
في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كنت أشارك في مؤتمر دولي في مسقط حول أحوال المنطقة وتحولاتها. كان الحضور مكتمل النصاب تقريبًا: خليجيًا ومشرقيًا، وصولًا إلى تركيا وإيران، إلى الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا. يومها، بدا كأنّ نقاشًا إقليميًا واسعًا قد حُسم بالفعل. لم يكن السؤال المطروح بين كثيرين ما إذا كان السلام مع إسرائيل سيحدث أم لا، بل متى سيحدث، وبأي صيغة، وتحت أي رعاية دولية وإقليمية.
كان الانطباع السائد آنذاك أنّ المنطقة تتجه تدريجيًا نحو إعادة ترتيب كبرى: اندماج اقتصادي، تحالفات أمنية جديدة، ممرات تجارية، وربما تطبيع أوسع تقوده الولايات المتحدة وتشارك فيه دول عربية وإسلامية أساسية.
لكن بعد أيام فقط، وقع السابع من أكتوبر، وتبدّل كل شيء.
من “عقيدة الضاحية” إلى “عقيدة الركام”
تدحرج الرد الإسرائيلي إلى حربٍ مفتوحة تحوّلت، في نظر جزء كبير من العالم، إلى فعل إبادة واسع في غزة، وإلى نقطة تحوّل كبرى في نظرة شعوب ودول كثيرة إلى إسرائيل وإلى فكرة “السلام الإقليمي” نفسها.
تبدّلت العقيدة الإسرائيلية تدريجيًا من “عقيدة الضاحية” إلى ما يمكن تسميته “عقيدة الركام”. لم يعد الدمار نتيجة جانبية للحرب، بل صار جزءًا من العقيدة نفسها. لم تعد الغاية فقط ردع الخصم عسكريًا، بل إعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها عبر التدمير الواسع للبنية التحتية، وخلق المناطق العازلة، ومنع العودة، وتحويل المدن والقرى إلى أنقاض. بدأ ذلك بوضوح في غزة، ثم امتد إلى جنوب لبنان، وظهر بدرجات مختلفة حتى في المواجهة مع إيران.
ولم تبقَ تداعيات هذا التحوّل محصورة في الميدان العسكري. فإسرائيل دخلت للمرة الأولى منذ عقود في مواجهة قانونية وقضائية وإعلامية عالمية واسعة، فيما تحوّلت صور المجاعة والقتل والدمار في غزة إلى عنصر دائم في تشكيل الرأي العام العالمي. وحتى في الولايات المتحدة، الركيزة الأساسية للدعم الغربي لإسرائيل، بدأت تظهر تحولات غير مسبوقة داخل الأجيال الشابة والجامعات وقطاعات واسعة من الرأي العام، حيث ارتفعت مستويات التعاطف مع الفلسطينيين وتراجعت قدرة الرواية الإسرائيلية التقليدية على احتكار السردية العامة.
هذه التحولات لم تبقَ أخلاقية أو إعلامية فقط، بل غيّرت البيئة السياسية التي كانت تسمح أصلًا بالحديث عن سلام إقليمي واسع.
إحياء المبادرة العربية من بوابة الحرب
في عامي 2023 و2024، عقدت في المملكة العربية السعودية قمّتان عربيتان-إسلاميتان خرجتا بموقف مختلف تمامًا عن المناخ الذي سبق الحرب. فقد أكّد البيان الختامي أنّه لا مسار حقيقيًا للسلام والاستقرار من دون ضمان مسارٍ لا عودة عنه نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
ثم تشكّلت لجنة وزارية عربية-إسلامية مشتركة ضمّت السعودية ومصر والأردن وقطر وتركيا وإندونيسيا ونيجيريا وفلسطين، إضافة إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. وتحركت هذه اللجنة في جولات دبلوماسية واسعة شملت بكين وموسكو وباريس ولندن ومدريد وبروكسل وواشنطن ونيويورك، في محاولة لحشد دعم دولي لوقف الحرب وإحياء مسار حل الدولتين.
كما أظهرت تصويتات الجمعية العامة للأمم المتحدة عزلة متزايدة للموقف الإسرائيلي، وتأييدًا واسعًا لفكرة وقف الحرب وإحياء مسار حل الدولتين.
أتذكّر هنا ما قاله لي صحافي خليجي بارز بعد أشهر من الحرب:
“أخطأنا حين لم نتمسك بما يكفي بالمبادرة العربية التي طرحها الملك عبد الله بن عبد العزيز في العام 2002 حين كان وليًا للعهد وأميرًا. اليوم، وبعد كل ما حدث، لا يجب أن تتراجع الدول العربية الأساسية عن مطلب إقامة دولة فلسطينية مهما تصاعدت الضغوط”.
