دمشق- عادت الهواجس الأمنية لتخيم على المشهد السوري بعد سلسلة من التفجيرات والهجمات المسلحة التي شهدتها البلاد خلال الساعات الماضية، في تطور أعاد إلى الأذهان سنوات الفوضى التي عانت منها المدن السورية طوال أكثر من عقد. فقد بدأت الأحداث بانفجار عبوة ناسفة استهدفت الخميس مقهى في قلب العاصمة دمشق، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص، قبل أن تمتد الهجمات إلى محافظة السويداء، حيث تعرض عناصر من قوى الأمن الداخلي لهجمات متفرقة، وصولاً إلى حادثة استهداف أحد الحواجز الأمنية في مدينة جرمانا بريف دمشق، والتي انتهت بمقتل المهاجم وإصابة ثلاثة من عناصر الأمن.
ورغم اختلاف طبيعة هذه الحوادث من حيث المكان والجهات المنفذة، فإن تزامنها خلال فترة زمنية قصيرة يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت مجرد أحداث منفصلة، أم أنها تعكس محاولة لإعادة خلط الأوراق الأمنية وإرباك السلطات في مرحلة حساسة تمر بها البلاد.
ويتجاوز توقيت هذه الهجمات البعد الجنائي أو الأمني التقليدي، خاصة أنها تأتي في وقت تسعى فيه دمشق إلى تكريس قدر أكبر من الاستقرار الداخلي، والانفتاح على محيطها العربي والإقليمي، إلى جانب التركيز على ملفات إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تدهور أمني واسع من شأنه أن يوجه ضربة لهذه المساعي ويعيد إنتاج صورة الدولة المنهمكة في مواجهة التهديدات الداخلية.
◄ حساسية المشهد تزداد في ظل استمرار التوتر الإقليمي، وخاصة في الجنوب السوري، حيث تتواصل التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط درعا والقنيطرة
كما أن توزع العمليات بين العاصمة ومحيطها وجنوب البلاد يعكس، بحسب متابعين، محاولة لإشغال الأجهزة الأمنية على أكثر من محور في وقت واحد، بما يستنزف قدراتها ويحد من قدرتها على التركيز على التحديات الأخرى، سواء على الحدود أو في المناطق التي لا تزال تشهد نشاطا لخلايا متطرفة أو شبكات تهريب.
ولا يستبعد محللون أن تجد بعض الجهات الإقليمية أو الدولية، المستفيدة من استمرار حالة الاضطراب، في مثل هذه الأحداث فرصة للضغط غير المباشر على القيادة السورية، سواء عبر تغذية بؤر التوتر أو استثمار أي اختراق أمني لإضعاف صورة الدولة. ومع ذلك لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت مسؤولية جهة خارجية عن هذه الهجمات، وهو ما يجعل الفرضيات تندرج في إطار التحليل السياسي أكثر من كونها حقائق مؤكدة.
في المقابل تشير الوقائع إلى أن البيئة الأمنية السورية ما زالت تضم خليطا معقدا من التهديدات، يتداخل فيه النشاط الإجرامي مع تحركات الخلايا المتشددة وشبكات تهريب المخدرات والسلاح، وهي شبكات تمتلك القدرة على استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة لتوسيع نفوذها أو تنفيذ عمليات تستهدف المؤسسات الأمنية.
وتكتسب حادثة جرمانا أهمية خاصة بعدما أعلنت الجهات الأمنية أن المهاجم مطلوب في قضايا جنائية وتجارة المخدرات، وهو ما يعكس جانبا من التحديات التي تواجهها السلطات، حيث لم تعد المخاطر مقتصرة على التنظيمات المتطرفة، بل أصبحت تشمل أيضا الجريمة المنظمة التي باتت تتقاطع في بعض الحالات مع أهداف أمنية أو سياسية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي محافظة السويداء يظل المشهد أكثر تعقيدا بسبب خصوصية التركيبة الاجتماعية والعشائرية، فضلاً عن تعدد القوى المحلية المسلحة. ولذلك فإن أي تصعيد أمني هناك يحمل مخاطر تتجاوز حدود المحافظة، إذ قد يؤدي إلى تأجيج التوترات المحلية أو فتح الباب أمام تدخلات خارجية تستثمر حالة الانقسام أو الفراغ الأمني لتحقيق أهدافها.
كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة يوفران بيئة خصبة لاستقطاب بعض الأفراد إلى أنشطة غير قانونية، وهو ما يمنح شبكات التهريب والجريمة المنظمة مساحة أوسع للحركة، ويجعل المواجهة الأمنية أكثر تعقيدا، لأنها لم تعد ترتبط فقط بالعمل العسكري، وإنما تتطلب أيضا معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي هذه الظواهر.
وفي ظل هذه المعطيات تبدو الأجهزة الأمنية السورية أمام اختبار مزدوج؛ فمن جهة يتعين عليها الحفاظ على الاستقرار داخل المدن ومنع عودة التفجيرات والاغتيالات، ومن جهة أخرى ينبغي لها أن تواصل ملاحقة الخلايا النائمة والعناصر المتطرفة التي قد تستغل أي ثغرة لإعادة تنشيط عملياتها.
◄ تزامن الهجمات في أكثر من منطقة يعزز فرضية وجود مساعٍ لاستنزاف المؤسسات الأمنية وإبقاء سوريا في دائرة عدم الاستقرار
ويشير مراقبون إلى أن نجاح السلطات في احتواء هذه الموجة لن يعتمد فقط على الإجراءات الأمنية المباشرة، وإنما أيضا على تطوير العمل الاستخباراتي، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة، ورفع مستوى الجاهزية في الحواجز ونقاط التفتيش، إضافة إلى توسيع التعاون مع المجتمعات المحلية للإبلاغ المبكر عن أي تحرك مشبوه.
وتزداد حساسية المشهد في ظل استمرار التوتر الإقليمي، وخاصة في الجنوب السوري، حيث تتواصل التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط درعا والقنيطرة، وسط تمسك تل أبيب بمواقفها بشأن المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما يضيف إلى التحديات الأمنية التي تواجه دمشق بعدا جديدا، ويجبر البلاد على توزيع قدراتها بين مواجهة التهديدات الداخلية ومراقبة التطورات على الجبهة الجنوبية.
وتؤكد سلسلة الهجمات الأخيرة أن الملف الأمني في سوريا لا يزال بعيدا عن الاستقرار الكامل، وأن البلاد ما زالت تواجه مزيجا من التحديات الأمنية والاقتصادية والإقليمية المتداخلة. وما يجعل السوريين أكثر تفاؤلا باستعادة الاستقرار هو قدرة حكومة الرئيس أحمد الشرع على التعاطي بإيجابية مع مطالب سياسية واجتماعية وداخلية ورغبة في تطويق التوتر الطائفي فضلا عن انفتاح إقليمي ملائم لاستقطاب الاستثمارات.
وبينما تعمل السلطات على منع عودة الفوضى، فإن نجاحها في ذلك سيظل مرتبطا بقدرتها على الجمع بين الإجراءات الأمنية الفعالة، وتعزيز العمل الاستخباراتي، ومعالجة الأسباب التي تسمح باستمرار بيئات التوتر، بما يحد من فرص استغلالها من قبل أيّ جهة تسعى إلى إبقاء سوريا في حالة استنزاف وعدم استقرار.