تونس ليست بحاجة إلى معجزة. هذه، ربما، هي الفكرة الأكثر واقعية التي يمكن أن ننطلق منها حين نتحدث عن المستقبل…
المعجزات الاقتصادية نادرة، والدول التي تنتظرها كثيراً ما تجد نفسها تنتظر طويلاً. أما الدول التي تبني قدرتها على العمل كل يوم، وتصلح مؤسساتها بالتدريج، وتستثمر في الإنسان والبنية التحتية، وتتعلم كيف تستفيد من موقعها الجغرافي، فهي التي تكتشف بعد عقد أو عقدين أنها قطعت مسافة لم تكن تملك الشجاعة لتقديرها في البداية.
لا توجد عصا سحرية قادرة على تحويل اقتصاد متعب إلى اقتصاد مزدهر، ولا قرار واحد يستطيع أن يعيد بناء الثقة، ولا مشروع واحد، مهما كان ضخماً، يمكنه أن يعوض سنوات من الإصلاح المؤجل. تونس لا تحتاج إلى أن تصبح سنغافورة جديدة، ولا دبي أخرى، ولا كوريا ثانية. تحتاج، ببساطة، إلى أن تصبح أفضل نسخة ممكنة من تونس. وهذا ليس هدفاً متواضعاً كما يبدو، بل ربما يكون أكثر المشاريع طموحاً وواقعية.
فالعالم الذي تدخل إليه تونس اليوم ليس العالم الذي كانت تعرفه قبل عقد. البحر المتوسط نفسه تغير. لم يعد مجرد فضاء للسياحة أو حداً مائياً يفصل الشمال عن الجنوب، بل عاد إلى قلب المنافسة الدولية بوصفه ممراً للطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والأمن والهجرة والاستثمارات. أوروبا تبحث عن جوار أكثر استقراراً، وعن سلاسل إنتاج أقرب، وعن مصادر طاقة أكثر تنوعاً، وعن شركاء يمكن الاعتماد عليهم في عالم أصبحت فيه العولمة أقل بساطة وأكثر تنافساً. وإفريقيا لم تعد هامشاً اقتصادياً، بل تحولت إلى واحدة من أهم ساحات النمو والأسواق المستقبلية. وبين هذين الفضاءين، وعلى حافة المتوسط، تقف تونس.
والسؤال: ماذا يمكن أن تصبح تونس إذا قررت أخيراً أن تتعامل مع هذا الموقع باعتباره أصلاً استراتيجياً ؟
هذه النقلة في التفكير قد تكون أهم من أي خطة اقتصادية جديدة. فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع الثروة. يمكن لدولة أن تقع في قلب أهم طرق التجارة في العالم وتظل فقيرة، ويمكن لدولة أخرى أن تحول موقعاً محدوداً إلى منصة اقتصادية عالمية. الفارق تصنعه المؤسسات.
وهنا تبدأ قصة الصعود التونسي الممكنة، لا تلك التي تحتاج إلى خطاب كبير كي تقنع الناس بوجودها، بل التي تظهر في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى أقل إثارة بكثير من المشاريع العملاقة والشعارات الاقتصادية. تبدأ بميناء يعمل بكفاءة، وبإدارة تمنح الترخيص بسرعة، وبشبكة كهرباء مستقرة، وبجامعة تنتج المهارات التي يحتاجها الاقتصاد، وبشركة تونسية تستطيع أن تصدر إلى أوروبا وإفريقيا من دون أن تتحول الإجراءات إلى متاهة.
قد تبدو هذه التفاصيل مملة مقارنة بالحديث عن “النهضة الاقتصادية”، لكنها في الحقيقة هي النهضة نفسها. الدول لا تصبح قوية لأن حكوماتها تستخدم كلمات كبيرة، بل لأنها تجعل مؤسساتها تعمل بصورة أفضل من العام السابق. الاقتصاد لا ينهض فقط عندما تُعلن الاستثمارات الكبرى، بل عندما يصبح إنشاء شركة أسهل، ونقل البضائع أسرع، والحصول على التمويل أكثر وضوحاً، والعلاقة مع الإدارة أقل كلفة، والقانون أكثر قابلية للتوقع.
في الاقتصاد العالمي الجديد، رأس المال لا يبحث فقط عن اليد العاملة الأقل كلفة. إنه يبحث عن المهارات والاستقرار والقرب من الأسواق والبنية التحتية والقدرة على التنبؤ. وهذه تحديداً عناصر يمكن لتونس أن تنافس بها.
القرب من أوروبا، مثلاً، ليس مجرد امتياز سياحي. إنه ميزة صناعية ولوجستية واستثمارية. تستطيع تونس أن تكون جزءاً من سلاسل الإنتاج الأوروبية بطريقة يصعب على دول بعيدة جغرافياً أن تنافس فيها. ويمكن للصناعة التونسية أن تستفيد من القرب الزمني والجغرافي والثقافي من الأسواق الأوروبية، كما تستطيع الخدمات الرقمية والهندسية والتكنولوجية أن تجد في هذا القرب فرصة تتجاوز بكثير نموذج الاقتصاد منخفض الأجور.
