عاد ملف إعادة الإعمار في سوريا إلى واجهة الاهتمام المحلي والدولي بعد سقوط نظام الأسد، باعتباره أحد أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد التي عاشت ما يزيد على أربعة عشر عاماً من الحرب. بدأت وفود رجال الأعمال والشركات الأجنبية والعربية تتوافد إلى دمشق بحثاً عن فرص استثمارية، وكان قطاع الإسكان في مقدمة القطاعات التي جذبت الاهتمام، نظراً لحجم الدمار الذي لحق بالمساكن والبنى التحتية، واتساع الفجوة السكنية التي خلّفتها الحرب.

ودفع هذا الواقع حكومة الشرع إلى تقديم إعادة الإعمار بوصفها «أولوية اقتصادية»، فأعلنت خلال أشهر قليلة عن سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات وُصِفت بأنها سعودية وإماراتية وإيطالية ودولية، وتحدثت عن استثمارات بمليارات الدولارات، وعشرات آلاف الوحدات السكنية، ومدن جديدة، وأبراج حديثة، ومجمّعات متكاملة الخدمات.

لكن الطريق لم يكن سهلاً كما بدا في طموحات البداية، فالحماس الذي رافق دخول المستثمرين اصطدم سريعاً بتحديات الواقع السوري. إذ فضّل عدد من الشركات التي أبدت اهتمامها بالسوق التريثَ قبل ضخّ استثمارات فعلية، في انتظار اتضاح المشهد الأمني والقانوني والإداري. كما أبدى مستثمرون تخوفهم من استمرار البيروقراطية، وبطء الإجراءات الحكومية، وعدم استقرار البيئة التشريعية، إضافة إلى ما يتردد عن محاولات بعض أصحاب النفوذ التأثير في القرارات الاستثمارية أو تحقيق مكاسب خاصة من المشاريع المطروحة. وتكشف مراجعة المشاريع التي أُعلن عنها حتى منتصف عام 2026 أن الجزء الأكبر منها لا يزال في مرحلة الاتفاقيات أو وضع حجر الأساس، بينما دخل عددٌ محدودٌ فقط مرحلة التنفيذ الفعلي.

ورغم الحديث عن استثمارات سعودية وإماراتية، فإن التدقيق في المعلومات المتاحة يُظهِر أن عدداً من هذه الشركات يقودها رجال أعمال سوريون أسّسوا شركاتهم في دول الخليج أو يعملون فيها منذ سنوات، قبل أن يعودوا للاستثمار في سوريا عبر تلك الكيانات، وهو ما يجعل رأس المال السوري في الخارج أحد أبرز المحركات الحالية للاستثمار العقاري.

دمشق وريفها: الوجهة الأولى لرأس المال

لم يكن مستغرباً أن تستحوذ دمشق وريفها على الحصة الأكبر من المشاريع السكنية المُعلنة، فالعاصمة تُمثّل القلب الإداري والاقتصادي للبلاد التي عرفت مركزيةً شديدةً منذ استقلالها، كما أن ريفها يضمُّ مساحات واسعة قابلة للتطوير، إضافة إلى الطلب الكبير على السكن نتيجة الدمار الذي شهده وعودة آلاف العائلات إليه. وتتنوع المشاريع المطروحة بين المدن السكنية الجديدة، والمجمّعات المغلقة (الكومباوندات)، والأحياء «الذكية»، والمشاريع متعدّدة الاستخدامات التي تجمع بين السكن والتجارة والخدمات، مع اعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث توفر الدولة الأراضي أو التسهيلات التنظيمية، بينما تتولى شركات القطاع الخاص التمويل والتطوير والتنفيذ.

برز اسم شركة أبيات السعودية للاستثمار والتطوير العقاري باعتبارها أكثر الشركات حضوراً في السوق السورية الجديدة. ورغم أن الشركة قدمت نفسها بوصفها مستثمراً سعودياً، إلا أن مالك الشركة ومديرها المهندس المدني محمد حسن السلوم، سوري الجنسية. وكانت أولى خطوات الشركة عبر مشروعين من خلال اتفاقيات مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، وتبلغ قيمتهما ملياراً و200 مليون دولار أميركي.

