
ليس تفصيلًا صغيرًا أن يخرج من مدن وبلدات الجنوب اللبناني، ومن قلب البيئة التي احتضنت “المقاومة” لعقود طويلة، مواطنون ومواطنات يطالبون علنًا بإعلان قراهم مناطق آمنة، وببسط سلطة الدولة عليها، وبإبعادها عن الصراعات الإقليمية التي تُدار فوق أرضهم ومن بيوتهم، وعلى حساب أعمار أبنائهم وبناتهم.
قد يبدو الأمر عاديًا في أي دولة طبيعية، لكنه في لبنان، وفي الجنوب تحديدًا، يحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة تتجاوز بكثير مضمون العرائض والبيانات نفسها.
فالجنوب ليس مجرد منطقة حدودية تواجه إسرائيل. بل تحول تدريجيًا، منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع وقوى وقرارات تتجاوز أبناءه أنفسهم. منذ انتقال العمل الفدائي الفلسطيني إليه بعد أحداث الأردن، مرورًا بالاجتياحات الإسرائيلية المتتالية، وصولًا إلى مرحلة هيمنة “حزب الله” العسكرية والسياسية، ظلَّ سكان هذه المنطقة يدفعون الكلفة البشرية والاقتصادية والأمنية الأعلى لخيارات لم يكونوا دائمًا شركاء في اتخاذها.
دلالة استثنائية
اليوم، يحمل هذا الصوت المنادي بالدولة دلالة تاريخية استثنائية. فهو الأبرز والأعلى الذي يخرج من عمق هذه المناطق منذ عقود. هو ليس صوت خصوم حزب الله التقليديين، ولا صوت نخب بيروت السياسية، ولا صوت مراكز الدراسات الأجنبية، بل صوت أبناء القرى والبلدات التي تُقصف، وتُهجّر، وتُدمّر، ثم يُطلب منها أن تعتبر كل ذلك قدرًا وطنيًا لا يجوز الاعتراض عليه.
وأهمية هذه النداءات لا تكمن فقط في مضمونها المباشر، بل في الجهة التي صدرت عنها. فحين يطالب أبناء المناطق المتضررة أنفسهم بحصر السلاح بيد الدولة، وتطبيق القرارات الدولية، وإبعاد قراهم عن دائرة الخطر، فإن النقاش ينتقل من مستوى السجال السياسي التقليدي إلى مستوى أعمق بكثير: مستوى الاعتراض على مصادرة الحق البديهي في تقرير المصير الفردي والمحلي والوطني، ورفض “تصديق” روايات الحزب المزخرفة بانتصارات موهومة، فيما البيوت تُجرف أمام أعين مالكيها، ونقاط الاحتلال الخمس صارت أكثر من 600 كلم مربع.
غائبة ومغيَّبة
لقد عانى الجنوب تاريخيًا من معادلة ثنائية قاتلة: إما سلطة منبطحة تمامًا أمام السلاح غير الشرعي ومستسلمة للأمر الواقع، أو سلطة غير مكترثة أساسًا بالجنوب وأهله، تاركة إياهم لقدرهم، ومستقيلة من واجباتها الحمائية والتنموية حتى قبل أن يتحول الجنوب إلى “فتح لاند” ومسرحًا مفتوحًا للصراعات البديلة.
أما اليوم، فيبدو أن ثمة سلطة سياسية مختلفة نسبيًا في مقاربتها. ليست سلطة خارقة للمعادلات، لكنها على الأقل لا تتحدث بلغة التسليم المطلق بالأمر الواقع، ولا تنظر إلى الجنوب باعتباره منطقة خارجة عن النقاش الوطني. ولعل ارتكابات الحزب الحمقاء دفعت بالسلطة إلى طلب التفاوض بغية إيقاف ماكينة القتل والتدمير وحماية من وما تبقى في الجنوب، على الرغم من عدم امتلاكها لأي ورقة قوة حقيقية سوى دعم الرئيس الأميركي شخصيًا. وقد أثبتت الأيام الأخيرة أن بفضل هذا التفاوض “الشجاع” استطاعت تحييد العاصمة وضاحيتها من جولة قصف مؤكَّدة. هذا الدور، إلى جانب انكشاف عجز “المقاومة”، هو ما حدا بالأهالي لإطلاق نداءات لا تطلب من الدولة حضورًا رمزيًا، بل تطالبها بملء الفراغ السيادي كاملاً، بوصفها الملاذ الأخير والوحيد القادر على تأمين الحماية الحقيقية.