اتفاقات أبراهام: مشروع وُلد في زمن مختلف
بالأمس، عاد دونالد ترامب ليدعو الدول المنخرطة في أي تسوية مع إيران إلى الانضمام إلى اتفاقات أبراهام. لكن هذا الطرح يبدو اليوم أكثر تعقيدًا بكثير مما يتصوره ترامب، بل ربما يصعب تحقيقه أصلًا.
ذلك أنّ ترامب يتعامل مع اتفاقات أبراهام وكأنّ الظروف التي سمحت بولادتها ما زالت قائمة، بينما الواقع الإقليمي تغيّر بصورة جذرية بعد غزة ثم بعد الحرب مع إيران.
فعندما وُقّعت الاتفاقات الأولى، كان هناك اعتقاد واسع بأنّ إسرائيل تتحوّل إلى مركز استقرار إقليمي، وأنَّ الاندماج معها قد يفتح أبواب التكنولوجيا والاستثمارات والحماية الأميركية وإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي. يومها، أمكن تسويق التطبيع باعتباره جزءًا من مشروع “ازدهار” لا مشروع صراع.
أما اليوم، فالصورة مختلفة تمامًا.
إسرائيل التي كانت تُقدَّم كمدخل للاستقرار أصبحت، في نظر كثير من دول المنطقة وشعوبها، جزءًا من مصدر عدم الاستقرار نفسه، بل ومصدر تهديد محتمل لتوازنات الإقليم بأكمله. فالحرب على غزة، والدمار الهائل، وصور المجاعة والقتل، ثم توسّع المواجهات إلى لبنان واليمن وإيران، جعلت أي انخراط جديد في اتفاقات أبراهام أكثر كلفة سياسيًا وأخلاقيًا وحتى أمنيًا.
لماذا لن تنضم السعودية وقطر وتركيا وباكستان بسهولة؟
السعودية مثلًا لم تعد تنظر إلى المسألة من زاوية العلاقة الثنائية مع واشنطن فقط. فالرياض تحاول منذ سنوات بناء توازنات أوسع: انفتاح على الصين، تهدئة مع إيران، تنويع للشراكات الدولية، ورؤية اقتصادية ضخمة تحتاج إلى استقرار طويل لا إلى انفجارات إقليمية متتالية. ولذلك يصعب تخيّل أن تدخل المملكة في تطبيع واسع فيما لا تزال غزة مدمّرة، وفيما لا يوجد أي أفق جدي وملزم لإقامة دولة فلسطينية.
ثم إنَّ السعودية لا تنظر إلى نفسها أصلًا كدولة تحتاج إلى إعادة تعريف موقعها الإقليمي عبر إسرائيل. فهي دولة بحجم قارة، مهد الإسلام، وإحدى أكبر القوى الطاقوية في العالم. ولذلك فإنّ السؤال المطروح داخل أجزاء من النخبة الخليجية اليوم ليس ماذا يمكن أن تربح السعودية من السلام مع إسرائيل، بل ما الذي تضيفه إسرائيل فعليًا إلى المكانة الاستراتيجية السعودية؟
فإسرائيل، وفق هذا المنطق، ليست مركز الثقل الذي ينبغي أن تدور المنطقة حوله، بل شريك وظيفي محدود في بعض مجالات الأمن أو التكنولوجيا. أما الفكرة القائلة إنّ على كل دولة عربية أن تدخل في فلك إسرائيل، فهي تبدو لكثيرين أقرب إلى تصوّر إسرائيلي متضخم للذات منها إلى حقيقة جيوسياسية فعلية.
بل إنّ الحرب نفسها أعادت إحياء المبادرة العربية لعام 2002 بدلاً من دفنها. فبعد سنوات من الاعتقاد أنّ القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها أو تأجيلها، عادت معظم الدول العربية الأساسية لتقول العكس تمامًا: لا استقرار دائمًا من دون حل فلسطيني واضح ونهائي.
الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على دول أخرى يريد ترامب ضمّها إلى الاتفاقات.
قطر، من جهتها، بنت جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي على قدرتها على التحرك بين المحاور لا داخل محور واحد. فمنذ سنوات، لعبت الدوحة دور الوسيط القادر على التحدث مع الجميع في آن واحد: الولايات المتحدة، إيران، حماس، طالبان، والقوى الغربية المختلفة. وهذه القدرة على التحرك بين الخصوم ليست تفصيلًا في السياسة القطرية، بل جزء من فلسفة الدور الذي تحاول تكريسه لنفسها داخل الإقليم.