المشروع الأول  في ضاحية قدسيا بريف دمشق، ويحمل اسم أبيات هيلز (Abyat Hills)، وهو مجمع سكني سيُشيّد على مساحة تقارب 380 ألف متر مربع، ويضم أكثر من ألفي وحدة سكنية بين فلل وتاون هاوس، إلى جانب مدارس ومراكز تجارية وحدائق وبنية تحتية متكاملة، وحددت الشركة مدة تنفيذ المشروع بأربع سنوات. أمّا المشروع الثاني فحمل اسم التجمع العمراني الحديث، ويُقام في منطقة البجاع بريف دمشق على مساحة تقارب ستة ملايين متر مربع، ويتضمن نحو عشرين ألف وحدة سكنية، وقدّرت الشركة مدة تنفيذ المشروع بثماني سنوات.

اتفاقيات مشابهة وقعتها وزارة الإسكان مع مجموعة الاستثمار لما وراء البحار IGO (Investment Group Overseas)، الذراع العقارية الدولية لمجموعة ماج القابضة الإماراتية والتي أسّسها ويرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال السوري موفق أحمد القداح، الذي صرح بأن مجموعته تعتزم استثمار أكثر من ملياري دولار في مشاريع عقارية وتنموية داخل سوريا، في دمشق وريف دمشق وحلب وحمص واللاذقية، ومسقط رأسه درعا، إلى جانب دراسة إنشاء منازل مسبقة الصنع تتراوح أسعارها بين 60 و65 ألف دولار. ودخلت المجموعة باستثمارين معلنين، الأول مشروع يعفور 963 في منطقة يعفور بريف دمشق، وهو مجمع سكني فاخر، حيث تبدأ أسعار الشقق من نحو 300 ألف دولار أميركي للشقة، ويستهدف الشريحة مرتفعة الدخل والمستثمرين. أمّا المشروع الثاني للشركة فهو بالتعاون مع شركة إعمار العقارية الإماراتية، ويهدف إلى استئناف العمل في مشروع البوابة الثامنة في منطقة يعفور أيضاً، المتوقّف منذ سنوات.

إلى جانب هذه المشاريع الضخمة، ظهرت مشاريع أصغر حجماً، ومن أبرزها مشروع جيران هومز في منطقة الصبورة بريف دمشق، الذي يضمُّ تسعة أبنية تحتوي على 156 شقة سكنية بمساحات متنوعة، ويقع على مقربة من أوتوستراد بيروت. ويتراوح سعر المتر المربع بين 1050 و1150 دولاراً، مع خطة لتسليم المشروع خلال 24 شهراً، ويُقدَّم المشروع بوصفه «نموذجاً للإسكان العائلي متوسط الكلفة مقارنة بالمجمعات الفاخرة»، إلا أن أسعاره تبقى مرتفعة بالنسبة لمعظم السوريين في ظلِّ مستويات الدخل الحالية. هذا المشروع أعلن عنه عاطف نعنوع، الرئيس التنفيذي والمؤسس في فريق ملهم التطوعي، الذي يُصنَّف على أنه منظمة إنسانية غير ربحية، وقد سبق له العمل على إنشاء قرى سكنية لإيواء الأُسر المتضررة والنازحة في الشمال السوري.

أمّا المشروع الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام الإعلامي فهو أبراج دمشق، الذي أعلنت الحكومة عنه ضمن حزمة من مذكرات التفاهم الاستثمارية. ويضم المشروع أكثر من 20 ألف شقة سكنية موزعة على أكثر من 60 برجاً، بينها أربعة أبراج بارتفاع 45 طابقاً، إضافة إلى فنادق ومراكز تجارية ومدارس ومنشآت صحية ورياضية ومساحات خضراء. وتبلغ القيمة الاستثمارية المُعلنة نحو 2.5 مليار يورو، على أن يُنفّذ بالشراكة بين شركة أوباكو الإيطالية وشركة يوباكو السورية، بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والإسكان والمؤسسة العامة للإسكان.

وفي السياق ذاته، أعلنت الحكومة عن مشروع مركز دمشق المالي بالتعاون مع شركة سوريا القابضة، ويقع في منطقة البرامكة بدمشق ويمتد على مساحة تقارب 240 ألف متر مربع، ويضم ستة أبراج متعددة الاستخدامات، من بينها برج سياحي يُعدّ الأعلى في دمشق، وبرجان سكنيان يضمان نحو 550 شقة سكنية، إضافة إلى ثلاثة أبراج مالية وتجارية، وأكثر من ألف مكتب، ومرائب تتسع لنحو 2500 سيارة، مع توقعات بتوفير نحو 15 ألف فرصة عمل مباشرة أثناء التنفيذ والتشغيل، وقد بدأ العمل فيه رسمياً خلال الشهر السادس من هذا العام. وهناك مشاريع كبيرة مثل ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، التي بدأ العمل فيها خلال عهد النظام السابق، إلا أن تنفيذها واستقطاب المستثمرين إليها ما يزال مستمراً.

