.سوسن جميل حسن…. ضفة ثالثة
يتابع الروائي السوري منذر بدر حلّوم في مشروعه الروائي الذي انشغل به منذ روايته الأولى “سقط الأزرق من السماء”، في تشريح الاستبداد، والغوص في بنية المجتمعات ودراسة تكوينها النفسي، ومناداة الحرية التي تشكل هاجسًا كتابيًا لديه، كما سلّط الضوء عليها وعلى دور النخبة الثقافية في تمهيد الدرب إليها في كتابه البحثي “فرسان الحرية في الثقافة الروسية”، يتابع هذا المشروع في روايته الأخيرة “شمرايا” الصادرة عن دار ميسلون هذا العام- 2026.
تتلامح الرواية للوهلة الأولى في ذهن القارئ كما لو أنها رواية جريمة، أو رواية بوليسية، فهي تبدأ باختفاء صبية في سنتها الأخيرة من كلية الطب، وابنة طبيب المخبر “ناصر” المعروف والمحبوب، من حي الزيرة في مدينة شمرايا التي منها أخذت البلاد اسمها، والتي يحكمها أمير النسيس القهقاه، أما الزيرة فواقعةٌ تحت سطوة أمير عصابة يُدعى “زئير الضرغام”، يقطن في عمارة صفراء جعلت سكان الحي يلقبونه بـ”صفرون”؛ في المقابل هناك يخت يرسو أمام شمرايا يتزعمه أمير اليخت ويدعى يختون. أما في بلاد “قيصردار” فهناك واحد من أشباح العصابة يُدعى “شبرون”، وهو ينكّل بأبناء شمرايا الذين يعيشون في قيصردار، معظمهم في سبيل التحصيل العلمي، وهناك أفراد من شمرايا من أتباع شبرون يحتكرون تجارة التهريب بين قيصردار وشمرايا.
لكن الرواية التي تحفل بعدد من الجرائم، أو ما يرتقي إلى الجريمة، خاصةً اختطاف الصبايا اللاتي وصل عددهن تسعًا، ليست رواية بوليسية؛ فليس فيها محققون ولا قضاة ولا محاكم، إنما فيها نخبة من أبناء مدينة شمرايا، ومن حي الزيرة بشكل خاص، موزعون بين شمرايا وقيصردار، يأخذون على عاتقهم البحث والتنقيب لمعرفة سرّ هذا الاختفاء، لملاحقة العصابة التي تقترف جُرم ترويج المخدرات وتغييب عقول الشباب والصبايا.
هذه النخبة، الثقافية والمجتمعية، تجتمع حول هذا الهم، وهم أبطال الرواية التي يتنكب أحدهم مهمة السرد، أو الراوي، وهو مدرس الرياضيات عماد، لديه شقيقه التوأم الرسام فؤاد المقيم في قيصردار يحضّر للدكتوراه في فلسفة الفن، وهو رسّام، وفيها أيضًا مرسال خطيبُ المختفية سمية الذي أوفدته جامعة شمرايا لنيل الدكتوراه في علم الاجتماع، ومعه رام السندران الذي يدرس للدكتوراه في فقه اللغة، وهو كاتب وروائي.
أما من بقي في شمرايا فهم عماد، ومثقال وكيّال أخوَا مرسال؛ مثقال صاحب مطعم، وكذلك كيّال ورث مطعمًا شعبيًا “لقمة الشغيلة” عن والده، وهما يتكفلان بمصاريف أخيهما مرسال في بلاد الغربة. كذلك أديب، درس علم النفس، وهو صاحب مقهى نوح الذي يرتاده سكان شمرايا من كل الأعمار، ويحظى بشعبية كبيرة ومحبة الشباب على وجه الخصوص. وهناك نجلا ابنة المرأة الأرملة التي تربي أولادها باستثمار تنور للخبز والفطائر، تساعدها امرأة سيكون لها دور مهم في الرواية هي خضرا، وسمرا ابنة نجلا، البنت الجامحة التي ستشكل معضلة تبدو كأنها الصورة الحية للخراب الذي تُحدثه عصابة زئير في المجتمع وبين جيل الشباب.
وهناك زكية بنت زاؤور والدة عماد وفؤاد، التي تشكل مع لاما محبوبة عماد، ونجلا صاحبة التنور، نماذجَ عن نساء فاعلات لهن مكانة ودور في المجتمع، ولهن رأي في الأحداث التي يمور بها الواقع تحت سلطة هذه العصابة.
