كلّ أسطولٍ أقلُّ حظاً من سابقه، ليس فقط في درجة العنف الإسرائيلي تجاهه، الذي بلغ شكلاً صارخاً ويُرتكب جزء منه أمام الكاميرا بعد أن كان يُعذّب المشاركون في النسخ السابقة، خلفها، ما استدعى احتجاجا دوليا “غير كاف”، بل في تضاؤل نسب التضامن الشعبي معهم في بلدانهم، فحتى في الدول العربية ينظر بعضهم إليهم باعتبارهم سياحاً ومحبّي استعراض، لأنّهم لم ينشغلوا، في نظرهم، بمشكلات داخلية بقدر الانشغال بمصير غزّة. مع العلم أن المشاركة في الأسطول ليست سياحة على الإطلاق، بل رحلة شاقة، نتيجتها محفوفة بالمخاطر. ما دعا إلى انسحاب بعضهم خلال رحلاته، لظروف صحية منعتهم من تحمل الظروف الشاقة للرحلة.
لهذا تُمعن إسرائيل في التنكيل بدرجات أكبر كل مرّة، لإضعاف عزيمة حشد أسطول آخر. وما تقدّمه الشهادات المؤلمة، خصوصاً شهادات النساء، لم يتوقعه أحد. في الشهادات عما حدث خلف الكاميرا، وفي الصور المباشرة، رأى العالم وحشية الكيان تجاه مدنيين حاولوا إدخال الطعام إلى مدينة محاصرة. بعد أن تابع طويلاً الوحشية تجاه أهل المدينة. لقد رأى هذا الضمير كلّ شيء، ورغم أنه يعلم الآن علم اليقين، لكنه كان، ولا يزال، عاجزا عن اتخاذ ردة فعل واحدة، توقف الإبادة أو تحيي مدينة ميتة. صحيحٌ أن القصف صار “خفيفاً” عما كان سابقا، رغم أنه أدّى إلى ما يقارب ألف شهيد منذ الاتفاق، لكن المدينة ميتة، وجرحى الحرب ومعطوبيها بالآلاف، أما الجوعى والمرضى فهم كلُّ الناجين من القتل. فلم ينج أحد من الإبادة، كلّ أُبيد بطريقة أو بأخرى. لأن الحياة كما نعرفها لم يعد يراها الغزّيون، ولم يعودوا يشعرون بها. من لم يُقتل لم تعد له طاقة للحياة، بعد كل هذه الخسارات والتجويع والتعذيب، واستشهاد غالبية من يعرفه.
في حوار معها، تحكي صبية كيف بقيت عالقة 21 يوماً في حطام بيتها، وحولها جثامينُ أهلها الشهداء. جريحة، جائعة، عطشى، وكلما حاول الناس مساعدتها تقصفهم الآلة المتوحشة. نراها بطولة، وندهش لقوتها. ولكن هل هي حياة تلك التي تلي تلك اللحظة؟ لعل المقاومة صارت في جينات الفلسطيني، وليس من السهل كسرها، لكن لهذا المقاوم قلبا مثل بقية الناس، وآثار الإبادة لن تزول من روحه.
يأتي أسطولٌ خلف سابقه، ليذكّرنا بأن هناك بيننا من ينتقل من الشعور بالحزن إلى فعل شيء ما، ولو كان صرخة في واد، طالما أن الصرخة قريبة من العدو. ويشعر بعضنا بالخجل، فيما تواصل إسرائيل وحلفاؤها إجهاض جهد الأسطول، رغم الاحتجاج البسيط على تعذيب المشاركين الأوروبيين وتعنيفهم.
اعتُقل المشاركون في الأساطيل السابقة وعُنّفوا خلف الأبواب، وفي الذي قبل أيام عُنّفوا أمام الكاميرا. وفي الأسطول المقبل قد يتم إطلاق النار عليهم مباشرة، حتى تتوقف الأساطيل تماماً. غير ذلك لا شيء سيحدث في عالم الغاب الذي نعيش فيه. حيث لا قانون يُذكر إلا ضد الضعفاء والخاسرين في جميع الأحوال، إذا أرادوا أن يقاوموا إسرائيل وأميركا.
وبفضل الأسطول رأينا نفاق دول غربية كانت ستخسف الأرض بمن يمسّ أحد مواطنيها، البيض الأصليين منهم بالطبع وليس ذوي الأصول المهاجرة، وهي الآن تكتفي بالامتعاض من الاعتداءات العنيفة عليهم أمام الكاميرات لأن إسرائيل خلفها. إلى أي درجة ستُمعن إسرائيل في إجرامها لتتخذ أوروبا مواقف حقيقية ضدها، ولو لحماية مواطنيها؟
نحن على أعتاب عالم آخر، لكننا لا نعرف كم سنبقى على هذه الجهة العبثية، وما الذي يلزم ليتغير العالم نحو قليل من العدل، يبدأ بتحجيم الإجرام الإسرائيلي وراعيه الأميركي؟