تونس لا تحتاج إلى معجزة بل إلى استمرارية إصلاحات صغيرة تجعل المؤسسات أكثر كفاءة وتحوّل الموقع الجغرافي إلى أصل استراتيجي يفتح أبواب المستقبل
لكن موقع تونس لا ينبغي أن يتحول إلى قفص أوروبي. وهنا تبدأ أهمية النظر جنوباً.
إفريقيا ليست مجرد سوق إضافية للصادرات التونسية، وليست مجرد فضاء ينبغي اكتشافه عندما تضيق الأسواق التقليدية. إنها مجال اقتصادي واستراتيجي يتوسع بسرعة، وتحتاج تونس إلى أن تنظر إليه من موقع الشريك لا من موقع الباحث عن منفذ مؤقت. فخبراتها في التعليم والصحة والخدمات والهندسة والصناعات الغذائية والرقمية يمكن أن تجد أسواقاً وفرصاً جديدة في عدد متزايد من البلدان الإفريقية. يمكن لتونس أن تستفيد من موقعها كبوابة شمالية للمنتجات والاستثمارات والخبرات الإفريقية نحو المتوسط وأوروبا.
وهنا تحديداً يمكن للمتوسط أن يتغير في المخيال الاقتصادي التونسي. بدلاً من أن يكون البحر فاصلاً، يمكن أن يصبح منصة. وبدلاً من أن تكون تونس مجرد دولة تقع على الضفة الجنوبية لأوروبا، يمكنها أن تصبح نقطة وصل بين ضفتين وسوقين وقارتين.
تحويل القصة إلى واقع يحتاج إلى دولة تفكر في الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والرقمنة والتجارة والتعليم باعتبارها أجزاء من إستراتيجية واحدة. فالميناء يكتسب أهميته ميناء من خلال الارتباط بشبكة نقل فعالة. والطريق ليس مجرد إسفلت إذا كان لا يقود إلى منطقة إنتاج. والجامعة مجرد مؤسسة تعليمية إن لم تنتج المهارات التي يحتاجها الاقتصاد. والطاقة المتجددة مجرد ملف بيئي إن لم تصبح جزءاً من موقع تونس في منظومة الطاقة المتوسطية.
بدلاً من انتظار مشروع واحد ينقذ الاقتصاد، يمكن لتونس أن تبني عشرات المشاريع الصغيرة التي تتضخم مع الزمن. وبدلاً من البحث عن قفزة، يمكنها أن تراهن على التراكم. وبدلاً من أن تسأل كل عام: أين المعجزة؟ يمكن أن تسأل: ماذا أصبح أفضل من العام الماضي؟
هذا السؤال البسيط قد يكون أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى. فالدول الناجحة لا تتقدم بالقفزات. كثير منها يتقدم عبر تحسينات صغيرة ومتكررة تصبح، بعد سنوات، تحولاً كبيراً. إدارة أفضل، مدرسة أفضل، شبكة نقل أفضل، ميناء أسرع، نظام رقمي أكثر كفاءة، تشريع أكثر وضوحاً، تدريب مهني أكثر ارتباطاً بالسوق، وطاقة أكثر استقراراً. أية واحدة من هذه الخطوات لا تبدو ثورية بمفردها، لكنها مجتمعة قادرة على تغيير موقع بلد بأكمله.
ولعل تونس تحتاج إلى هذه الفكرة أكثر من أي وقت مضى، لأنها عانت طويلاً من إغراء البداية من الصفر. كل مرحلة سياسية تأتي محملة بفكرة أن ما سبقها يجب أن يُمحى، وكل حكومة تميل إلى تقديم نفسها باعتبارها نقطة انطلاق جديدة. لكن الدول لا تبنى بهذه الطريقة. الدولة الحديثة ليست مشروعاً يبدأ مع كل حكومة وينتهي معها. إنها عملية تراكمية طويلة، حيث تصبح الاستمرارية نفسها جزءاً من رأس المال الوطني.
المستثمر يحتاج إلى معرفة ما ستكون عليه القاعدة بعد خمس سنوات، لا بعد خمسة أشهر. والطالب يحتاج إلى معرفة أن المهارة التي يتعلمها اليوم ستكون مطلوبة غداً. والشركة تحتاج إلى أن تثق بأن الطريق الذي تستثمر فيه لن يتغير اتجاهه مع كل تعديل سياسي. والمواطن يحتاج إلى أن يرى أن الدولة قادرة على التحسن دون أن تضطر إلى هدم نفسها في كل مرة.
الاستقرار الحقيقي ليس ألا يتغير شيء. الاستقرار الحقيقي هو أن تكون قادراً على التغيير من دون أن ينهار كل شيء.
وهذا بالضبط ما يمكن أن يمنح تونس فرصة مختلفة في المتوسط.
