
في كلّ عام تعود ذكرى اغتيال سمير قصير، ويعود معها السؤال نفسه: ماذا بقي من الحلم الذي حمله الرجل وكتب عنه ودفع حياته ثمنًا له؟ غير أنّ الذكرى هذا العام جاءت في توقيت مختلف. ففي الأيام نفسها التي استعاد فيها اللبنانيون صورة الصحافي الذي نادى باستقلال القرار الوطني، كانت الأخبار تتحدث عن تدخّل مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع تصعيد إسرائيلي كان يمكن أن يطاول الضاحية الجنوبية لبيروت وربما العاصمة نفسها. وبين تهديدات متبادلة، ورسائل نارية، وضغوط دولية، بدا لبنان مرة أخرى وكأنه موضوع على طاولة الآخرين، لا على طاولته.
قد يختلف اللبنانيون حول سمير قصير، كما يختلفون حول معظم الشخصيات والأحداث في تاريخهم الحديث، لكن يصعب الاختلاف على حقيقة واحدة: الرجل كان من أبرز الأصوات التي ربطت الحرية بالسيادة، والديمقراطية بالاستقلال الوطني. لم يكن يرى أن لبنان يمكن أن يكون حراً إذا كان قراره مرتهناً للخارج، أياً يكن هذا الخارج. لذلك، فإنّ استحضار ذكراه اليوم لا يبدو تمريناً في الحنين إلى الماضي بقدر ما يبدو محاولة لفهم الحاضر. فما الذي تكشفهُ أحداث الأيام الماضية؟
أول ما تكشفه أنّ لبنان عاد، بصورة أو بأخرى، إلى الموقع الذي حاول الخروج منه بعد عام 2005. يومها اللبنانيون رفعوا شعار استعادة القرار الوطني وإنهاء الوصاية السوريّة. كانت الفكرة الأساسية بسيطة؛ أن يصبح مصير البلاد بيد مؤسساتها المنتخبة ودولتها الشرعية. لكن ما جرى خلال العقدين الماضيين قاد إلى نتيجة مختلفة تماماً.
الدولة لم تستعد كامل سلطتها، وحزب الله عزز موقعهُ العسكري والإقليمي، فيما بقيت اسرائيل تنظر إلى لبنان باعتباره جبهة مفتوحة يمكن العودة إليها متى اقتضت حساباتها الأمنية. أما القوى الدولية والإقليمية الأخرى فتعاملت مع البلد باعتبارهِ مساحة نفوذ أكثر منه دولة كاملة السيادة. و لهذا السبب اكتسبت الأخبار الأخيرة أهمية تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فحين يصبح مصير ضربة محتملة على بيروت مرتبطاً بمكالمة بين واشنطن وتل أبيب، فإنّ القضية لا تتعلق فقط بمنعِ الحرب أو تأجيلها، بل تكشف أين يوجد مركز القرار الحقيقي. قد يكون التدخل الأميركي قد منع تصعيداً واسعاً، لكنّ المفارقة أن اللبنانيين تلقوا الخبر كما لو أنهم يتفرجون على مباراة تخص بلدهم من دون أن يكون لهم دور فيها.
الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة وإسرائيل. فالمعادلة نفسها تظهر من الجهة المقابلة أيضًا. حزب الله لا يخفي ارتباطه بمحور إقليمي أكبر من لبنان، ولا يخفي أنّ حساباته تتجاوز الحدود اللبنانية في كثير من الأحيان. وهكذا يجد البلد نفسه بين مشروعين كبيرين، فيما تتراجع قدرة الدولة على فرض أولوياتها الخاصة. ومن هنا يمكن فهم حالة القلق التي تسود الأوساط اللبنانية رغم توقف الحرب الواسعة. فالمشكلة ليست في احتمال اندلاع مواجهة جديدة فقط، بل في حقيقة أن أسبابها ما زالت قائمة. إسرائيل لم تتخلَّ عن استراتيجيتها القائمة على الردع بالقوة. وحزب الله لم يتخلَّ عن سلاحهِ أو عن دوره الإقليمي. أما المجتمع الدولي فهو يتعامل مع الملف اللبناني بمنطق إدارة الأزمات لا حلها.
هذا الواقع يقود إلى استنتاج قد يكون قاسياً لكنه ضروري. لبنان لا يعيش اليوم مرحلة انتقالية نحو الاستقرار، بل مرحلة تثبيت لتوازن هش. الجميع يريد منعَ الانفجار الكبير، لكن لا أحد يملك مشروعاً فعلياً لإنتاج سلام مستدام أو دولة قوية. ولذلك فإنّ ما نشهده ليس نهاية الصراع، بل تنظيماً لمستواه وحدوده.
وإذا كان الماضي القريب يقدم أيّ درس، فهو أن التوازنات التي تُبنى على إدارة الأزمات لا تعيش طويلاً. هكذا كان الحال قبل حرب تموز 2006. وهكذا كان الحال قبل الانهيار المالي عام 2019. كانت هناك دائماً مؤشرات على أنّ النظام القائم يستهلك نفسه، لكن الجميع فضّل تأجيل المواجهة مع الحقيقة. واليوم الصورة تتكرر بطريقة مختلفة. هناك من يعتقد أن لبنان خرج من أخطر مراحل الحرب وأنّ الأسوأ أصبحَ خلفه. لكن قراءة أكثر هدوءاً توحي بالعكس. فالبلد الذي لا يملك قرارَ الحرب والسلم بشكلٍ كامل يبقى معرضاً لأيّ تبدل في الحسابات الإقليمية. والبلد الذي تنتظر عاصمته اتصالًا بين زعيمين أجنبيين لتعرف ما إذا كانت ستُقصف أم لا، لا يمكنه الادعاء بأنه استعاد سيادته بالفعل.
ربما لهذا السبب تبدو ذكرى سمير قصير هذا العام أكثر إيلاماً من سنوات كثيرة مضت. ليس لأنّ الأزمات ازدادت فقط، بل لأنّ السؤال الذي طرحه قبل عشرين عاماً ما زال معلقاً فوق رؤوس اللبنانيين. من يحكم هذا البلد فعلاً؟ ومن يقرر مصيره؟
المشكلة أنّ اللبنانيين اعتادوا البحث عن الجواب في الخارج. مرة في دمشق، ومرة في طهران، ومرة في واشنطن، ومرة في الرياض. لكن الحقيقة التي يكشفها المشهد الحالي هي أن الاستقلال لا يُقاس بعدد الوصايات التي خرجت من لبنان، بل بعدد القرارات التي بات اللبنانيون قادرين على اتخاذها بأنفسهم. بعد واحد وعشرين عاماً على اغتيال سمير، قد لا يكون السؤال الأهم من قتله. السؤال الأخطر هو ما إذا كانت الفكرة التي قُتل من أجلها ما زالت حية. لأن الأوطان لا تموت حين تُحتل فقط، بل تموت أيضاً حين يعتاد أهلها أن يقرر الآخرون عنها، ويعتبرون ذلك أمراً طبيعياً؟!