نوار جبور- كاتب وباحث سوري… موقع درج
نحن لا نفهم العري إلا كاقتناء. اقتناء لشيء لا نريد أن نراه، نضع لفظاً لغوياً نفترض أنه يخص الجسد. عري امرأة داخل بلد فيه آلاف النازحين، واحتلال إبادي يضربه، وانفجار مرفأ منذ أعوام دمّر اقتصاد البلاد، وفساد في كل شيء، وحرب. أليست كل الكلمات الدالّة على الفساد والخراب أقلّ قدرةً من تجسّد العري نفسه؟
في اللاذقية، كانت لي تجربة مع سيدة فاقدة لتوازنها النفسي أو “مجنونة” كما كنا نقول، أو سموها ما شئتم، اسمها هيام، مشهورة جداً في مدينتي، حتى لديها مقاطع يوتيوب تشتم وتسبّ. حين كنت صغيراً في السادسة من العمر، أي في نحو عام 1994، وما إن أيقنت عمتي وأمي أنني أملك قدمين صالحتين لتجاوز الدرج، والوصول إلى الشارع ثم النظر يميناً وشمالاً لأقطعه، وأنا ابن الحي الذي قد يرعاني في قطع الطرق والوصول، حتى بدأت المهمات تنهال علي، الى حدّ كنت ناقلاً للطعام إلى أبي وعمي الياس من بيتنا إلى متجرنا. عمتي، في إحدى المرات، وضّبت كيساً فيه سندويشتان من الجبنة والخيار لأبي. وما إن أمسكت به لأنزل، حتى أوقفتني وقالت لي: أعطِ هذه السندويشة الإضافية لهيام.
هيام كانت آنذاك امرأة مقيّدة بحبال في الزقاق الخلفي لبيتنا، قيدها رجال ليمزحوا معها ويستمعون لصراخها وشتائمها. كانت تشتم الله والأنبياء والنسوة والرجال والأرض كلها بأفظع الشتائم. لا أعرف إلى اليوم كيف أرسلتني عمتي إليها. لكن هنا حصل لي أن أتعلم من الأضعف والأكثر بؤساً، نزلت عمتي إحدى عشرة درجة، إلى النافذة المطلة على الحارة الداخلية وصرخت قائلة:
اتركوها. تركوها فوراً، وأشارت لي لأنزل إليها، واستمرت هيام بالشتيمة والصراخ. سارعت بالنزول لأنني أثق بعمتي مثل أمي؛ فهي ربتني. ومضيت إليها مرعوباً. كنت في السابعة من عمري، فقلت لها: هي من عمتي يا عمتي.
ناديتها عمتي. سألتني:
مين عمتك؟
قلت لها:
وداد.
قالت لي:
سلّم عليها.
رأيت في عينيها كل شيء. أنا مدين لعينَي هيام. نظرت إليّ بدفقة حب هائلة، كانت متعرقة وغاضبة، ونظرت إلي بعطف وقضمت السندويشة بحسرة، كان شعري أشقر، ووجهي يشبه وجوه الأطفال البلهاء لأنني كنت أصمت أحياناً. أبي كان صراخه مدوياً، وكفّه أيضاً، فكنت أميل الى الصمت والتأمل. ثم جاء أخي الى الحياة وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وعقله سيبقى الى الأبد عقل طفل في عمر الستة شهور، من هيام وأخي عرفتُ كيف أتامل الوجوه أكثر وهي باكية، وصامتة وغريبة ولا تنتمي الى عالمنا.
كان اللقاء الأول لي مع هيام مليئاً بما أحب، الدموع القاسية التي تظهر عليها ولا تعرف مصدرها، ورائحة لم أتوقع أن أحبها. رائحة الجسد العميق الارتباط بنهايات الأشياء، نهاية قشرة التفاح الحامضة، والمذاق الحامض للكرز، والمذاق المقبول جداً لقشرة موزة. إنها رائحة غريبة جداً. لكنني أحبها. عمتي هيام حامضة.
كبرت في العمر، وبقيت أقول لهيام: عمتي.
كانت هيام، في وقت سابق، تعمل في بيتنا، قبل أن تفقد عقلها وعائلتها لسبب لا يمكن معرفته. كانت شرسة، وتشتم بطريقة وضيعة. تشتم الأنبياء، والله، والكتب السماوية، وحافظ الأسد. كانت تشتم حافظ وأنيسة. ومنذ بداية عام ألفين، بدأت هيام تركز على الأب والابن في متتاليات غنائية، متتاليات لا يمكن فهمها أحياناً أنها شتائم فظيعة.
كانت هيام الخوف الفاقد لخوفه في المدينة، الخوف الذي لا يملك جسداً، الحادّة كصوفي يبحث عن إله في عالم الواقع ولا يراه، ويملك صلاته الدفينة الخاصة، كأن يحاول الأكل من أي مطعم وهي تطلب كسرة خبز، أو الشحاذة ممن تتأمل في أعينهم خيراً، أو من تغني لهم أغنية ويعطونها أجرها، أو من التحنن. كانت تشتم حافظ الأسد فيما كانت الأنفس تخاف التفكير فيه، أو التفكير بابنه وبقسوتهم.