ولهذا، فإنّ الانخراط في اتفاقات أبراهام بالصورة التي يطرحها ترامب لا يبدو بالنسبة إلى قطر مجرد خطوة دبلوماسية عادية، بل احتمال انتقال من موقع “الوسيط” إلى موقع “الطرف” داخل محور إقليمي صلب تقوده واشنطن وتل أبيب. وهذا تحديدًا ما قد يهدد مصدر القوة القطرية نفسه، أي قدرتها على لعب أدوار الوساطة والتفاوض وفتح القنوات مع الجميع في لحظات الانفجار الإقليمي.
أما تركيا، فهي لا ترى نفسها دولة تُستدعى للانضمام إلى محور جاهز تقوده واشنطن وتل أبيب، بل قوة إقليمية كبرى تريد المشاركة في رسم توازنات المنطقة وممراتها الاقتصادية والأمنية. ولهذا تنظر بعين الريبة إلى أي ترتيبات تشعر أنّ هدفها الفعلي هو تطويق دورها أو تجاوزه. وليس تفصيلًا هنا أنّ الخطاب التركي الرسمي نفسه ازداد حدّة بعد غزة والحرب مع إيران، إذ دعا أردوغان إلى محاسبة نتنياهو على “جرائمه”، فيما اتهمت أنقرة الحكومة الإسرائيلية بتقويض فرص التهدئة والاستقرار في المنطقة.
وفي حالة باكستان، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد موقف داخلي أو ديني. فإسرائيل تُعدّ أحد أبرز الشركاء العسكريين والاستراتيجيين للهند، الخصم التاريخي لباكستان ومنافسها النووي والإقليمي. ولذلك فإنّ أي انخراط باكستاني في اتفاقات أبراهام قد يُفهم داخليًا كقبول ضمني ببنية إقليمية تميل أصلًا إلى خصمها الرئيسي، في وقت تواجه فيه البلاد أوضاعًا سياسية واقتصادية وأمنية هشّة.
ليست المشكلة التطبيع فقط… بل شكل الشرق الأوسط الجديد
ثم هناك مسألة أكثر أهمية ربما: هذه الدول لا ترى أنّ إسرائيل قدّمت حتى الآن ما يشجّع على الاعتقاد بأنها مستعدة فعلًا لتسوية تاريخية متوازنة. بالعكس، فإنّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصًا حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، بدت أقرب إلى منطق القوة المطلقة منها إلى منطق التسويات الكبرى.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية.
فجزء من التفكير الأميركي الحالي يقوم على فرضية أنّ إضعاف إيران وحلفائها، واستمرار الضغط العسكري على غزة ولبنان، قد يفتح الطريق أمام توسيع اتفاقات أبراهام وفرض نظام إقليمي جديد تحت مظلة أميركية-إسرائيلية.
لكنّ الحرب التي كان يُفترض أن تُسهّل التطبيع ساهمت فعليًا في تعقيده، لأنّ غزة ولبنان لم يعودا يُنظر إليهما كجبهات أمنية منفصلة، بل كجزء من صورة أشمل ترتبط بمشاريع التوسع والاستيطان وإعادة رسم الخرائط بالقوة. وهذا ما يفسّر لماذا عاد الحديث عربيًا وإسلاميًا ودوليًا عن الدولة الفلسطينية، لا باعتبارها تفصيلًا تفاوضيًا، بل شرطًا ضروريًا لأي استقرار طويل الأمد.
إعادة تفعيل لحظة انتهت
ترامب يحاول تسويق اتفاقات أبراهام باعتبارها جائزة تُمنح لإسرائيل بعد الحرب، بينما ترى دول كثيرة في المنطقة أنّ الحرب نفسها أثبتت حدود القوة الإسرائيلية وحدود القدرة الأميركية على فرض نظام إقليمي جديد بالقوة وحدها.
فالمنطقة بعد غزة والحرب مع إيران لم تعد تشبه المنطقة التي سبقتها. لم تعد الأولوية فقط للاندماج الاقتصادي أو للتحالفات الأمنية التقليدية، بل لإعادة بناء توازنات تمنع الانفجار الشامل وتخفّف احتمالات الحروب الكبرى.
وربما لهذا السبب تحديدًا، يبدو ترامب وكأنه يحاول إعادة تفعيل لحظة سياسية انتهت بالفعل.
فالمشكلة ليست فقط في رفض هذه الدول للتطبيع الآن، بل في أنَّ الحروب الأخيرة أعادت طرح سؤال أعمق بكثير: أي شرق أوسط يُراد بناؤه؟ شرق أوسط يقوم على هيمنة طرف واحد تحت الحماية الأميركية، أم شرق أوسط يقوم على توازنات جديدة تمنع الهيمنة أيًا كان مصدرها؟