المقال رسالةٌ إلى “المنتصرين” و”المنهزمين” في الحروب الإلهيّة على لبنان، وخصوصًا إلى إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة، وإلى “حزب الله” وحلفائه في الداخل، وكلّ مَن يمعن في توريط لبنان في نصرٍ مسمومٍ وموهوم، ويسكت عنه. ما أكثر الساكتين!
يحقّ للشاهد أنْ يشهد، أيًّا تكن حدود القسوة التي يشهد بها؛ هي القسوة النبيلة التي تريد حيادًا وتحييدًا، وإنقاذًا للمركب اللبنانيّ بمَن فيه، ولا تبتغي مصلحةً، ولا تضمر شرًّا، ولا تؤلّب فريقًا على فريق، ولا تنحاز إلى جهةٍ أو عصبيّة.
لبنان في خطرٍ جسيم، ولن ينجو هذه المرّة، ما دامت المقامرة الماجنة مستمرّة على هذا النحو القياميّ الماجن.
وأشهد: يا مَن تواصلون في الخارج ومن الداخل، توريط لبنان في “النصر” و”الهزيمة”، إنّما تنتمون إلى الشيطان، لأنّه “إله” زبانية الموت والقتل والشرّ والانتحار والتبعيّة والمال والسلاح والطوائف والمذاهب والظلاميّات.
مبروكٌ لكم “النصر” و”الهزيمة. لبنان لا يريد المشاركة في “الحفلة”، ولا أنْ يكون وقودًا في حرب، أيّ حرب، وكلّ حرب. فلم يعد جائزًا أنْ يظلّ يُستدرَج إلى حروبكم، ويبقى رهينةً في لعبتكم، ولا في لعبة الأمم.
الآن، فورًا، ومن دون إبطاء، مطلوبٌ إخراج لبنان من هذا “النصر” المثير للشفقة، بتحييده من الخارج وفي الداخل.
مَن يزغرد للموت، فليزغرد له خارج لبنان. ومَن يظنّ نفسه منتصرًا، هو مهزومٌ مطلقًا. لا انتصار بالدم، ولا فوز بالخراب.
وحده الخروج من المحاور التي تجعل لبنان وأهله وقودًا لمحرقةٍ جماعيّة، ينقذ البلاد. وعلى كلّ من يعنيه لبنان حقًّا، بدءًا من الدولة (وأهلها)، أنْ يدرك أنّ ساعة الإنقاذ بتحييد لبنان هي الآن.
فلينتهِ زمن إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة والسلاح وتأجيج التبعيّات والمذاهب والطوائف بعضها ضدّ بعض في لبنان.
لم يعد لبنان يريد أنْ يكون حقل تجارب لأحد، وصندوق بريد للرسائل الإقليميّة والدوليّة، وساحةً لتصفية الحسابات بين القوى والدول والمحاور. لبنان يجب ألّا يبقى متراسًا ولا خندقًا ولا ساحةً ولا ورقةً على طاولة المقامرين بمصائر الشعوب.
لِمَن يعنيه لبنان، أنْ ينظر في عيون الموتى والقتلى والشهداء، وفي الأراضي الثكلى، والبيوت الثكلى، والكتب الثكلى، وفي تأوّهات الحجر ودموع الشجر، وأولئك الذين أنهكتهم الخسارات والخيبات والهجرات والمنافي والأراضي اليباب. ما عدنا نتحمّل مزيدًا من الحروب والبطولات العبثيّة والانتحاريّة، ولا مزيدًا من “الانتصارات” و”الهزائم” التي تتغذّى من دمائنا وأعمارنا وأرزاقنا وأبنائنا. لقد دفعنا أكثر ممّا ينبغي لأيّ شعبٍ أنْ يدفع. دفعنا من حياتنا وأحلامنا ومستقبل أولادنا، فيما لم يتوقّف الوحوش والمسوخ وغربان الآلهة والإيديولوجيات والمحاور والاصطفافات والعصبيّات عن اقتسام الخراب وتوزيع الهزائم على الناس باعتبارها انتصارات.
كلّنا مهزومون. وإنّما هي دعوةٌ إلى الشجاعة. فالشجاعة ليست في الانتحار وتمجيد السلاح؛ هي شجاعة الاعتراف بأنّ أحدًا لا يملك لبنان، وبأنّ أحدًا لا يحقّ له أنْ يأخذه رهينةً لمشروعه أو لعقيدته أو لرهاناته.
وإنّي، بنبرةٍ قاسيةٍ غير مسبوقة، أدعو رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والحكومة ورئيس مجلس النوّاب والنوّاب إلى التقدّم من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدوليّ بطلب تحييد لبنان، وإنْ اقتضى الأمر فصلًا سابعًا، ووضعه تحت اليد الدوليّة موقّتًا.
وأقول لـ”المنتصرين” في لبنان، كما في واشنطن وتل أبيب وطهران، أنتم تهزمون لبنان والدولة ونحن. فلن يبقى لكم ولأحدٍ سوى أرضٍ يباب، وأحلامٍ مبقورة، ومقابرَ فاغرة، على مدى الهلوسات، و”مدّ عيونكم والنظر”.
يكفي تحويل لبنان عاهرةً للمتعة الشرعيّة مع الجحيم.
سوى الدولة ليس لكم ولنا. حيِّدوا لبنان قبل فوات الأوان!