إنها ليست موضوع شفقة أبداً، بقدر ما كانت صوتاً جنونياً مكثفاً لنا كلنا. لم أتعلم شيئاً من الكتابة إلا من امرأة مستعرية مجنونة اسمها هيام، ومن نظرتها. لا المدرسة، ولا الأب، ولا التمثال، ولا السلطة. نظرة هيام المكسورة، المفكوكة من الربط، أعطتني أقسى وأول معرفة قاسية للحنان.
كل انضباط أراده حافظ الأسد كان وهماً مع هيام. هيام كانت أقوى منه، ومنا، ومن الذين يهربون منها خفية وهم يضحكون. كانت هيام تختصر حياتنا ضحكاً وخوفاً وعبودية نعرفها من مشهد واحد لها. كانت تشتم الأطفال وتكرههم لأنهم يضربونها، وهي نفسها قد تضرب طفلاً بشكل وحشي إن أمسكته. ما إن تشتم حافظ الأسد حتى تركض الناس بطريقة هائلة وفزعة منها، وتبتسم سراً. تمثال حافظ الأسد في اللاذقية لائق جداً: عالٍ، ويملك تفاهة ظهور فظيعة، وأمامه بحيرة مهترئة. كل عام تحاول لجنة من المحافظة إصلاحها، فيملأونها بالماء من دون إصلاح أو تنظيف، فتخرج منها رائحة عفن وطحالب مُنفرة، كان حافظ الأسد تمثالاً ذا رائحة سيئة.
هل هو أمر مهم أن نسأل أين تستحمّ هيام؟
أمام حافظ الأسد وتمثاله. كانت تنزل في البركة الطولية الممتدة، وتتعرّى تماماً، وتغني لأعضائها التناسلية والجسدية، وتشطف نفسها، وتنظر إلى حافظ، وتدعوه إلى الجنون وممارسة الفظائع أمامه. كان عري هيام فظيعاً، لأن صوتها لا يهدأ في الصراخ والشتم، فتُضطر لتشاهدها. كُنت أبكي أو أدفن وجهي، لا أستطيع أن أنده لها أبداً، في إحدى المرات وصلت دورية أمن لاعتقالها فسارعت بلحمة وعجين وقلت لها: خلصي الحمام تبعك أجا الأمن…. أخدت اللحم بعجين وأخذها الأمن واختفت هيام، واختفى الماء من البحيرة المُعفنة. تخرج هيام بعد فترة، بشعر حليق، وبسير هادئ، ولم يمر أسبوع حتى عادت الى التعري وتركت حمامها المشوّق أمام حافظ الأسد لتستحم بقرب أي حنفية ماء عمومية، يضع الناس في سوريا ماء (سبيل)، في الشوارع، كانت هيام تغتسل بالماء المخصوص عن روح مرحوم ما، وكان أهل المرحوم يجنون ويدفعونها الى الذهاب، وكانت هيام تصرخ بكل بساطة: “اتركوني اتحمم عم ادعيلوا الله يغمقلوا”.
كانت هيام تستحم عارية وتغني بقرب حنفية ماء في بناء وسط شارع الثامن من آذار/ مارس، ترجيتها أن تتوقف، الناس تلتمّ حولها، اشتريت مفرش طاولة من مقهى وغطيتها بجسدي وأنا أفتح المفرش لأغطيها وأدير وجهي، وبكيت، حينها وعدتني هيام أن تستحم في خُربة لا في الشارع. من الصعب العمل على عُري هيام، كُنت أناديها عمتي والعالم تنظر إلي باشمئزاز لكنني كُنت أحبها. كانت تصرخ لي: عمتي بدي تبولة، التبولة التي كنت أحضرها لها تساوي عالماً كاملاً بالنسبة إلينا، كانت تحب القريشة والبصل والبندورة، كانت لطيفة جداً حينما تأكل. ماتت هيام والكل في اللاذقية سيتذكر أنها الوحيدة التي شتمت الأسد الأب والابن، فيما كنا نرى عريها ولا نفهمه أبداً. عري هيام كان عُرينا نحن، كبتنا الجنسي، وصوتها كان صوت القمع الذي يعلق فينا ونخاف منه، كانت هيام تصرخ كل يوم، تشتم، فتُؤخذ إلى فروع الأمن حيث تُضرَب. كانوا يُلبسونها بلوزة كُتب عليها: “منحبك بشار”، لكنها كانت تشتمه أكثر، وتتعرّض للضرب مرة بعد مرة. لم تُقتل هيام، بل ماتت وهي بكامل حريتها، من دون أن تقبل شيئاً من الصمت. أن تستحم عارياً أكثر حرية أحياناً من أناس بعقول تخاف وتتوسط في الثياب لكي تبدو أكثر صمتاً.