سيبقى السرد الذي يغلب عليه ما يُسمى “تيار الوعي” منشغلًا باختفاء سمية إلى النهاية، إضافةً إلى القلق الذي ينمو بالتدريج حول سمرا التي ستتحول إلى قضية أخرى؛ سمرا التي فاجأت أمها بأنها ستسافر بدعم من أحدهم لم تعترف من هو، وقد أمّن لها منحة دراسية، ما يستثير قلق الأم وقلق هذا الفريق من الأصدقاء الموزعين بين شمرايا وقيصردار، المعنيين بمشاكل الزيرة ومشاكل شمرايا بشكل خاص، وهم عماد وأخوه فؤاد وبقية الشخصيات، فتهرب سمرا في الأخير بعد أن استقطبتها عصابة المخدرات وصار مصيرها إلى المجهول.
يعتمد الكاتب سياسة اللاتعيين في تقنية السرد، إنما لن تغيب عن القارئ أسماء الأمكنة وإحالاتها: شمرايا، جبل صافون، إقليم خطايا شمال شمرايا، المسلوب منها “الحمد لله، ما عادوا يستخدمون الخوازيق في شمرايا بعدما أدخله إليها سالبو إقليم خطايا”، إقليم أرزايا وإقليم رملايا، قيصردار، بل وترد في السرد جملة: بلد “إيفان الرهيب”. علاوةً على اسم زعيم العصابة المسيطر على حي الزيرة “زئير الضرغام”. أما زمانيًا، فحتى لو لم يعتمد الكاتب زمنًا للسرد أو لم يُشر إلى تاريخ وقوع الأحداث، فهي أحداث معاصرة ما دامت التقنيات الرقمية حاضرة بشكل أساسي، من منصات رقمية ومواقع تواصل اجتماعي وأجهزة ذكية من هواتف وحواسيب، إضافةً إلى الذكاء الاصطناعي، وقناة “حياة شمرايا” على تلغرام التي أسسها مرسال في قيصردار، وبقي حتى بعد موته يحاضر فيها بالحرية ويخاطب أرواح وعقول شباب شمرايا، باستخدام الذكاء الاصطناعي من قِبَل صديقيه فؤاد ورام.
على مدى ما يربو على 280 صفحة، يبقى القارئ مشدودًا إلى خيط السرد منساقًا مع التدفق المستمر للأفكار، على وجه الخصوص داخل عقل الراوي الذي هو أحد أبطال الرواية “عماد”، مدرس الرياضيات المولع بالأرقام والرموز والمعادلات التي يطرحها عقله المبني على المنطق. ربما لن يلهث القارئ خلف حبكة بوليسية لمعرفة مصير سمية، أو سمرا، أو مرسال الذي قُتل في قيصردار برميه من نافذة سكنه الجامعي في الطبقة الثامنة عشرة وسُجّلت القضية على أنها انتحار، أو مصير الشباب الذين يختفون، أو الصبايا المخطوفات اللاتي أصبح عددهن تسعًا حيث “يقول الناس إن الخاطفين يستعبدونهن، يجبروهن على تعاطي المخدرات، ويستخدمونهن بعد ذلك، وأنت تعرف ماذا يعني يستخدمونهن” (ص 142)، وكذلك كيّال الذي انتقمت منه العصابة نكايةً بأخيه مرسال الذي كانت تلاحقه رجال شبرون في قيصردار، فاختطفته بتهمة حيازة الحشيش وطالبوا بفدية لفك أسره، ما اضطر إخوته إلى بيع المطعم من أجل إطلاق سراحه، فخرج مدمنًا بعد أن جعلوه يدمن في فترة الحبس. لكن القارئ يبقى على طول السرد في حالة عصف ذهني، فيندغم في جو الحكاية متتبعًا الإشارات والرموز التي برع عقل عماد في تقديمها، في محاولة للتكهن بمصير سمية، أو التكهن بما ستؤول إليه حالة سمرا المثيرة للريبة في بال أمها وأستاذها عماد، وأديب الذي يحب نجلا التي تكبره بسبعة عشر عامًا.
