بعد رحلةٍ طويلةٍ وحافلةٍ في دروب الإبداع، تنقّل خلالها بين الشعر والصحافة والخطّ والمسرح والفنّ التشكيلي، حطَّ الشاعر والفنان العراقي صادق الصائغ رحاله الأخيرة، مختتمًا مسيرةً إبداعيةً امتدّت لما يقارب تسعة عقود، ليوارى الثرى في لندن، تاركًا وراءه إرثًا ثقافيًا وفنيًا متعدّد الأبعاد.
ويعدّ الصائغ واحدًا من أبرز المجدّدين الذين سعوا إلى كسر القوالب التقليدية للشعر العربي، كما يُنظر إليه بوصفه من أوائل من اشتغلوا على المناخات السريالية في القصيدة العراقية الحديثة، عبر قدرته الفائقة على تطويع الفنون المختلفة داخل النصّ الشعري، وابتكار صورٍ غرائبيةٍ وفريدةٍ ظلت علامةً مميّزةً في تجربته. وبرحيله تتجدّد الأسئلة القديمة عن الغربة والمنفى، وعن مصير جيل الروّاد الذين وضعوا الخطوات الأولى في مسارات التجديد والابتكار الثقافي في العراق.
وُلد الصائغ عام 1936، ويعدّ واحدًا من الأسماء الريادية التي أسهمت في تأسيس ملامح الحداثة الأدبية والفنية في العراق منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وقد بدأ حضوره المبكّر عبر النشر في الصحف والمجلات الثقافية، قبل أن يرسّخ اسمه في المشهد العراقي شاعرًا وصحافيًا وفنانًا متعدد الاهتمامات. وبين أعوام 1966 ـ 1968 كان من أكثر الشعراء الذين تناولتهم المقالات النقدية، إلى جانب صدور مجاميعه الشعرية: “وطن للروح”، و”حيث هو القلب”، و”أنا التراب”، و”حجر يبكي”، و”قصائد الحب”، و”قصائد الوحدة”.
أما ديوانه الأول “نشيد الكركدن”، الصادر عام 1978، فقد قدّم له الأديب والمترجم العراقي نجيب المانع، الذي رأى فيه شاعرًا تتّصل شاعريته بتفاصيل حضوره اليومي، إذ كتب في مقدمته: “الصائغ موصوفٌ من بين بعض الشعراء الذين يمشون شعرًا، ويلمسون فنجان القهوة بشاعريّة، صوتهم شاعري، وتعجّبهم شعري. والصائغ، حتى إذا أنكر أنّه شاعر، كذّبت قولته الطريقة التي يسأل بها عن الوقت”. كما عدّه نقّاد من أوائل الشعراء الذين حضرت في قصائدهم غرابة الصورة الشعرية والمناخات السريالية.
وكانت بداياته اللافتة حين نشرت له مجلة “الآداب” اللبنانية قصيدةً بعنوان “حكاية الولد دحّام”، لتثير اهتمام النقّاد آنذاك بوصفها تبشّر بولادة شاعر مختلف يمتلك لغةً وصورًا جديدة.
درس الصائغ اللغة الإنكليزية، وغادر العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام 1967. وكانت مدينة براغ، بحسب ما ذكره في حواراته، محطةً حاسمةً في تكوينه الشخصي والثقافي، قبل أن تدفعه ظروف العراق السياسية والثقافية إلى محطات أخرى، من بينها بيروت، ولندن.
وفي بيروت، شارك في تأسيس رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين، التي أصدرت مجلة “البديل” برئاسة تحرير الشاعر سعدي يوسف، فيما تولّى الصائغ سكرتارية التحرير، ليواصل حضوره الفاعل في العمل الثقافي العربي خارج العراق.
انتماء ومواهب
ينتمي الصائغ إلى السياق الثقافي الذي تبلور مع جيل الستينيات في العراق، غير أنّه كان يرفض، في حواراته، اختزال ذلك الجيل في أسماء، أو جماعات محدّدة، مؤكدًا أنّ تلك المرحلة لا تزال في حاجة إلى مراجعة نقدية وأكاديمية أكثر عمقًا. وغالبًا ما تُستحضر تجربة ذلك الجيل عبر أسماء مثل فاضل العزاوي، وسامي مهدي، وسركون بولص، وجان دمو.
ولم تقتصر تجربة الصائغ على الشعر وحده، ففي المسرح قدّم مسرحية “البيك والسائق” عن نصّ للكاتب الألماني برتولد بريخت، بإخراج إبراهيم جلال، وحازت الجائزة الأولى في مهرجان دمشق المسرحي عام 1973. وفي السينما، أعدّ سيناريو فيلم “المنعطف”، المأخوذ عن رواية للروائي العراقي غائب طعمة فرمان. كما عمل في الصحافة والتلفزيون، واشتغل في التصميم الصحافي في جريدة “البلاد”، ثم مجلة “ألف باء”، وعدّه مجايلوه من مجدّدي الخطّ العربي، فضلًا عن إقامته معارض تشكيلية في لندن، وعواصم أخرى.