ضُربت امرأة عارية في بيروت، لا أعرف لماذا أتذكر هيام. ربما لأنني لم أرَ وجه المرأة التي ضُربت هناك، ولا أعرف ماذا كان يمكن أن أتعلّم من نظرة عينيها، أنا أعرف هيام، أعرف قوتها، وصدقها، وبراءتها حين تأكل. لم أرَ وجه الفتاة في بيروت، رأيتها تُصفع من رجل بقسوة، ما أبشع كلمة عري حين تتداولها الألسن من دون أن نعرف شيئاً عن السيرة، عن آخر اتصال لها، حتى عن أقرب قريبة أو قريب لها، نحن لا نعرف صوتها، ولا كيف تأكل، أو ماذا أكلت، حتى تغبيش الصورة من أجل طهارة الجسد الأخلاقية الساذجة حوّلها الى علامة لفتاة عارية فقط.
لم أرَ وجهها، ولهذا صار جسدها وحيداً أكثر، أودّ لو رأيت وجهها، الوجه هو الصورة الوحيدة التي تمنعنا من تحويل الإنسان إلى شيء، ما إن يغيب النظر إلى الوجه، حتى يسهل أن نقول: عارية، مجنونة، فضيحة، فاحشة. الوجه كان سيجبرنا على التردد قليلاً، على أن نسأل أكثر: من هي؟ من أين جاءت؟ ماذا حدث لها قبل أن تصل إلى الشط؟ أي خراب في الداخل أو أي صحوة؟
امرأة عارية على كورنيش بيروت كشفت أدنى مستوى من الرحمة لدى رجل واحد، هي لا تقوم أمامه بأي فعل أو صوت. حتى حين صفعها بعنف لم تكن مثل عمتي هيام. لم تدافع عن نفسها، ولا نعرف أين هي الآن، الفيديو أبقى الصفعة ليؤكد لنا فقط مقدار قلة تفهمنا، وديننا، ومحبتنا، وبدائية تفكيرنا. أبقى الجسد لحظة انكشافه العنيف والمستسلم، ومحا الاسم، والوجه، والطرق التي أوصلتها إلى هناك. عارية، الكلمة محَت السيرة كلها. والإنسان، حين تُمحى سيرته أو لا يمنح قدرة على القول، يصير أسهل للضرب، وأسهل للتداول، وأسهل للنسيان.
الجسد ليس قطعة من الإنسان، ولا حتى جزءاً منفصلاً عنه. الإنسان هو جسده أيضاً، لأنه يظهر في العالم من خلاله. انكشاف تلك المرأة ليس عرضاً لجسدها، لأن الأمر أوضح وأقسى من العرض. لقد فقدت أي توسط للظهور. لم يبقَ بينها وبين العالم ثوب، أو لغة، أو وجه، أو صوت، أو حكاية. صار الجسد هو السرد الوحيد لنا ولها، والأهم لها. كأنها لم تكن تقول شيئاً، ومع ذلك كان جسدها يقول كل شيء: إن الإنسان قد يصل إلى لحظة لا يعود فيها قادراً على ترتيب نفسه أمام الآخرين، ولا على اختيار الطريقة التي يُرى بها. وهي لم تختر البحر لتخدش الحياء، البحر كان أقرب إليها لأنه سيعطيها المدى لتنظر من دون أي حاجز.
هناك حزن بارد ودفين في داخلنا، على الأشياء التي تظهر للحظة ثم تختفي. امرأة ظهرت على الكورنيش، ثم لم نعرف أين ذهبت، بقيت الصفعة، وبقيت كلمة عارية، وبقي الغبش على الجسد، لكن الكائن نفسه مر مثل شيء عابر وحزين وخاطف لم يستطع أحد أن يمسكه برحمة. العري ليس فضيحة، بل لحظة زائلة بسيطة، كان يجب أن توقظ الرقة، لا العنف.
الكلمة أحياناً، تأتي مبكرة أكثر من اللازم، الأخلاق السطحية تأتي مبكرة، والشتيمة تأتي مبكرة، والصفعة تأتي مبكرة. أما الرؤية فتتأخر. أن ترى إنساناً كما هو، قبل أن تحكم عليه، يحتاج إلى هدوء لا تملكه المدن الخائفة، والتي بالكاد تكون مدناً. نحن نحب الجسد حين يكون مرتباً، جاهزاً للصورة، بلا ارتباك، أو بارتباك نحاول أن نُسيطر عليه، صالحاً للرغبة أو الرغبة الدفينة. أما الجسد المكسور، المتعب، الخارج من نظامه، فلا نعرف ماذا نفعل به، فالأسهل أن يُضرب. نسميه فضيحة أو عري، كي لا نعترف أنه يحمل أثراً من حياتنا كلنا، ما أسهل اليد القوية على الضعيف.
نحن لا نفهم العري إلا كاقتناء. اقتناء لشيء لا نريد أن نراه، نضع لفظاً لغوياً نفترض أنه يخص الجسد. عري امرأة داخل بلد فيه آلاف النازحين، واحتلال إبادي يضربه، وانفجار مرفأ منذ أعوام دمّر اقتصاد البلاد، وفساد في كل شيء، وحرب. أليست كل الكلمات الدالّة على الفساد والخراب أقلّ قدرةً من تجسّد العري نفسه؟