كل هذه المشاكل التي تتناسل من بعضها في أثناء السرد، ترتبط بخيوط متينة بقضية اختفاء سمية، التي تبقى حاضرةً حتى النهاية حيث تظهر مرميّةً في مدخل البناية في حالة يُرثى لها تحت لعنة الإدمان، صبيحة العرس الجماعي الذي أصرّ الشباب على إحيائه ودعوة الكثيرين عدا من سينضمون إليه، في يوم الاحتفال الرسمي بعيد ميلاد البارون، زعيم عصابة اليخت، في مفصل بديع من السرد وتوظيف مهم لخدمة ما تصبو إليه الرواية: مقاومة الاستبداد، إنما بالمقاومة السلمية، بالتمسك بالحياة، بنصرة الفرح.
على الرغم من اللاتعيين في الرواية، يمكن القول عنها إنها صالحة للقراءة في أزمنة مختلفة، ما دام أن التاريخ يزخر بتجارب مشابهة تكررت وسوف تتكرر مستقبلًا، وما دام أن الرواية تشرّح الاستبداد وتغوص في تحليل تركيبة المجتمع والتحليل النفسي، والأساليب التي تتبعها أنظمة من هذا النوع في ممارسة السطوة على الحياة العامة وإدارتها بنهج العصابات.
مجتمع شمرايا بشكل عام، وحيّ الزيرة المحكوم بعصابة يترأسها زئير الضرغام وهو “ابن عم رئيس البلاد أمير النسيس القهقاه الذي ورث العرش عن أبيه” (ص 190)، مجتمعٌ مؤمن بالفطرة، وهذا لا يتعارض مع العقل القائم على الشك، العقل الذي يسعى زعيم العصابة إلى تغييبه بدفع الشباب إلى الإدمان وتوفير المخدرات بين أيديهم: “يذهبون بعقول الشباب، يريدون شمرايا بلا عقل” (ص 255). حتى عماد المغرم بالأرقام والرموز والمعادلات، نراه على طول السرد يتوقف عند صوت “المنادي” يلقّنه “إذا سألاك يا عبد الله وابن أمة الله”، وهنا إشارة إلى يوم الحساب وإلى منكر ونكير، كما لو أنه محسوب على الحياة وهو شبه ميت: “لا يحق لك الاعتراض يا عبد الله، فأنت ميت تظن نفسك حيًا”. كأننا بعماد يحاسب نفسه على حياة لم يتخذ منها موقفًا.
بلغة بديعة وجمل قصيرة، ينسج الكاتب حياةً متكاملة بأسلوب سلس، فتنهض الشخصيات على التوالي منذ بداية السرد كما لو كانت على المسرح، لتؤدي دورها في هذا المجتمع المنكوب وفي لحظة حاسمة، فيرسمها الراوي في سرده ومن خلال تحريكها وبناء العلاقات في ما بينها، فنرى حتى الغائبين الذين ماتوا ولم يعودوا في المشهد، باقين بتأثيرهم كأن الشخصيات الرئيسية ما هي غير امتداد لهم، مثل قمر الزمان والد عماد وفؤاد، المعلم الذي ترك خلفه سمعة طيبة، وكان “يؤمن بأن المحبة هي نتاج تلاقي قلوب الناس… وقادرة على صنع المعجزات” (ص 78).
أما المرأة فهي حاضرة في هذا المجتمع أمًّا ومربيةً وعاملةً وجامعيةً، ولها مكانة واحترام في الوعي العام، وهي صديقة للحياة وقريبة من الطبيعة. حتى “سعدا” أخت عماد وفؤاد المتوفاة في ريعان شبابها كان لها نصيب في خدمة الرواية.
بمتابعة قضية سمية، ومن بعدها سمرا، وقتل مرسال في قيصردار، واعتقال كيّال وجعله مدمنًا، تطرح الرواية أفكارًا مهمة، خاصةً في اللعبة التي اعتمدها الكاتب (لعبة التوأم)، القائمة على مزدوجات فكرية: الخير/ الشر، الحب/ الكراهية، العقل/ القلب، الجمال/ القبح، الإيمان/ الشك، المعرفة/ الجهل، وغيرها كثير من العناوين التي تدور في هذه الجدالات والتداعيات، في محاولة لفهم طبيعة المجتمعات، وكيف يُصنع الوعي الجمعي، وما هي الطريقة الأجدى لمقاومة الاستبداد والنهوض بالحياة، وما هو دور الفن والكتابة وإدارة العلاقات في توجيه دفة النضال من أجل التحرر: “وظيفة الفن كشف خبايا الضمير… الكاتب يمكن أن ينقذ حياة إنسان، بل وشعب كامل” (ص 216). من دون أن يغفل الكاتب المواقف النقدية ومسؤولية المثقفين: “كم نحن جماعة التعليم الذي يُفترض أن نكون الأكثر ارتباطًا بالناس والواقع، بعيدون عن الواقع وعن معرفة الناس” (ص 220).
