
بعد يوم واحد من نشر خبر لقاء الرئيس مسعود بزشكيان بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، أعلنت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن تعيين ستة قادة عسكريين كبار من قبل المرشد، وجميع هؤلاء القادة هم من المسؤولين العسكريين السابقين، وتعكس إعادة توظيفهم حرص القيادة الإيرانية على تجنب التغييرات الجذرية وإبعاد العناصر الشابة عن المناصب الحساسة. وأبرز هؤلاء هو محسن رضائي، الجنرال السابق والقائد الأسبق للحرس الثوري، الذي عُيّن في سن الـ 72 عاماً أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.
قيادة الحرس الثوري
تولى رضائي قيادة الحرس الثوري وعمره 27 سنة، وبقي في هذا المنصب طوال سنوات الحرب العراق الإيرانية (1980-1988). وكانت خلافاته مع قادة الجيش النظامي، الذين تلقوا تدريبات عسكرية كلاسيكية، معروفة خلال فترة الحرب، إذ تولى رضائي قيادة القوات المقاتلة في الحرس وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج) دون أن يمر بدورات عسكرية أكاديمية، واضطر لذلك نظراً لظروف الحرب بعد الغزو العراقي لإيران عام 1979. وكان من الطبيعي أن يعترض قادة الجيش، الذين يمتلكون خبرة وتخصّصاً عسكرياً، على أسلوبه، لكن رضائي لم يتراجع أمامهم، خصوصاً أنهم كانوا يُعتبرون من بقايا نظام الشاه. كما أسّس رضائي المدرسة العسكرية للحرس الثوري التي انطلقت من الصفر خلال الحرب، واعتمدت على الخبرة الميدانية لا على المناهج المعتمدة بالكليات العسكرية في العالم.
بعد انتهاء الحرب وبدء مرحلة البناء في عهد هاشمي رفسنجاني، سعى رضائي إلى إدخال الحرس الثوري في مجالي الاقتصاد والسياسة. وقد فتح رفسنجاني الطريق أمام مشاركة الحرس في الاقتصاد، لكن الدور الاقتصادي لم يبقَ محدوداً، بل تحول الحرس إلى كيان سياسي يتمتع بإمكانيات تفوق بكثير الأحزاب السياسية العادية. وأنشأ رضائي مقر “خاتم الأنبياء” الهندسي (غير المقر العسكري المركزي المشترك للجيش والحرس)، ليُدخل الحرس كمقاول في المشاريع الاقتصادية التي كانت الدولة تمولها، مما مهّد الطريق لدخول عناصر الحرس إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وبعد فوز محمد خاتمي في انتخابات 1997، حاول بعض المقربين من رضائي ترشيحه لوزارة الداخلية، لكن خاتمي رفض. فخرج رضائي من الحرس بعد عام، والتحق بالجامعة، ودرس الاقتصاد حتى مرحلة الدكتوراه، وعُيّن في الوقت نفسه أميناً لمجمع تشخيص مصلحة النظام.
الإخفاقات الانتخابية المتتالية
ترشح رضائي للرئاسة أربع مرات، ولم ينجح قط في كسب ثقة الشعب؛ ففي آخر ترشح له عام 2021، كان عدد أصواته أقل من عدد الأصوات الباطلة. وخلال 27 عاماً من ابتعاده عن العمل العسكري، لم يحظَ بمكانة مهمة حتى لدى أوساط المحافظين، ناهيك عن الإصلاحيين الذين يرفضون تقلباته التناقضية، كما حدث في انتخابات 2009 عندما اعترض على النتائج مثل ميرحسين موسوي، واتهم حكومة أحمدي نجاد بالتزوير، لكنه سرعان ما تراجع عن موقفه مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية.
مواقف رضائي الرسمية من السياسة الخارجية الإيرانية كانت خلال العقد الأخير حادة وغير دقيقة، وهو معتاد على تبسيط القضايا المعقدة وخلق انتصارات خيالية والاستهانة بالخصوم. فخلال الحرب مع العراق كان يتحدث دوما عن قرب الوصول إلى النصر النهائي، وبعد قبول إيران للقرار الأممي 598، الذي تلا احتلال أجزاء واسعة من إيران وأسر عشرات الآلاف من جنودها جراء انسحاب قواتها، قال رضائي إن إيران حققت كل أهدافها بل وتجاوزتها، دون أن يوضح أي هدف تحقق فعلاً.
وفي ذروة مفاوضات فيينا عام 2015 مع مجموعة 5+1، صرّح رضائي رداً على تهديدات إدارة باراك أوباما، بأنه إذا هاجمت أمريكا إيران، فسنستهدف قواتها في الخليج، ونأخذ مئات الجنود الأميركيين كرهائن، ونطلب مليار دولار عن كل رهينة لحل المشكلات الاقتصادية! وقد كانت هذه النظرة الساذجة، التي شبهت احتجاز جنود بلعبة فيديو، موضع سخرية الإيرانيين لسنوات.
تولي الأمانة.. بين التطرف والبراغماتية
تعيين رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي لا يتوافق مع إرادة الشعب الإيراني الذي لم يصوّت له، ولا مع رأي غالبية أعضاء المجلس الذين أيدوا مذكرة تفاهم إسلام آباد (التفاهم مع أميركا حول إنهاء الحرب). فمحمد باقر ذوالقدر، الذي حلّ رضائي مكانه، كان مؤيداً لذلك التفاهم، بينما تظاهر رضائي بمعارضته في الأسابيع التي سبقت تعيينه. لكن من المستبعد أن يدفع أعضاء المجلس إلى تبني مواقف متطرفة؛ فبالرغم من أن ذوالقدر دفع ثمن تأييده للسلام مع أميركا بفقدانه منصبه، يبدو أن رضائي سيصبح أكثر حذراً في أقواله بعد توليه هذا الموقع، لأن تصريحاته ستكون الآن ذات تداعيات مصيرية. هو لن يستطيع أن يكون قليل الكلام وبعيداً عن الإعلام كسلفه، لكنه سيلتزم بالحذر والاعتدال بقدر مماثل، لإبعاد إيران عن ظل حرب جديدة.
التحول في الخطاب
أولى تصريحات رضائي بعد تعيينه، خلال لقائه بالسفير الصيني، كشفت عن نهجه المعتدل، إذ قال: “لن يُفتح مضيق هرمز ما لم تغيّر أميركا سلوكها وتقبل بشروط إيران؛ عليها إنهاء الحرب وإطلاق الأموال الإيرانية المجمّدة”. ويُظهر تركيزه على هذين الشرطين أنه شخص مختلف عما كان عليه قبل التعيين؛ فهو الآن لا يبحث عن مهاجمة القوات الأميركية أو أسر الجنود، بل يسعى لحلول سياسية ودبلوماسية لإنهاء الحرب. وبفضل نفوذه على التيارات المتشددة في الحرس، وتقدّمه في العمر، قد يلعب دوراً فعالاً في إنهاء حالة التوتر بين إيران وأميركا.