لم يكن صادق الصائغ شاعرًا فحسب، بل كان نموذجًا للمبدع الموسوعي الذي تنقّل بين حقولٍ فنيةٍ وثقافيةٍ متعدّدة. فإلى جانب تجربته الشعرية، عُرف خطّاطًا ورسّامًا ومصمّمًا للصحف والمجلّات، فضلًا عن حضوره ناقدًا فنيًا تابع باهتمام المسرح والسينما والفنّ التشكيلي، مستفيدًا من ثقافته الواسعة وحسّه الجمالي العالي.
كما امتلك الصائغ تاريخًا لافتًا في الصحافة العراقية منذ خمسينيات القرن الماضي، إذ عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة “فنون”، التي كانت تُعدّ واحدةً من المنابر الثقافية المهمّة آنذاك، وشهدت نشر بعض القصائد الأولى للشاعر سعدي يوسف في بداياته الشعرية، في مرحلةٍ كانت الحركة الثقافية العراقية تبحث فيها عن أصواتٍ جديدة وأساليب مختلفة في الكتابة.
ويُضاف إلى تلك المواهب حضوره المميّز في الإذاعة والتلفزيون منذ مطلع السبعينيات، ولا سيّما عبر شاشة التلفزيون العراقي، حيث قدّم برنامجه المعروف “البرنامج الثاني”، الذي ترك أثرًا واضحًا لدى المتابعين لما حمله من لغةٍ ثقافيةٍ مختلفة ورؤيةٍ أكثر انفتاحًا. غير أنّ السلطة أبعدته لاحقًا عن العمل التلفزيوني، ليعود مجددًا إلى الصحافة الثقافية عبر مجلة “ألف باء”، ثم جريدة “طريق الشعب” الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي، مواصلًا حضوره في المشهد الثقافي والإعلامي العراقي رغم التحوّلات السياسية والظروف القاسية التي مرّ بها البلد.
العاشق وزمن الاكتئاب
قال الناقد العراقي ياسين النصير عن رحيل صديقه صادق الصائغ إنه خسارة لواحدٍ من أكثر المبدعين العراقيين فرادةً وتنوّعًا، مؤكّدًا أنّه “لم يكن أديبًا عاديًا، بل كان كلمةً مفتوحةً على الحياة”. وأضاف أنّ قدر الصائغ أنه “وُلد في بلدٍ كان يظنّ أنّه سيواصل تطوّره وتقدّمه، قبل أن يفاجأ بالرداءة وهي تتلبّس أثوابًا قوميةً ودينيةً تمحو آثار التقدّم، وتستبدلها بماضٍ مدروسٍ في الأعماق”. وأشار النصير إلى أنّ الصائغ كان “شاعرًا استثنائيًا، وخطّاطًا ومصمّمًا استثنائيًا، وصحافيًا وناقدًا، ومؤسّسةً قائمةً بذاتها في بناء العلاقات بين الثقافة والفنون”، مضيفًا أنّه كان “عاشقًا أحبّ النساء والمدن والشوارع”، في إشارةٍ إلى حسّاسيته العالية تجاه الحياة وتفاصيلها اليومية. كما وصفه بأنّه “شيوعيٌّ متميّز يكثر من الأسئلة ويبتعد عن الأجوبة الجاهزة”، وكان يدرك، بخبرته الطويلة، أنّ الحياة “ليست سوى إضاءاتٍ متجاورةٍ شكّلت أنوار المدينة والثقافة والصحافة وخلايا الحزب الشيوعي”. وأضاف النصير أنّه لم يشهد للصائغ “يومًا موقفًا خصاميًا أو نزعةً نحو العناد، بل كان قادرًا على استيعاب التناقضات عبر الحوار، ويكتب وينشر بصمتٍ بعيدًا عن الضوضاء والادّعاء”، ويرى أنّ الراحل “يُعدّ واحدًا من أبرز المساهمين في تغيير بنية القصيدة الحديثة في العراق، إلى جانب جليل حيدر، ورشدي العامل، عبر ما أحدثوه من اختراقٍ للمألوف الشعري، واستحضارٍ لليومي والهامشي داخل القصيدة الحديثة”.
وبيّن النصير أنّ تجربة الصائغ “ظلّت مشغولةً بأسئلة الوجود والبحث عن المعنى، حتى في أكثر نصوصه ذاتيةً، لأنه كان يرى نفسه يعيش مركزيةً إبداعيةً ينبغي الحفاظ عليها بالتجديد والمغايرة، لا عبر المنافسة أو تكرار الأشكال السائدة.
