو جريدة رسامها الكاريكاتيري: مجلة “الصياد” لديها خليل الأشقر، ومجلة “الدبور” لديها ديران، ولجريدة “الأنوار” جان مشعلاني وديكران، ولجريدة “النهار” بيار صادق، ولجريدة “السفير” ناجي العلي ثم سعد حاجو. واشتُهر من بين رسامي الكاريكاتير في العالم العربي بهجت عثمان ومحيي الدين اللباد ورخا وعبد السميع وصلاح جاهين وجورج البهجوري ونبيل السلمي وصاروخان (من مصر)، وعلي فرزات ويوسف عبدلكي (من سورية)، والزواوي (من ليبيا)، ورشيد قاسي (من الجزائر)، والعربي الصبان (من المغرب). ولم تخلُ الصحافة العربية من مآسٍ جمة؛ فقد اغتيل نوري ثابت صاحب مجلة “حبزبوز” في سنة 1930، ثم اغتيل ناجي العلي في سنة 1987.
أما سعد حاجو فهو شوط جديد تمامًا في فن الكاريكاتير، وتميزت رسومه بلغة خاصة؛ فهو مقلّ في تحميل الكلمات والجمل الطويلة على المشهد البصري كما درجت عليها رسوم الكاريكاتير العربية، وتحتاج رسومه أحيانًا إلى إعمال الفكر والبصر للوصول إلى دلالاتها المتوارية. وسعد حاجو، المولود في دمشق في سنة 1968، تعلم كيف يقاوم الكآبة بالفكاهة. وحتى حياته تتسم ببعض الفكاهات؛ إذ إنه حاز الإجازة في الفن التشكيلي (التصوير الزيتي)، لكنه مال إلى الكاريكاتير مستندًا إلى المثل الشامي: “فول يا ترمس”. ثم، في أثناء هجرته إلى بيروت، عمل مذيعًا في إذاعة “صوت الشعب” الشيوعية، وكان يقدم برنامجًا عنوانه “من هلق ورايح”، وعمل في ميدان التمثيل المسرحي مع زياد الرحباني في مسرحية “لولا فسحة الأمل”. وبعد هجرته إلى بلاد الليل والثلج في السويد لم ينقطع عن إرسال رسومه إلى جريدة “السفير”، وداوم على إدخال شيفرات في رسومه لم يستطع أحد أن يفك مغزاها باستثنائي والزميل حسن يوسف. وحتى طلال سلمان لم يكتشف الرمز المتواري فيها ودلالته. أما ذلك الرمز فقد كان إبريق الشاي وكلمة “كالعادة”. والحكاية، في أساسها، أننا اعتدنا المداهمات الليلية لسعد حاجو في مكتبنا في الطبقة السابعة من جريدة “السفير”، وفي كل مرة كنا نذعن على الفور ونتصل بالكافيتريا (أبو أحمد أو أبو حسان)، ونقول لأحدهما: “كالعادة”، فيحضر إبريق الشاي ومعه أحيانًا سندويش محشو بالأجبان والألبان أو المرتديلا.
في دمشق التي عاد إليها سعد حاجو مؤقتًا، أصدرت له دار ممدوح عدوان للنشر كتابًا جميلًا عنوانه “رئيس من دون سبب قلة أدب“(دمشق: 2026، 103 صفحات من القطع الكبير)، واحتوى الكتاب مقدمة كتبها سيد محمود عنوانها “سعد حاجو يلعب مع الأسد”، علاوة على كلمة إضافية لرنا قاروط. ويتضمن الكتاب مجموعة منتقاة من الرسوم الكاريكاتيرية موضوعها الوحيد هو بشار الأسد، مع تنويعات لا بد منها لحافظ الأسد ورفعت الأسد وجميل الأسد وبثينة شعبان (جميل وبثينة) ووليد المعلم وأحمد بدر الدين حسون وفلاديمير بوتين والسيد علي الخامنئي. وقد برع سعد حاجو في تصوير الأسد الثاني من قُبُلِ ومن دُبُرٍ. وكان سعد حاجو أخذ عهدًا على نفسه أن يرسم بشار الأسد في كل يوم حتى يسقط. وقد ارتاح أخيرًا مع سقوطه الفعلي، وما عاد مرغمًا على رسمه يوميًا (ص 25). وحين عاد سعد مؤخرًا إلى دمشق غمرته الغبطة لأن أحدًا لم يختم جواز سفره السويدي عند نقطة جديدة يابوس الحدودية.
رسم سعد حاجو بشار الأسد بأشكال شتى، وفي إحدى رسومه جعل رأس بشار كيس بوشار، وكتب “طير وفرقع يا بوشار” (ص 30). وفي رسم آخر كتب “لا للبنتاغون نعم للكبتاغون” (ص 45). ولم يكتف سعد حاجو بهذه الرسوم فحسب (نحو 160 رسمًا)، بل وضع Qr Code لمساعدة القراء في مشاهدة رسومه المتحركة التي ينشرها “كالعادة” في قناة “يوتيوب”، وفي الاطلاع على رسوماته الكاريكاتيرية الأخرى. صحيح أن الكتاب صدر بعد سقوط الأسد الثاني، إلا أن معظم الرسوم ظهر قبل السقوط حيث لن تقوم قوائم بشار ثانية، فيما قوائم سعد حاجو ما برحت متينة، وأصابعه ما زالت ترسم وتشرب الشاي كالعادة.