خطوات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أرض مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت حملت ثقلاً تجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد. لم تكن مجرد زيارة وزير خارجية إلى دولة جارة، بل كانت محاولة لإعادة كتابة فصل في علاقة مثقلة بعقود من الوصاية والتدخل والانسحاب المُكره. أن يصل مسؤول سوري رفيع إلى بيروت في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، معلناً أن دمشق منفتحة على حوار مع حزب الله “إذا اقتضت المصلحة” ومؤكداً في الوقت ذاته أن هذا الملف لم يُطرح في المباحثات الرسمية، هو في حد ذاته تعبير دقيق عن الطموح السوري الجديد وحدوده في آنٍ معاً.
سوريا تحاول اليوم أن تُقدّم نفسها كدولة طبيعية لا كقوة وصاية. هذا التحول في الخطاب ليس مجرد تكتيك دبلوماسي، بل هو رهان استراتيجي على أن إعادة تعريف دور دمشق في المنطقة ممكنة، وأن لبنان يمكن أن يكون الساحة التي تُثبت فيها هذا التحول. لكن بين الطموح والتطبيق تقبع عقبات هيكلية لا تُذاب بالتصريحات الحسنة، ولا تُتجاوز بزيارات بروتوكولية مهما كانت مُحكمة الإخراج.
أي قراءة للخطوة السورية نحو لبنان تبقى ناقصة دون استحضار السياق التاريخي بكامل ثقله. في عام 1976، دخلت القوات السورية إلى لبنان تحت عنوان حفظ السلم في خضم الحرب الأهلية، لتبقى حتى عام 2005، تسعة وعشرين عاماً أعادت خلالها تشكيل المشهد السياسي اللبناني بصورة شاملة. كانت الوصاية السورية على لبنان نموذجاً من نماذج النفوذ الإقليمي الذي يعمل من خلال المؤسسات المحلية لا بدلاً منها، يُحرك الشخصيات ويصنع التحالفات ويُقرر من يصعد ومن يهبط في هرم السلطة اللبنانية.
اغتيال رفيق الحريري في فبراير 2005 كان اللحظة التي انكسرت فيها هذه المعادلة. موجة الانتفاضة الشعبية اللبنانية التي أعقبت الاغتيال، ما عُرف بثورة الأرز، حمّلت دمشق مسؤولية الجريمة وطالبت بانسحاب القوات السورية. وتحت ضغط دولي واسع وشعبي متصاعد، انسحبت القوات السورية من لبنان في نيسان – أبريل 2005 في مشهد أدهش كثيرين بسرعته.
لكن الانسحاب العسكري لم يكن انسحاباً سياسياً. بقيت أدوات النفوذ السوري عاملة عبر قنوات مختلفة، وظل حزب الله الذراع الأكثر فعالية في الإستراتيجية الإقليمية السورية – الإيرانية. وحين اندلعت الحرب الأهلية السورية عام 2011، عبر الحزب الحدود في الاتجاه المعاكس مقاتلاً إلى جانب نظام الأسد، وهو ما خلّف ذاكرة مريرة عميقة في الوجدان السوري الشعبي لن تمحوها سنة أو سنتان من التحول السياسي.
تصريحات الشيباني عن الانفتاح على حزب الله “إذا اقتضت المصلحة” تعكس براغماتية سورية حذرة تحاول الموازنة بين ضغوط واشنطن وذاكرة الداخل المثقلة بالوصاية
هذا الإرث التاريخي المُثقَل هو ما يجعل كل خطوة تخطوها سوريا نحو لبنان اليوم محاطة بحقل ألغام رمزية لا تقل خطورة عن التحديات السياسية الفعلية.
الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع تواجه معادلة صعبة متعددة الأبعاد. في الداخل السوري، تُجسّد ذاكرة تدخل حزب الله في الحرب وصمة لا تُمحى في علاقة الشارع السوري بالحزب. أي تقارب علني مع الحزب سيُكلّف الحكومة السورية رصيداً شعبياً داخلياً يصعب تعويضه في لحظة تحتاج فيها إلى بناء شرعية داخلية قبل كل شيء. ومن الخارج، تتراكم الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي تُصرّ على وضع حزب الله في خانة التهديد الذي يجب احتواؤه لا التفاوض معه.