ردّ نمطيّ
أمام هذه الصرخة السيادية المحقة، اهتزت سردية الحزب. وجاء رد فعل مناصريه وجهازه الإعلامي وبيئته العقائدية هجوميًا، عنيفًا، وخاليًا من أي قدرة على الاستيعاب أو النقاش. وبدلاً من الاستماع إلى هواجس ناسه الذين افترشوا الطرقات في متاهات النزوح، لجأ الحزب إلى أدواته التقليدية: الترهيب والتخوين.
فانطلقت حملات تشهير واتهامات بالعمالة والاستسلام وخدمة الأجندات الأجنبية. وبدلاً من الاعتراف بحق الناس في الاختلاف حول مصيرهم ومستقبل أبنائهم، تعرض بعض الموقعين لضغوط دفعتهم إلى التراجع أو التزام الصمت، وأُرغم جمهور بعض بلدات على التبرؤ منهم!
لقد اعتادت المقاومة، طوال سنوات، أن تقدم نفسها بوصفها التعبير “الأصدق” عن إرادة أهل الجنوب. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا كل هذا القلق من بيانات يوقعها مواطنون يطالبون بالدولة؟ ولماذا كل هذا الغضب من شباب وشابات يقولون رأيًا مختلفًا في مستقبلهم ومستقبل مناطقهم؟
مَن يُدافع ؟
المشكلة في جوهرها ليست خلافًا تقنيًا حول أفضل وسائل الدفاع عن لبنان فحسب، بل هي خلاف حول معنى الدولة نفسها. فليس من حق أي حزب أو تنظيم أو جماعة، مهما كانت شعاراتها أو نواياها، أن تحتكر قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية. ذلك أن هذا القرار لا يخص الحزب ولا جمهوره ولا بيئته الحاضنة، بل يخص ملايين اللبنانيين الذين يدفعون ثمن نتائجه من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
إن الدفاع عن الوطن واجب وطني لا جدال فيه، لكنه يُمارَس عبر جيوش نظامية وأجهزة وقرارات متوازية إذا فشلت الاتصالات والتحالفات الدولية، وتمارسه الدولة ومؤسساتها الرسمية وحدها. أما تحويل جزء من الأراضي اللبنانية إلى منصة دائمة لصراعات المحاور الإقليمية، فهو لا ينحر السيادة فحسب، بل يقسّم المجتمع ويجعل اللبنانيين أسرى خيارات لم يشاركوا في اتخاذها.
فالجنوب ليس ملكاً لأي محور إقليمي، وليس ملكاً لحزب، ولو كان فائزًا بانتخابات خيطت على مقاسه وجرت بإدارته، وليس قاعدة عسكرية كبيرة يعيش فيها سكان على هامش وظيفتها القتالية. الجنوب هو أولاً وأخيراً أرض يعيش عليها بشر لهم الحق في الأمن والاستقرار والعمل والتعليم والحياة الطبيعية مثل أي مواطن لبناني آخر.
مَن يوقّع؟
وهنا تكمن الدلالة الأهم لهذه الأصوات “الجديدة”. فهي لا تُعبّر فقط عن اعتراض على حرب معينة أو على سياسة محددة، بل عن محاولة لاستعادة مفهوم المواطنة نفسه. مواطنة تقول أنهم ليسوا مجرد وقود لصراعات المنطقة، وأن من حقهم أن يسألوا: لماذا نحارب؟ ولمصلحة من؟ وما هي مصلحة لبنان في كل ذلك؟ ومن يملك حق اتخاذ هذا القرار؟
ربما لا يكمن الحدث الحقيقي اليوم في عدد الموقعين على عريضة هنا أو بيان هناك، بل في أن شريحة من الجنوبيين بدأت تقول بصوت مرتفع ما كان كثيرون يهمسون به منذ سنوات: نريد دولة تحمينا، لا ساحات حرب دائمة، ونريد أن يكون مستقبل أولادنا شأنًا لبنانيًا يقرره اللبنانيون، لا وظيفة ملحقة بصراعات الآخرين. إن المجاهرة بهذه البديهيات التي لطالما حاول الحزب، وقبله دكاكين “العمل الوطني”، طمسها تحت طبقة سميكة من الأيديولوجيا والممارسات العنفية، يشبه إلى حدٍ بعيد حلّ عقدة الألسن في دول محيطة بعد صمت مديد.
قد لا تكون هذه الأصوات أغلبية بعد. وقد لا تنجح قريبًا في تغيير موازين القوى القائمة. لكن مجرد خروجها إلى العلن يحمل دلالة سياسية يصعب تجاهلها. وقد تكون انطلاقة عرائض “نحن الموقعين أدناه” أهم تحول سياسي يشهده الجنوب منذ سنوات طويلة.