يتعلق الذكاء الاصطناعي بقدرة الأنظمة والبرامج على محاكاة بعض وظائف عقل الإنسان، مثل التعلّم، والتفكير، والتحليل، واتخاذ القرار. ولا يبلغ الأمر إلى مستوى تفكر فيه الأنظمة مثل الإنسان، بل تعتمد على تحليل كميات ضخمة من البيانات لاستخلاص أنماط تساعدها على اتخاذ قرارات دقيقة. وقد شهد القرن الحالي تطورًا كبيرًا في أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، حيث برزت تقنية التعلّم الآلي، من خلال التركيز على تطوير خوارزميات تمكّن الحواسيب من التعلّم من البيانات والتنبؤ بناء عليها. إضافة إلى نشوء فروع التعلّم الآلي التي تعتمد على الشبكات العصبية متعددة الطبقات.
وقد شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، رافقه ازدياد وتيرة الأبحاث التي تتناوله، بغية فهمه وتذليل صعوباته، وإتاحته على نطاق أوسع، فيما لم تشهد المكتبة العربية سوى القليل من الدراسات والأبحاث العلمية. ويأتي كتاب غزة عبد الرزاق “الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ـ 2024)، كي يسد ثغرة في الدراسات العلمية العربية في هذا المجال، ويقدم قراءة عملية تاريخية للتطورات العلمية والتقنية للذكاء الاصطناعي ولمسارات تطور الذكاء الاصطناعي وسياقاتها، من خلال التعرّف على إسهامات علماء وباحثين مؤسسين، من أمثال ديفيد هيلبرت، وآلان تورينغ، وغودل وكورت، وألونزو تشيرش، وكلود شانون، وجون فون نيومان.
ثمة تعريفات مختلفة للذكاء الاصطناعي، فأحيانًا يعرف بأنه طريقة في استخدام المعارف، أو حساب بالرموز، أو إدراك وسلوك تفاعلي. وفي أحيان أخرى يُعرف بأنه آلة تُظهر ذكاء إنسانيًا. ويتم اللجوء إلى التجسيم البشري في حالة الذكاء الاصطناعي، التي تتجسد في عملية إضفاء التجسيم البشري، أي إسناد صفات بشرية إلى كيانات غير بشرية مادية، أو حيوانية. وهي طريقة يلجأ إليها الإنسان حين يواجه صعوبات أو مشكلات نفسية واجتماعية وثقافية يصعب حلها، ويكون التجسيم البشري أداة حاسمة لفهم السلوكيات غير البشرية، كي يفهم سلوك الروبوتات فائقة الذكاء، والمواقع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل يوتيوب، وفيسبوك، وإكس، التي أسهمت في تقوية خصائص الرقمي التشاركي، وتجاوزت مفهوم البرمجيات والتقنيات، وتحولت إلى منظومات شاملة لإنتاج البيانات، وإعادة تشكيل العلاقات، فضلًا عن أنها ساهمت في خلق مجتمعات افتراضية.
يرتكز الجهد البحثي على استدعاء الفرضيات الأساسية، التي تنطلق أساسًا من ملاحظات متعلقة بإمكانية وصف أي نشاط عقلي بدقة كافية لمحاكاته بواسطة آلة، حيث ظهرت مع الحوسبية الرمزية فكرة الذكاء الاصطناعي العام، فيما انبثق من فكرة الأنظمة الخبيرة الاستنتاج الذي يفيد بأن الذكاء هو أولًا استخدام للمعارف أكثر منه مسألة حساب، أو تفكير. وعليه، يتبع المؤلف منهجية علمية صارمة يتّم بموجبها عرض خطي وتطّوري لتاريخ الذكاء الاصطناعي، وينطلق من “نماذج الحوسبية”، أو ما يعرف باسم “القابلية للحساب” التي ظهرت في ثلاثينيات القرن العشرين الماضي، باعتبارها استجابة لمشكلة عرفت باسم “القابلية للتقرير”، التي تتلخص في التساؤل حول وجود خوارزمية لتحديد ما إذا كانت قضية ما قابلة للإثبات البرهاني في نظام معين. وقد اقترح عالم الرياضيات الإنكليزي آلان تورينغ آلة سميت باسمه، وهي آلة مجردة لهيكلة التفكير، تعد بمثابة نموذج رياضي أساسي للحوسبة الحديثة، وتشمل مكوناتها الأساسية شريطًا لا نهائيًا، ورأسًا للقراءة والكتابة، ومجموعة من القواعد. وبدأت ولادة الذكاء الاصطناعي مع آلة تورينغ التي تشير إلى قدرة الكومبيوتر الرقمي على التصرف بذكاء مثل البشر، وتحولت إلى مصدر إلهام لتطوير تصور معين للذكاء الاصطناعي يتأسس على مفاهيم الحساب واللغة الشكلية. كما أسهمت في تطوره أيضًا نماذج الحوسبية، وعلوم الاصطناعي، التي تشمل علم الأنظمة.