حلب… المدينة الثانية على خريطة الاستثمار

إذا كانت دمشق تُمثِّل مركز الاستثمارات العقارية الخاصة، فإن حلب تبدو اليوم محور خطط التوسع العمراني المستقبلية. فالمدينة التي كانت عصباً تجارياً لسوريا قبل الحرب تعرّضت لدمار واسع طال أحياءها السكنية والصناعية، ما دفع الحكومة إلى إعداد مخطط تنظيمي جديد تحت مسمى «حلب الكبرى»، يهدف إلى إعادة رسم الخريطة العمرانية للمدينة واستيعاب النمو السكاني خلال العقود المقبلة. وترتكز الخطة على فتح مناطق توسّع جديدة شرق المدينة وغربها، وربطها بمحاور الطرق الدولية، وإعداد مخططات تنظيمية حديثة تُحدّد نسب البناء والارتفاعات واستخدامات الأراضي، بما يُهيِّئ بيئةً أكثر جذباً للاستثمارات العقارية. وتشمل المرحلة الأولى مناطق طريق المطار والسكري شرقاً، وخان العسل والراشدين الرابعة والخامسة غرباً، مع تطوير مناطق تنظيمية جديدة وإصدار رخص البناء بصورة تدريجية. وأطلقت محافظة حلب منصة رقمية بعنوان «استثمر في حلب»، طرحت عبرها المشاريع الجاهزة للاستثمار، منها عدد من مناطق التطوير العقاري مثل دارة عزة 1 و2 وعنجارة وبابنس والحيدرية ومشروع على طريق حلب – دمشق الدولي.

وبالتوازي مع المخطط التنظيمي، شهدت حلب إطلاق عدد من المشاريع السكنية الخاصة، كان أبرزها ضاحية نسائم حلب السكنية والسياحية في منطقة أورم الكبرى بريف حلب الغربي. ويمتد المشروع على مساحة تقارب 89 ألف متر مربع، ويضم 125 قطعة أرض تتراوح مساحاتها بين 500 و900 متر مربع، مخصصة لبناء الفلل والاستراحات ضمن مجتمع سكني مغلق (كومباوند). وضاحية زمزم للسكن والاصطياف في منطقة الشهباء الجديدة، التي تضم فللاً بمساحات تتراوح بين 700 و1300 متر مربع، مع بنية تحتية متكاملة، ومول تجاري، ومسجد، وحراسة على مدار الساعة، ونظام تقسيط يبدأ بدفعة أولى تبلغ 30 بالمئة من قيمة العقار. كما تشهد المدينة تنفيذ مشاريع أخرى مثل هايلاند الذي يعتمد نموذج المجمّعات السكنية منخفضة الكثافة، حيث خُصصت معظم مساحته للحدائق والفراغات العمرانية، والماسة السكنية الواقع على أوتوستراد حلب – دمشق، إضافة إلى مشروع كفر حمرة السكني الذي يعتمد أنظمة طاقة بديلة ويستهدف التسليم خلال عام 2027.

استثمارات بمليارات الدولارات، لكن هل تكفي؟

لا شك أن ما أُعلِن عنه منذ بداية المرحلة الانتقالية يُمثّل أكبر موجة استثمارات عقارية تشهدها سوريا منذ سنوات طويلة، ويعكس رغبة الحكومة الانتقالية في استخدام قطاع البناء والإسكان محركاً للتعافي الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال. لكن في المقابل، فإن الحكم على نجاح هذه المرحلة لن يكون بعدد الاتفاقيات الموقعة أو المؤتمرات الاستثمارية، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع. فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول المخططات إلى أبنية، ومذكرات التفاهم إلى عقود تنفيذ، والإعلانات إلى مساكن تستقبل سكانها. وتُشير البيانات الرسمية إلى أن قيمة المشاريع السكنية والعمرانية المعلنة في دمشق وريف دمشق وحلب تصل إلى عدة مليارات من الدولارات، في حين لا تزال بقية المحافظات تشهد مشاريع محدودة أو تقتصر على إعادة تأهيل المساكن الحكومية أو إطلاق مخططات تنظيمية أولية. وتطرح هذه الاستثمارات عدة أسئلة أهمها: ما تفاصيل العقود المالية للشراكة، ونسب توزيع الأرباح بين القطاعين العام والخاص، ودراسات الجدوى الاقتصادية وآليات التسعير النهائية للوحدات السكنية؟