من جهته، رثا رئيس مؤسّسة المدى للثقافة والإعلام، الكاتب فخري كريم، الراحل بكلماتٍ امتزج فيها الحزن بالغضب، قائلًا “في مكانٍ ناءٍ وعزلةٍ عن وطنه العاق، وشعبه المبتلى، رحل عنّا صادق، الذي كان طوال حياته صنو الخلق والإبداع الجميل، شعرًا وفنًّا والتصاقًا بحياة شعبه”. وأضاف كريم أنّ هذا الفقدان “يأتي في أيامٍ مثيرةٍ للاكتئاب، يتضاعف فيها الحزن بسبب ما آلت إليه أوضاع البلاد”، مستعيدًا صورة الوطن الذي فرّق مبدعيه في المنافي، حيث “تلفّهم الغربة ويعصف بهم الحنين إلى وطنٍ يعبث به اللصوص والعسس”. كما أشار إلى أنّ العراق “لم يُنصف الصائغ في حياته، ولم يمنحه ما يليق بسيرته ومسيرته الإبداعية”، مضيفًا بأسى: “لم نوفِه حقّه وهو حي، وأبخس حقّه لصوص بيت المال حتى في أصغر حقٍّ يليق بتاريخه الخلّاق والجميل”.
آلام الثقافة العراقية
ورأى الكاتب والصحافي علي حسين في رحيل صادق الصائغ “نهايةً لمرحلةٍ كاملة من الثقافة العراقية الحديثة”، مستعيدًا ما كتبه الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عند رحيل خورخي لويس بورخيس من أن “المتفرّدين لا يرحلون كأفراد، بل يرحلون كمراحل بصموا على بدايتها، وصار رحيلهم خاتمتها”. وأشار حسين إلى أنّ رحيل الصائغ “يعيد التذكير بواحدةٍ من أكثر الظواهر إيلامًا في الثقافة العراقية المعاصرة، وهي ثنائية الغربة والمنفى”، مؤكدًا أنّه “لا يكاد يوجد أدباء عرب عانوا من المنافي كما عانى الأدباء العراقيون. فالموت بعيدًا عن الوطن تحوّل إلى قدرٍ متكرّر في حياة المبدعين العراقيين”. وذكر في ذلك رحيل “بدر شاكر السياب غريبًا على سرير أحد مستشفيات الكويت، فيما دُفن محمد مهدي الجواهري، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وغائب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي، وسعدي يوسف، وفوزي كريم، ونجيب المانع، وبلند الحيدري، وعشرات غيرهم، في مقابر بعيدة عن العراق”. وبيّن أن هذه الغربة التي وصفها بلند الحيدري يومًا بأنها أكبر ذلّ، ظلّت حاضرةً في الذاكرة الشعرية العراقية منذ أن كتب السياب قصيدته الشهيرة (غريب على الخليج)، وصولًا إلى صرخة صادق الصائغ الأخيرة:
“كلّما صرختُ:
النجدة
أُغلق الباب”.
ويشير علي حسين إلى أنّ “المنافي لم تعد مجرّد أمكنةٍ للابتعاد، بل تحوّلت إلى مادةٍ مركزيةٍ في الرواية والقصيدة والأغنية العراقية، حتى بدا وكأنّ الأديب العراقي محكومٌ بأداء طقوس الاغتراب، وإغلاق أبواب الوطن في وجهه، ومواجهة النسيان في آخر المطاف. فكثير من روّاد الحداثة العراقية لم يعد لهم حضورٌ حقيقي في ذاكرة المؤسسات الرسمية، أو في دفاتر الوطن الثقافية”. ويرى أنّه ليس من “المصادفة أن الأنظمة المتعاقبة، بما في ذلك النظام الجديد، لم تسعَ إلى جمع رفات هؤلاء المبدعين في مقبرةٍ خاصة داخل العراق تكون شاهدًا على تاريخهم الإبداعي ومزارًا للأجيال القادمة، كي تدرك أنّ في هذه البلاد عاش كتّاب وشعراء كرّسوا حياتهم من أجل بناء وطنٍ معافى وثقافةٍ وطنية حديثة، غير أنّ المنافي كانت أقوى منهم جميعًا”. وفي استعادةٍ مؤلمةٍ لصوت عبد الوهاب البياتي، يختتم علي حسين حديثه بأبياته التي بدت وكأنها تلخّص مصير جيلٍ كامل من المبدعين العراقيين:
“ونحنُ من منفى إلى منفى، ومن بابٍ لبابْ
نذوي كما تذوي الزنابقُ في الترابْ
فقراءُ يا قمري نموتُ
وقطارُنا أبدًا يفوتْ”.