إذًا، تطورت مفاهيم الذكاء الاصطناعي مع تطور الحوسبية، أو القابلية للحساب، والتعلم الآلي الذي ينشط من خلال معالجة البيانات الضخمة، حيث يتتبع المؤلف بالتفصيل مسارات تطور الذكاء الاصطناعي، التي تأثرت بثورة العلوم المعرفية، ودفعتها الحوسبية الرمزية التي تنظر إلى الذكاء على أنه حساب بالرموز يتم من خلال الاصطناعي بقواعد شكلية صريحة، وتجد خلفيتها المرجعية في تراث المنطق الرياضي، مع الارتكاز على ما هو ميكانيكي وتسلسلي ومنطقي. إضافة إلى ما يسميه الترابطية العصبية، التي تربط الذكاء الاصطناعي بالإدراك والسلوك، اللذين ينتجان من تفاعل وحدات حسابية مختلفة مترابطة ومحكومة بقواعد التعلم. وتحكم الترابطية العصبية خلفية نظرية تتعلق بالاتجاه الترابطي العصبي، أي بالخلايا العصبية الشكلية، ويستلهم هذا الاتجاه نموذجه من الكيفية التي يعمل بها دماغ الإنسان، ويتسم بالديناميكية، والعشوائية، والتعقيد، حيث تستند الخلفية النظرية للترابطية العصبية على الفكرة القائلة إن الدماغ صندوق أسود لا يحاول المرء فتحه، وإنما يحاكيه فحسب. ثم عملت التطورات الكبيرة للذكاء الاصطناعي على هزّ اليقينيات التقليدية الأساسية حول المعرفة والواقع، ونسفت عددًا من المعتقدات، ومنظومة المفاهيم الرمزية والمنطقية والوجودية للعقل، الأمر الذي ساهم في تغير المنظور إلى عمل كل من الدماغ والجسم والبيئة.
ثمة علاقة ترابطية بين الذكاء الاصطناعي وكل من الرياضيات والفلسفة. وفي بداية القرن العشرين، شهدت الرياضيات أزمةَ أسس هددت بنيانها، لأن نظرية المجموعات عملت على تمديد العدّ المنتهي إلى ما لا نهاية، وقد اجترح ديفيد هيلبرت برنامجًا يميِّز بين نحو اللغة الشكلية للرياضيات ودلالاتها، الأمر الذي أفضى إلى تراجع الدراسة النقدية لمبادئ البرهنة الرياضية، لصالح إظهار خصائص الرياضيات المنطقية مجردة من كل محتوى تمثيلي، مع إمكان إثبات الحقائق الرياضية بخطوات محدودة.
يندرج تطور الذكاء الاصطناعي في إطار موجة التطور التكنولوجي والرقمي السريعة، التي أفضت إلى إلزام جميع العلوم بإعادة النظر في أطرها المرجعية ومسلماتها وفرضياتها ومفاهيمها. وساهم ذلك في تطويرها وتقدمها، وظهور فروع جديدة تتناول أساسًا قضايا الرقمنة وانعكاسات التكنولوجيا ومآلاتها في مختلف المستويات التي تمس الوجود الإنساني. وعليه، يرتكز البحث على سبر خريطة تشكل الذكاء الاصطناعي وتطوره، من أجل عرض مختلف السياقات العلمية والرياضية والمنطقية والتقنية التي تأثرت بظهوره، وبمختلف تحولاته. وتشمل تلك السياقات أسسه النظرية والتطبيقية، ومفاهيمه وفرضياته، مع التطرق إلى أنواع شبكات التعلم الآلي العميق، وخوارزمياته القادرة على محاكاة تصرف الدماغ البشري، وعرض المعرفة العلمية المفصلة والمدققة، بمفارقاتها وتجاوزاتها، بتفصيلاتها وتقييداتها، باختزالاتها واستطالاتها، ويستوجب شرحها وتوضيحها التوقف عند العلاقات الرياضية والمصفوفات المنطقية.
يطرح المؤلف أسئلة كثيرة تتضمن أفكارًا تستلزم استفهامات كثيرة، مثل ماهية المعرفة، ونوع المعارف التي يراد تمثيلها بالتحديد، وطبيعتها أو قيمتها المنطقية، والكيفية التي يتمّ التوصل من خلالها إلى آلة لهيكلة التفكير، أي آلة تكتب وتقرأ وتحاكي أي شكل من أشكال الفكر البشري التي يتم التعبير عنه بلغة معينة. وتمتد الأسئلة لتطاول كيفية التعامل مع قضايا رياضية ومنطقية، وممكنات التوصل إلى طرائق منهجية عبر إجراءات وخوارزميات يمكنها المساهمة في حل مشكلات عالقة، مثل مشكلة القابلية للتقرير وسوى ذلك.
هنالك صعوبة في قراءة الكتاب وفهم مواضيعه، خاصة بالنسبة إلى القارئ غير المتخصص، الأمر الذي يبرز ضرورة التمكن من شرح الأعمال المؤسسة للذكاء الاصطناعي، وتبسيط محتواها بغية فهمها، والتخلص من صرامة وجفاء المادة العلمية. ولعل الأصعب هي عملية نقلها إلى اللغة العربية، حيث يجد القارئ صعوبة كبيرة في استيعاب وفهم المصطلحات العلمية، وما تشير إليه الدوال، والجداول، والخطاطات، والمعادلات الرياضية، التي تحتاج إلى جهد كبير من أجل تبسيطها، والمحافظة على قيمتها العلمية أيضًا.