
ميشال شماس
محام وكاتب وناشط حقوقي…جريدة الثورة السورية. .دمشق
بعد عقود من حكم البعث والأسد وما خلّفه من جراح ودمار، ما زالت أمام السوريين فرصة لإعادة تعريف الدولة على أسس جديدة: الانتقال من دولة أمنية مركزية إلى دولة قانون تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات. غير أن هذه الفرصة يمكن أن تضيع إذا استمر التعامل مع المرحلة الانتقالية بعقلية الغلبة والثأر والمحاصصة، بدلاً من النظر إليها كمساحة تأسيس مشتركة تجمع كل السوريين على قواعد جامعة.
النقطة الجوهرية في أي تأسيس لسوريا الجديدة هي أن تكون دولة واحدة موحّدة تُدار على أساس المواطنة، مع توزيع عادل للسلطة عبر لامركزية إدارية متقدمة أو فيدرالية على أساس جغرافي، لا على أساس ديني أو طائفي أو قومي. الفيدرالية هنا ليست جائزة ترضية ولا امتيازاً لقومية بعينها، بل وسيلة لتنظيم الدولة وتخفيف تركّز السلطة في العاصمة، مع بقاء القضايا السيادية في يد دولة مركزية قوية بالمؤسسات لا بالأجهزة الأمنية.
كثيرون يستحضرون النموذج السويسري لتبرير الفيدرالية القومية، لكن هذا القياس مضلِّل. سويسرا لم تكن دولة مركزية ثم قررت فجأة أن تصبح متعددة اللغات والثقافات، بل نشأت من اتحاد كانتونات قوية ومستقرة تاريخياً. أما في سوريا، فالدولة هشّة ومنهكة، والهويات الفرعية مشحونة بصراعات راهنة أكثر مما هي متجذرة في مؤسسات مستقرة.
الحل العملي هو الاعتراف الواسع والمُحصَّن دستورياً بالحقوق الثقافية واللغوية لكل المكوّنات، مع اعتماد لامركزية إدارية أو فيدرالية جغرافية تقوم على أسس إدارية واقتصادية واضحة، لا على أسس دينية أو قومية. بهذا النموذج يمكن تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: تفكيك المركزية المفرطة التي شكلت قاعدة للاستبداد لأكثر من خمسة عقود، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها اليومية، وحماية الأقليات داخل المناطق المختلطة من أن تتحول إلى رهينة لهوية واحدة مهيمنة.
والتحدي الأخطر أمام الشعب السوري هو كيف نبني الهوية الوطنية بعيداً عن الصيغ القديمة التي تربط الدولة بدين واحد أو قومية واحدة. الهوية الوطنية الحديثة يصوغها الدستور والقانون والمؤسسات، لا الانتماء العرقي أو الطائفي، بحيث يصبح المواطن جزءاً من هذه الهوية عندما يشعر أن القانون يحميه فعلاً، وأنه متساوٍ مع غيره أمام القضاء والإدارة، وأن صوته في السياسة يمكن أن يحاسب الحاكم، لا أن يُختزل في زعيم طائفة أو شيخ عشيرة أو قائد ميليشيا.
انطلاقاً من ذلك، يجب أن تكون كتابة الدستور القادم عملية اجتماعية واسعة، لا تسوية مغلقة بين نخب ضيقة. مشاركة الناس في النقاش ضرورية، وكذلك مرافقة صياغة الدستور بحملة توعية في كل المناطق، تشرح معنى المواطنة والحقوق واللامركزية والديمقراطية بلغة بسيطة وقريبة من حياة الناس. الدستور لا يكون نصاً فوقياً مفروضاً من فوق، بل تعاقداً عاماً يفهمه المواطن ويشعر أنه شارك فيه ولو بصورة غير مباشرة.
لكن، قبل ذلك لا بد من ضبط السلاح المنفلت، فلا يمكن بناء دولة بينما تستمر الجماعات المسلحة خارج إطار القانون، أياً كان شعارها. احتكار العنف المشروع بيد الدولة شرط أساسي لكل عقد اجتماعي معاصر. من يحمل السلاح خارج القانون لا يمثل مكوّناً بقدر ما يهدد مجتمعه قبل غيره، ويمنع نشوء ثقة عامة بالمؤسسات. كذلك فإن الدعوات المتسرعة للانتخابات في ظل الفوضى والسلاح قد تفتح الباب لصعود الأكثر تطرفاً وتنظيماً، بدلاً من تمثيل الإرادة الشعبية الحقيقية.
ومن هنا تأتي أهمية رفع مستوى الوعي السياسي، وفتح نقاش وطني واسع حول شكل الدولة والدستور، وضمان بيئة آمنة للمشاركة الحرة بعيداً عن التهديد والترهيب. وفي قلب هذا المسار كله تقف العدالة الانتقالية، فلا يمكن لسوريا أن تتقدم دون مواجهة ماضيها القريب. العدالة هي طريق لكشف الحقيقة، ومحاسبة المرتكبين وفق القانون، وتعويض الضحايا وجبر الضرر قدر الإمكان وإصلاح المؤسسات وفي مقدمها القضاء والأجهزة الأمنية. من دون هذا المسار سيبقى شعور الظلم حياً، وستبقى الأرض مهيأة لدورات جديدة من العنف والثأر.
إن إعادة بناء سوريا تبدو مهمة شاقة، وتحتاج زمناً طويلاً وجهوداً متراكمة، وقبل كل شيء تحتاج إرادة سياسية قادرة على تجاوز أنماط الحكم التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. فالدولة التي نطمح إليها لا تُبنى بالقمع ولا بتغوّل الأجهزة، بل بمؤسسات مستقلة وقانون نافذ على الجميع، وبقدرة حقيقية على إدارة التنوع.
ويبقى السؤال الحاسم اليوم: هل سنقترب من دولة المواطنة والقانون، أم سنعيد إنتاج منطق الطائفة والسلاح الذي مزّق المجتمع؟ إن سوريا التي يستحقها الشعب السوري هي تلك التي يشعر فيها كل فرد أنه مواطن كامل، تُصان حقوقه وتُحترم كرامته ويُسمع صوته. ومن دون هذا الأساس ستظل البلاد عرضة لعودة الاستبداد من جهة، وللانهيار والفوضى من جهة أخرى.. وبالتأكيد، لا أحد من السوريات والسوريين يريد أن يرى بلده يعود إلى تلك الدوامة من جديد.