يعتقد الخبير العقاري والباحث الاقتصادي عمار يوسف أن ما يُروَّج له اليوم تحت عنوان مشاريع سكنية وعقود استثمار، لا يزال في معظمه ضمن إطار مذكرات التفاهم والترويج الإعلامي، من دون وجود تنفيذ حقيقي على أرض الواقع. فالأوضاعُ القانونية للأراضي لم تُحسم، وملفات الملكية وآليات انتقالها إلى الشركات لم تُنجز بعد، ولا توجد شفافية كافية بشأن طبيعة العقود وشروط الاستثمار. ويُضيف أنه حتى الآن لا توجد مؤشرات فعلية على انطلاق مشاريع عمرانية متكاملة، وما يُعرض إعلامياً يقتصر في بعض الحالات على أعمال أولية، مثل إزالة الأتربة أو تحريك عدد محدود من الآليات، ثم تصوير هذه الأعمال وتقديمها بوصفها بداية لإعادة الإعمار. ويتابع يوسف: «أزمة السكن في سوريا مشكلة قديمة ومزمنة وتفاقمت كثيراً بسبب سنوات الحرب، كانت تُعالج في مراحل سابقة بوسائل مختلفة، من بينها التوسع العمراني والسكن غير المنظّم (العشوائيات). لا يمكن اعتبار مشاريع يصل سعر المتر فيها إلى 2000 أو 2500 دولار جزءاً من حل أزمة السكن أو خارطة طريق لإعادة الإعمار، لأنها تتجاوز قدرات غالبية المواطنين السوريين».

ويعتبر يوسف أن هذه المشاريع، وحتى في حال تنفيذها، هي «أقرب إلى مشاريع مخصصة للنخب وأصحاب الثروات، أو لبعض المغتربين وتجار الحروب والأزمات، وليست جزءاً من خطة شاملة لمعالجة الاحتياجات السكنية لغالبية السكان». ويرى الخبير العقاري أن سوريا تحتاج إلى «إعادة إعمار حقيقية ومشاريع إسكان ميسّرة وشفافة، لا إلى وعود إعلامية ومشروعات مرتفعة التكلفة لم تتضح معالمها القانونية والتنفيذية حتى الآن».

من يستفيد من هذه المشاريع؟ 

السؤال الأكثر حضوراً في الأوساط الاقتصادية لا يتعلق بعدد الأبراج أو قيمة الاستثمارات، بل بالفئة التي ستتمكن من شراء هذه المساكن. معظم المشاريع الخاصة التي أُعلن عنها حتى الآن تتجه نحو المجمّعات السكنية المغلقة، أو الفلل، أو الشقق ذات المواصفات العالية، وهي مشاريع تحتاج إلى قدرة شرائية مرتفعة لا تتوافر لغالبية السوريين بعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي، إذ تُشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 15.6 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، بينهم ملايين يفتقرون إلى السكن الملائم. كما أن نحو 89 بالمئة من المساكن تعرّضت لأضرار متفاوتة، فيما دُمّر ما يقارب 17 بالمئة منها بالكامل، ولا يزال أكثر من 1.2 مليون شخص يعيشون في المخيمات، الأمر الذي جعل قطاع الإسكان يبدو فرصة استثمارية ضخمة، وفي الوقت نفسه حاجة إنسانية ملحة لا يُمكن تأجيلها.

وهذا ما ذهب إليه المعماري عمار عزوز في حديثه عن الوضع السوري، وعن هذه المشاريع تحديداً، بالقول: «تُخلَقُ في سورية اليوم عوالم متوازية: بين الطبقة المتوسطة والفقراء في المدن والأرياف، وبين الشريحة الصغيرة من الأغنياء. لكن المشاريع الاستثمارية المعمارية الجديدة تُركّز على شريحة الأغنياء، ويُهمّش فيها من هم أكثر حاجة للسكن والحياة الكريمة وقد خسروا بيوتهم في سنوات الحرب».

