إسلام اباد – يفتح تصريح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الذي أكد أن بلاده ستفي بالتزاماتها بموجب «اتفاقية مكة» في حال وقوع أي عدوان، الباب أمام سؤال أكبر من مجرد الموقف السياسي من الهجمات التي تتعرض لها السعودية: هل بدأت اتفاقية مكة للدفاع المشترك تتحول من إعلان للردع إلى مظلة أمنية قابلة للتفعيل؟
التصريح يأتي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الرياض، مع استمرار تعرض الأراضي السعودية لهجمات، وفي ظل انتقال الاتفاق السعودي-التركي-الباكستاني بسرعة من مرحلة التوقيع إلى بناء آلياته السياسية والعسكرية.
لكن العبارة الباكستانية لا تعني بالضرورة أن إسلام آباد قررت دخول الحرب أو إرسال قوات إلى السعودية. فهي قد تكون، في الوقت نفسه، التزاماً سياسياً بالاتفاق، ورسالة ردع للخصوم، وطمأنة للحليف السعودي بأن الاتفاق الذي وقّع في مكة ليس مجرد إطار بروتوكولي.
ووقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس/آب، ونصت بوضوح على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول الأخرى، مع تعزيز مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.
وكانت الصيغة لافتة لأنها تقترب من منطق المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، وإن لم تكن نسخة مطابقة لها. فوزير الخارجية التركي هاكان فيدان أوضح أن الاتفاق يتضمن التزاماً بالدفاع المشترك، لكن طبيعة المساعدة التي يمكن تقديمها تعتمد على ظروف كل أزمة وعلى طلب الدولة التي تتعرض للهجوم.
وهنا تكمن أهمية التصريح الباكستاني الجديد.
فالاتفاق لم يعد مجرد وثيقة وقّعها قادة الدول الثلاث، بل بدأ بالفعل يدخل مرحلة البناء المؤسسي. ففي اجتماع اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول في 31 أغسطس/آب، اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة مقرها السعودية، يرأسها في مرحلتها الأولى أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية والتعاون في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.
بمعنى آخر، يأتي تصريح وزير الدفاع الباكستاني في لحظة انتقال الاتفاق من فكرة للردع إلى محاولة بناء آليات للردع.
هل يعني ذلك دخول الحرب؟
سيكون من الخطأ قراءة التصريح باعتباره إعلاناً عن قرار باكستاني بالمشاركة المباشرة في الحرب.
فالاتفاقية لا تقول إن أي هجوم سيؤدي تلقائياً إلى إرسال قوات باكستانية إلى أراضي الدولة المعتدى عليها، ولا تحدد شكلاً واحداً للرد. وقد تكون الاستجابة عسكرية مباشرة، أو دعماً استخباراتياً ولوجستياً، أو تعزيزاً للدفاعات الجوية، أو مساعدة تقنية، أو أي شكل آخر من أشكال التعاون الذي تراه الدول الثلاث مناسباً للظروف.
السعودية التي تواجه هجمات متكررة تحتاج إلى أن تعرف ما إذا كانت الشراكات الجديدة التي تبنيها قادرة على العمل في وقت الأزمات
وهذا التفصيل مهم بالنسبة إلى باكستان تحديداً.
فإسلام آباد تمتلك جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية متقدمة، إضافة إلى كونها الدولة النووية الوحيدة بين أطراف الاتفاق. لكن ذلك لا يعني استعدادها لخوض حرب إقليمية مفتوحة كلما تعرضت السعودية لهجوم.
ومن هنا يمكن فهم العبارة الباكستانية باعتبارها تركاً متعمداً لمساحة واسعة بين الالتزام السياسي والتدخل العسكري.
ربما يكون الهدف الأكثر إلحاحاً من التصريح هو طمأنة الرياض.
فالسعودية التي تواجه هجمات متكررة تحتاج إلى أن تعرف ما إذا كانت الشراكات الجديدة التي تبنيها قادرة على العمل في وقت الأزمات، وليس فقط في المؤتمرات والاجتماعات.
والقول الباكستاني إن إسلام آباد ستفي بالتزاماتها يرسل رسالة إلى السعودية مفادها أن الاتفاق ليس مجرد إعلان سياسي، وأن أي استهداف لها لن يُنظر إليه باعتباره شأناً سعودياً داخلياً.
وهذا بحد ذاته يمكن أن يؤدي وظيفة الردع.
ففي التحالفات الدفاعية، لا تكون قيمة الالتزام دائماً في استخدام القوة، وإنما في إقناع الخصم بأن استخدام القوة ضد عضو في التحالف قد يفتح مواجهة مع أكثر من دولة.
وبهذا المعنى، قد تكون باكستان بدأت تفعّل «مظلة مكة» حتى من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
هذه النقطة مهمة في قراءة السلوك السعودي.
فالرياض لا تبدو معنية فقط بالحصول على قوات إضافية في حال اندلاع مواجهة واسعة، وإنما ببناء شبكة تجعل تكلفة استهدافها أعلى.
وتوفر اتفاقية مكة لهذا التوجه إطاراً مختلفاً عن التحالفات التقليدية. فهي تجمع السعودية، صاحبة الموقع والثقل الاقتصادي في الخليج، بتركيا صاحبة القدرات العسكرية والصناعية الكبيرة، وباكستان التي تمتلك جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية ونووية.
وفي اجتماع إسطنبول الأخير، لم يقتصر التعاون على الدفاع المشترك، بل شمل أيضاً تعزيز قابلية التشغيل البيني للقوات وتطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.
لذلك فإن قيمة الاتفاق قد تظهر على المدى المتوسط أكثر مما تظهر في معركة واحدة.
مع ذلك، فإن الهجمات التي تتعرض لها السعودية تضع الاتفاق أمام أول اختبار حقيقي.
فإذا بقيت الاستجابة في حدود البيانات والتصريحات، فقد يظل الاتفاق إطاراً سياسياً للردع. أما إذا تطورت الهجمات إلى مستوى تعتبره الرياض عدواناً يستوجب تفعيل الاتفاق، فسيكون على الدول الثلاث الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: ما الذي تعنيه عملياً عبارة «الهجوم على أحدنا هجوم علينا جميعاً»؟
وهنا تحديداً ستظهر قيمة الاتفاق أو حدوده.
هل سترسل باكستان قوات؟ هل ستنشر مقاتلات أو منظومات دفاع جوي؟ هل ستوفر دعماً استخباراتياً ولوجستياً؟ هل ستشارك تركيا أيضاً في إجراءات عسكرية مباشرة؟ أم أن الدول الثلاث ستعتبر أن تعزيز الدفاعات والتنسيق العسكري كافيان للوفاء بالالتزام؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية تسمح باختيار أحد هذه السيناريوهات، وهو ما يجعل تصريح وزير الدفاع الباكستاني مهماً من دون أن يكون إعلاناً عن حرب.