في هذا السياق المزدوج، جاء تصريح الشيباني عن الانفتاح على لقاء مع الحزب “إذا اقتضت المصلحة” تعبيراً مُحكماً عن البراغماتية السورية الجديدة. الجملة لا تُلزم بشيء محدد ولا تُغلق أي باب. تُبقي خيار التواصل مفتوحاً لأن إغلاقه سيعني الانخراط في خصومة مع قوة لبنانية وإقليمية لا تستطيع دمشق الآن تحمّل أعباء هذه الخصومة. لكنها في الوقت ذاته تُؤطر هذا الانفتاح بشرط المصلحة لا بالانحياز الأيديولوجي، وهو تمييز يهدف إلى طمأنة واشنطن والخليج وتل أبيب بأن دمشق لا تعيد بناء محور مقاومة جديد.
هذا التوازن الدقيق يعكس فلسفة براغماتية في صياغتها، لكنه ينطوي على مخاطر حقيقية. فالبراغماتية حين تُبالغ في تعريف نفسها عبر نفي الالتزامات قد تُفقد أصحابها المصداقية مع جميع الأطراف في آنٍ واحد: الحزب يُنبّه إلى أن دمشق لا تُدافع عنه، والأميركيون يُذكّرون بأن دمشق لم تواجهه، والشارع السوري يتساءل أين الموقف الواضح.
إشارة ترامب إلى احتمال تكليف القوات السورية بمهمة محاربة حزب الله في لبنان، وإن جاءت في سياق غير رسمي، وضعت دمشق في موقع بالغ الحرج. قبول هذه المهمة علناً يعني الانزلاق إلى مواجهة طائفية – مذهبية في ساحة لبنانية بالغة الحساسية، وهو ما قد يُشعل فتيل صراع يمتد إلى الداخل السوري نفسه. رفضها بشكل قاطع يُخاطر بإغضاب واشنطن في لحظة تحتاج فيها دمشق إلى فتح أبواب التعافي الاقتصادي.
الموقف السوري الذي يجمع بين القبول المبهم والتطبيق الهادئ يبدو في هذه اللحظة الخيار الأقل كلفة. لكنه يُبقي سوريا في دائرة الغموض الإستراتيجي الذي يمكن أن يكون مكسباً تكتيكياً على المدى القريب، لكنه يُشكّل عائقاً أمام بناء سياسة خارجية ذات مصداقية على المدى البعيد.
البُعد الإقليمي يزيد المعادلة تعقيداً. في خضم موجات التحول الكبرى التي تجتاح المنطقة، من انسحاب القوى الغربية التقليدية من أجزاء من أفريقيا وتراجع حضورها في بعض ملفات الشرق الأوسط إلى إعادة التموضع الأميركي، وصعود الطموحات التركية والتوترات الخليجية – الإيرانية، تقف سوريا في تقاطع حركات كبرى تُعيد رسم خرائط النفوذ. في هذا السياق، يصبح لبنان بالنسبة لدمشق أكثر من مجرد جار: هو اختبار لمدى قدرة سوريا على تحديد دورها الإقليمي الجديد وإقناع الآخرين بجدية هذا التحديد.
تبقى الخطوات العملية هي المحك الحقيقي لأي تصريح دبلوماسي مهما كان مُحكم الصياغة. الحديث عن تشكيل لجنة عليا مشتركة بين البلدين يُمثّل في حد ذاته خطوة رمزية ذات دلالة، لكنّ لجانا مشتركة كثيرة في تاريخ العلاقات العربية – العربية تشكّلت ثم ذابت دون أن تُنتج نتائج ملموسة. الأسئلة الجوهرية تكمن في تفاصيل الصلاحيات والآليات والإطار الزمني.
ملف اللاجئين السوريين في لبنان يُمثّل أحد أشد الاختبارات العملية حدة. ما يزيد على مليون ونصف مليون لاجئ سوري في لبنان يُشكّلون عبئاً ديموغرافياً واقتصادياً ضخماً يُعاني منه اللبنانيون ويطالبون بمعالجته. أي تفاهم سوري – لبناني لا يُقدّم خطوطاً واقعية لإدارة هذا الملف سيُصطدم بجدار من السخط الشعبي اللبناني.
ضبط الحدود يُمثّل اختباراً آخر لا يمكن التهاون فيه. الحدود السورية – اللبنانية كانت على مدار سنوات ممراً لتهريب السلاح والمقاتلين والمخدرات. إعادة ضبط هذه الحدود تستلزم تعاوناً أمنياً حقيقياً يتجاوز الخطاب، وهو تعاون تعترضه مصالح متضاربة لأطراف لا تريد للحدود أن تُضبط.