ويرى عزوز أن هذه المشاريع العمرانية والمعمارية «اللمّاعة» تُعزّز من الشرّخ الاجتماعي بين المجتمعات السورية، و«تشكل خطراً كبيراً في خلق مدنٍ غير عادلة مكانياً؛ يُهمش فيها الفقراء بشكلٍ أكبر. إذ تؤدي هذه المشاريع إلى تشكيل منظومات من الظلم المكاني والاجتماعي في وقت نحن فيه بأمسِّ الحاجة للعدالة المكانية».

ويتساءل عزّوز: «هل تستطيع عائلة من حي التضامن أو بابا عمرو أو جوبر أو داريا أو كرم الزيتون تملّك شقة في أبيات هيلز؟ لمن هذه المدن والمشاريع؟ وأين العدالة في مستقبل سورية التي تنهض من رمادها اليوم؟».

وفي أحدث تقرير للجنة الإنقاذ الدولية حذّرت من أن ملايين السوريين العائدين يواجهون نقصاً حادّاً في الخدمات الأساسية، وسط ضعف التمويل وتباطؤ جهود التعافي. ويشير التقرير إلى عودة أكثر من 3.5 ملايين سوري إلى مناطقهم الأصلية، بينهم 1.6 مليون لاجئ عادوا من الخارج، و1.9 مليون من النازحين داخلياً، منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024. ويكشف التقرير أن تسعة من كل عشرة عائدين وصلوا إلى مناطق تفتقر إلى خدمات أساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم. ولا تبدو أوضاع السكن أفضل حالاً، إذ يعيش أكثر من ثلثي العائدين في منازل متضررة أو غير آمنة، وسط محدودية كبيرة في الدعم المخصص لإعادة الإعمار.

تحديات أخرى في وجه الاستثمار..

غير أن التحديات التي تواجه الاستثمار السكني في سوريا لا تقتصر على التمويل أو القدرة الشرائية، بل تمتد أيضاً إلى قضايا الملكية العقارية وحقوق السكان المحليين، وهي ملفات قد تتحول إلى أحد أبرز اختبارات المرحلة المقبلة. في عدد من المناطق التي تشهد مشاريع استثمارية كبرى، بدأت تظهر احتجاجات واعتراضات من الأهالي على آليات تنفيذ هذه المشاريع، ولا سيما في ريف دمشق الغربي، حيث يرفض سكان مناطق مثل يعفور والصبّورة قرارات الاستملاك وإجراءات وضع اليد على الأراضي، متهمين المجالس المحلية بغياب الشفافية وتجاهل حقوق المالكين الأصليين. ويرى المحتجون أن الطفرة الاستثمارية التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من مشاريع سكنية فاخرة، تجري على حساب حقوقهم العقارية، وسط مخاوف من أن تتحول عمليات التنظيم العمراني إلى وسيلة لإعادة توزيع الملكية بما يخدم المستثمرين أكثر مما يخدم السكان.

ولا تقتصر هذه الاعتراضات على المشاريع الجديدة، بل تمتد إلى مشاريع أُطلقت في عهد النظام السابق وما تزال آثارها القانونية والاجتماعية قائمة حتى اليوم. في منطقتي مشاريع ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، يواصل عدد من الأهالي تنظيم احتجاجات للمطالبة بتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة سياسات الاستملاك والإخلاء التي نُفذت خلال السنوات الماضية. ورغم إعلان محافظة دمشق، في السادس من أيار (مايو) 2026، عن حزمة من الإجراءات لمعالجة الملفات العالقة في المنطقتين، مؤكدةً أنها تهدف إلى ضمان حقوق الأهالي وتعويض المتضررين، فإن الاحتجاجات لم تتوقف، في مؤشر إلى استمرار فجوة الثقة بين السكان والجهات الرسمية، وإلى أن تسوية النزاعات العقارية ستظل شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية إعادة إعمار واستقطاب استثمارات طويلة الأمد.

إذاً، مع الإعلانات الكثيرة عن مشاريع سكنية، هل فعلاً هذه المشاريع الفارهة قادرة على معالجة مشكلة السكن في سوريا؟ هل يستطيع 90 بالمئة من الشعب السوري، وهي نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر شراء شققها أو السكن فيها؟ لماذا لم تلحظ هؤلاء أيٌّ من المشاريع السكنية التي تم الإعلان عنها أو الترويج لها حكومياً، أم أنّ مهمتهم ستقتصر على العمل كمياومين في ورش بناءٍ لبيوت الأثرياء بعد أن طحنتهم سنوات الحرب وجعلتهم بلا مأوىً تماماً، أو على الأقل بلا مأوىً كريم!