أوروبا تحتاج إلى جنوب أكثر استقراراً وإنتاجاً، وتحتاج إلى سلاسل توريد أقرب، وإلى شركاء في الطاقة والتحول الرقمي والصناعة والخدمات. وتونس تحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق. العلاقة هنا لا ينبغي أن تُبنى على منطق المساعدة من طرف والتلقي من طرف آخر، بل على منطق المصلحة المتبادلة.
وبالقدر نفسه، تستطيع تونس أن تطور علاقتها بإفريقيا من علاقة تجارية محدودة إلى إستراتيجية اقتصادية أوسع. فالجنوب ليس فقط مجالاً لتصدير المنتجات، بل فضاء لبناء الشركات والخدمات والشراكات. وإذا نجحت تونس في الجمع بين قربها من أوروبا وعلاقاتها العربية وإمكاناتها الإفريقية وموقعها المتوسطي، ستكتشف أن صغر الحجم ليس بالضرورة نقطة ضعف. بل يمكن أن يصبح ميزة.
النهضة الحقيقية تبدأ من تفاصيل يومية: ميناء يعمل بكفاءة وجامعة تنتج المهارات وشبكة نقل فعالة وقوانين واضحة لتصبح تونس أفضل نسخة من نفسها
الدولة الصغيرة تستطيع، نظرياً، أن تتحرك أسرع، وأن تختبر السياسات بصورة أسرع، وأن تربط قطاعاتها ومؤسساتها بكلفة أقل، وأن تبني اقتصاداً متخصصاً بدلاً من محاولة منافسة الاقتصادات الكبرى في كل المجالات.
لكن الحجم الصغير لا يصبح ميزة إذا كانت الدولة بطيئة. البيروقراطية قادرة على أن تجعل أصغر الدول أثقل من أكبرها.
أهم معارك تونس المقبلة ليست مع البطالة أو التضخم أو الاستثمار أو الدّين، وإنما مع شيء أقل ظهوراً وأكثر عمقاً: سرعة الدولة.
هل تستطيع الدولة أن تتحرك أسرع من المشكلات التي تواجهها؟ هل تستطيع اختصار المسافة بين القرار والتنفيذ؟ هل تستطيع أن تجعل المواطن يشعر بأن الإصلاح يحدث في حياته اليومية، لا في الوثائق والخطب؟ وهل تستطيع أن تمنح المستثمر سبباً للاعتقاد بأن تونس ستكون خلال عشر سنوات أكثر وضوحاً وكفاءة مما هي عليه اليوم؟
هذه الأسئلة أهم من أي شعار عن “النموذج الجديد”. فالتونسي لا يحتاج إلى أن يسمع أن بلاده ستصبح قوة اقتصادية عالمية. يحتاج إلى أن يرى أن الحصول على خدمة أصبح أسهل، وأن إنشاء شركة أصبح أسرع، وأن المدرسة أصبحت أكثر فاعلية، وأن المستشفى يعمل بصورة أفضل، وأن النقل أصبح أكثر انتظاماً، وأن وظيفة جديدة أصبحت ممكنة.
حين يحدث ذلك، يتغير المزاج الاقتصادي.
وهنا تصبح النهضة الاقتصادية الهادئة إستراتيجية لا استعارة. إنها رهان على أن يتحول التقدم من حدث استثنائي إلى عادة، وأن يتحول الإصلاح من حملة مؤقتة إلى نظام عمل، وأن يتحول موقع تونس من جغرافيا إلى اقتصاد، وأن تتحول علاقتها بأوروبا من علاقة جوار إلى شراكة إنتاج، وعلاقتها بإفريقيا من سوق بعيدة إلى مجال نمو، وعلاقتها بالمتوسط من حدود إلى منصة.
قد لا تصنع هذه التحولات صورة درامية لبلد “ينهض من الرماد”. لكنها تؤسس لشيء أكثر أهمية: بلداً لا يحتاج إلى السقوط كي ينهض.
وهنا ينبغي لتونس أن تتخلى عن وهم آخر: أنها مطالبة دائماً باختراع نفسها من جديد. هي لا تحتاج إلى اختراع نفسها. لديها موقع، وتاريخ، ومؤسسات، وكفاءات، وبنية صناعية، وخبرة بشرية، وشبكة علاقات، وقرب استثنائي من أوروبا، وانتماء طبيعي إلى إفريقيا، وإطلالة مباشرة على المتوسط. ما تحتاجه هو أن تجمع هذه العناصر داخل بوتقة واحدة.
تونس لا تحتاج إلى معجزة كي تنهض. تحتاج فقط إلى أن تحوّل موقعها إلى فرصة، وكفاءاتها إلى إنتاج، وإصلاحاتها إلى استمرارية، وعلاقتها بأوروبا وإفريقيا والمتوسط إلى إستراتيجية واحدة. وعندها، لن يكون السؤال: هل تستطيع تونس أن تنهض؟
بل: كيف لم ندرك، طوال هذه السنوات، أن تونس كانت تقف أصلاً في المكان الصحيح؟