بعيداً عن مقدّمة البيان الصادر عن المكتب الإعلاميّ للرئيس برّي، لجهة أنّ ما شوهد في أكثر من منطقة ليل الثلاثاء هو أمر طائفيّ ومذهبيّ، نزع قرار الرئيس برّي فتيل انفجار كان من شأنه أن يهدّد الاستقرار العامّ والسلم الأهليّ.
ما حصل في ساحة النور في طرابلس، وعند المدينة الرياضيّة في بيروت، وفي حلبا – عكّار، وعند مفرق المرج في البقاع، وصولاً إلى جسر الأوّلي عند مدخل مدينة صيدا الحاملة لجرح عبرا النازف دوماً وأبداً، هو مظهر طائفيّ مذهبيّ أبطاله سُنّة لبنان.
لماذا؟ لأنّ الجرح في ملفّ العفو هو جرح سنّيّ، ولأنّ أزمة مشروع قانون العفو، عندما بدأ البحث به، هي أزمة سنّيّة يُبحث لها عن حلّ، ولأنّ من تعرّض لظلامات المحكمة العسكريّة والنظام الأمنيّ المشترك الأسديّ هم سُنّة لبنان، ولأنّ الصياغة الأخيرة لمشروع قانون العفو، عبر الاستثناءات التي زُرعت فيها في اللحظات الأخيرة، كانت تستهدف الموقوفين السُّنّة. على قاعدة: “ألا لا يجهلنّ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا”، خرج السُّنّة في كلّ مدنهم وقراهم غاضبين، سائلين عن العدالة التي وعد رئيس الدولة في قسمه الرئاسيّ بتحقيقها، وضرب رئيس حكومتها على صدره أمام الوفود قائلاً إنّ القضيّة محلولة، وصرّح مفتي الجمهوريّة الشيخ عبداللطيف دريان بأنّ قضيّة الموقوفين الإسلاميّين قضيّته.
الإرهاب وسجن رومية
ليس هناك إرهاب في سجن رومية بالمعنى العلنيّ للكلمة، بل هناك موقوفون سُنّة خرج يوماً الراحل الأمين العامّ الأسبق لـ”الحزب” حسن نصرالله مخاطباً إيّاهم: “تعالوا نتقاتل في سوريا ونبتعد عن التقاتل في لبنان”. الموجودون في سجن رومية هم أسرى “الحزب” في تلك المعركة كما صنّفها السيّد نصرالله. وكما يعلم القاصي والداني، انتهت هذه المعركة إلى ما انتهت إليه. رحل الأسد، وكلّ من معه، وتغيّرت سوريا، وتغيّر لبنان أيضاً. من لا يصدّق ذلك فليعد إلى خطابَيْ القسم والبيان الوزاريّ، وإن أراد إيضاحاً أكثر فليعد إلى قرارات مجلس الوزراء في الخامس والسابع من آب. أمام هذه المتغيّرات الكبيرة، كيف يبقى أسرى في سجن من انهزم وفرّ من المعركة؟
لم يطلب سُنّة لبنان عفواً عامّاً لفارّين من وجه العدالة، بل يطلبون عفواً عامّاً لمتّهمين، أقلّ واحد منهم قضى 12 عاماً في السجن، ونصفهم تهمتهم أنّه آوى شخصاً مطلوباً، أو وضع إشارة إعجاب على صورة في وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو أنشد أنشودة أزعجت البعض من أهل السلطة.
يوضاس العفو؟
لقد فكّك الرئيس نبيه برّي عبوة كانت تُحضَّر لتفجير العهد والأمن والاستقرار. هناك “يوضاس” يعلم الجميع اسمه وعنوانه ورقم سيّارته أراد أن يفخّخ العهد وعلاقة السُّنّة بالجيش اللبنانيّ، وأن يُدخل “الحابل بالنابل”، وكأنّه يستأنف معركته مع قيادة الجيش في عهد الرئيس السابق ميشال عون، حين كان الرئيس جوزف عون قائداً للجيش.
الجملة الذهبيّة في بيان المكتب الإعلاميّ للرئيس برّي هي: تأجيل الجلسة إلى موعد آخر شعاره “التوافق”. أصاب دولة الرئيس لأنّه من دون توافق لا حاجة لنا إلى قانون عفو، والتوافق لا يحصل بالهيمنة ولا بـ”السلبطة” وفقاً للمفردة الشعبيّة، بل يحصل بروح العدالة ومنطقها وشروط تحقيقها.
قال الزميل أيمن جزّيني في مقالة له بموقع “أساس” نقلاً عن أحد الدبلوماسيّين العرب إنّ “الفواجع قد اكتملت بين الطوائف اللبنانيّة، واكتمالها من شأنه أن يدفع الجميع للبحث عن نقاط مشتركة يتوافقون عليها تكون الحجر الأوّل في بناء المستقبل”.
لم يصرخ المتظاهرون في طرابلس وبيروت والبقاع والجنوب وعكّار: “سُنّة، سُنّة، سُنّة”، بل صرخوا: “عدالة، عدالة، عدالة”، فمن يرفض منكم تحقيق العدالة؟