التعاون الاقتصادي يُمثّل ربما المساحة الأقل تعقيدا سياسيا والأكثر قدرة على بناء ثقة تدريجية. إعادة فتح الممرات التجارية وتطوير البنية التحتية المشتركة وتسهيل حركة البضائع يمكن أن تُنتج مصالح مشتركة ملموسة تجعل التراجع عن التعاون مُكلفاً لكلا الطرفين، وهو ما يُمثّل في الواقع أفضل ضمانة للاستمرارية.
ما يُصعّب المقاربة السورية الجديدة تجاه لبنان ليس فقط تعقيد المشهد الراهن، بل ثقل السجل التاريخي الذي يُلقي بظلاله على أي خطوة جديدة. الثقة في العلاقات بين الدول، كالثقة في العلاقات بين الأفراد، تبنيها سنوات وتهدمها لحظات. والعلاقة السورية – اللبنانية مرّت بلحظات هدم كثيرة في تاريخ قريب.
إعادة تعريف العلاقة السورية – اللبنانية كعلاقة دول لا وصاية تصطدم بإرث تاريخي ثقيل وتبقى رهنا بخطوات عملية ملموسة في ملفات اللاجئين والحدود والتعاون الاقتصادي
اللبنانيون المؤيدون للتطبيع مع دمشق الجديدة يرون في التغيير السياسي السوري فرصة حقيقية لبداية جديدة. لكن اللبنانيين الذين يحملون ذاكرة الاغتيالات والاعتقالات التعسفية وسنوات الوصاية يطالبون بأكثر من تصريحات حسنة: يطالبون بمؤشرات ملموسة تُثبت أن النهج قد تغيّر فعلاً لا أن الوجوه فحسب هي ما تغيّر.
التحدي الأكبر أمام دمشق هو أن مصداقيتها اللبنانية ستُبنى أو تُهدم ليس في القاعات الدبلوماسية، بل في القرارات اليومية الصغيرة: هل تُحترم السيادة اللبنانية في التعاملات الحدودية؟ هل تلتزم دمشق بالتنسيق الرسمي عبر المؤسسات بدل التواصل مع الأطراف فوق رؤوس الدولة؟ هل تتجنب إعطاء أدوات ضغط لأطراف لبنانية بعينها على حساب أخرى؟ هذه هي الأسئلة التي ستُجيب عنها الأفعال قبل أن تُجيب عنها الكلمات.
سوريا الشرع تُخوض في علاقتها مع لبنان رهاناً بالغ الصعوبة. هي تُريد إعادة تعريف نفسها كشريك لا كوصيّ، كدولة طبيعية لا كقوة تدخل. لكن هذا التعريف الجديد يُصطدم بإرث لا يمكن طيّه بقرار سياسي واحد مهما كان رمزياً، وبتحديات إقليمية لا تُتيح هامش مناورة واسعاً.
الزيارة التي قام بها الشيباني تُمثّل بداية، لا أكثر ولا أقل. قيمتها الحقيقية لن تُقاس بما قيل في مؤتمراتها الصحفية، بل بما سيُبنى عليها في الأشهر والسنوات القادمة. وفي علاقة بين دولتين كلتيهما تُعانيان من هشاشة مؤسسية واضطراب اقتصادي وضغوط خارجية متعددة، تبقى الاستدامة التحدي الأصعب.
ما يمكن قوله بثقة هو أن سوريا إذا نجحت في إثبات جدية التحول نحو علاقة مؤسسية سيادية محترمة مع لبنان، فإنها ستكون قد حققت أكثر من مجرد تحسين في الثنائية اللبنانية – السورية. ستكون قد أثبتت لنفسها وللعالم أن الانتقال من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة ممكن في هذه المنطقة المضطربة، وهذا بحد ذاته سيكون إنجازاً يُحتسب.
لكن الطريق إلى هذا الإنجاز لا تمرّ بالتصريحات الدبلوماسية الحذرة وحدها. تمرّ بقرارات صعبة وتنازلات مؤلمة وصبر إستراتيجي على بناء ثقة تحتاج وقتا أطول بكثير مما تحتاجه أي زيارة وزارية.