في هذه البقعة الجغرافية المسمّاة شمرايا، التي تتربص بها النوايا الشريرة من كل صوب، مهددةً من عصابات موزعة بين الداخل والخارج، بل يتربص بها شر من الغرب مقيم في يخت يروح ويجيء أمام شواطئها، يبرع الكاتب في وصف البيئة المحلية والطبيعة بكل عناصرها، خاصةً التضاريس والنباتات المحلية، فيرسمها بصور بصرية بديعة حتى ليكاد القارئ يشم عبير الزهور التي يحبسها أديب في زجاجات مرسومة على الحائط، أو الميرمية التي تقطفها زكية، أم عماد وفؤاد، من البرية، أو الخبز الذي تعده خضرا في التنور والذي دست السم في فطائرها التي يحبها زئير ويطلبها بواسطة رجاله، أو يشعر بمذاق الأكلات المحلية. هذه البيئة الغنية والطبيعة الخلابة تركت بصمتها على جينات سكانها الأزليين، سكانها أصدقاء الشمس: “قل لتوأمك عماد إني أراه يحرس بيت سيدة الضوء”، فزرعت في أعماقهم حكمة الحياة التي تحفظ وجودهم واستمرارهم، وإيمانهم بأن كل الدروب تؤدي إلى درب الحقيقة: “إذا سألاك عن الفن فقل لهما: الفن والحياة توأمان، وإذا سألاك عن الحياة فقل لهما: حيرة العاقلين، وفرح المؤمنين بالحق” (ص 279).
وما النهاية التي آلت إليها الأحداث سوى تسبيح باسم الحياة واسم الفرح؛ عرس جماعي في الساحة، قلب المدينة، أحد عشر شابًا وإحدى عشرة صبية، في الوقت الذي ينازع فيه زئير، واحتفال بالقوة الخلاقة للشباب: “الشباب يُسقطون كل ما يكبّل العقل، بينما نحن الكهول نُضيف، خشية أن نفقد شيئًا نراه مهمًا، عشرات الاعتبارات التي تكبّل عقولنا”. وفي النهاية ينتصر الحق والحقيقة لأن “علقمٌ موتُ من لم يذق طعم الحرية في الحياة” (ص 275)، فتتغير شمرايا “إلى غير رجعة”، فلم يعد لسؤال “هل لعرش شمرايا علاقة بعرش السماء؟” أي جدوى بعد أن وقع التغيير وتحطمت هذه الفكرة المعيقة لتقدم الإنسانية، وأثبت الشباب أن المعادلة التي تقول “حاصل جمع الأصفار ليس صفرًا، إنما قطيع” (ص 257) لا تصنع التغيير، بل عليهم أن يعتمدوا العقل والشك والفن ونداء الأرواح واستلهام الرموز، وأنه “لو انقاد الإنسان إلى عقله وحده، لما كتب الكتاب، ولا رسم الرسامون، ولا ابتكر المبتكرون” (ص 263).
رواية، بأسلوب أدبي وفنية لافتة، غارت عميقًا في جسد الاستبداد فشرّحته بصبر ونزاهة طبيب شرعي؛ فحتى لو تغيرت وجوهه، فإن الأعماق نفسها: “لزئير أخان هما سعير ومغير، مرة يظهرون بلحى، ومرة حليقي الذقون، وفي ثالثة محفوفي الشوارب، وفي غيرها ملدوعي الجباه، وفي خامسة متلفحين برايات مختلفة الألوان، ويتبادلون الأدوار في شمرايا، فلا يعرف السكان واحدهم من الآخر، كما لا يعرف أهل شمرايا من يحكمهم” (ص 157). وكأن ظلال سورية، الوطن الأول للكاتب، تومض خلف السطور والكلمات.