نوار جبور- كاتب وباحث سوري.. موقع درج
اختصرت بتول مكانها الجديد بكلمة من حقل الخبرة الدينية: “مهاجرة”، هذه الكلمة لا تحدّد مكاناً،بل تنقل الحكاية من سؤال الاختفاء والخطف إلى حقل المقدس، الذي يسحب السياق الأمني من المعادلة.
كيف “تُختصر” حكاية بتول سليمان علّوش للتعليق عليها؟ ما هو تسلسل العبارات والكلمات التي ترسم “بدقّة” ما حصل معها، خصوصاً أننا أمام سطوة الكاميرا؟
كل ما نعرفه هو اعترافات ومناشدات أمام الكاميرا، هي تقول إنها “هاجرت” وتُنكر خطفها، الأهل يقولون العكس، و”بضيافة” وجهاء بعد منتصف الليل، أُعيد طرح الأسئلة ذاتها، وكرّرت هي الإجابات ذاتها، كذلك أهلها نفوا “كلام” ابنتهم، لتظهر لاحقاً على كورنيش جبلة، وتؤكّد أنها “اختارت” هذا الطريق.
بيانات ناشطين وصحافيين على وسائل التواصل الاجتماعي ونظريات بلا إثبات عن حركات دعوية تنشط في اللاذقية وجبلة، وردّ من مؤيّدي السلطة أن ما حدث ليس إلا أن فتاة بالغة راشدة اختارت ترك بيت أهلها، لتمارس حرّيتها بالاعتقاد.
فيديوهات وتسجيلات وسجالات حول “الخيار” و”الاعتراف”، هل نصدّق أو لا نصدّق؟ يحضر سياق الخطف الذي وثّقته المنظّمات الدولية والتقارير الصحافية لتفسير ما حصل ودور السلطة في الاعترافات القسرية، لكن هل نحن أمام حكاية مختلفة؟
يحضر “الكلام” دوماً في الحديث عن بتول، وقدرة المنطوق الأدائية على إثبات الخيار الشخصي وتحوّلاته، ضمن منطق الاعتراف والمواجهة أمام اللاجمهور، الكلام الذي ظهرت بسببه إحداهنّ تتأكّد من أن أذني بتول خاليتان من جهاز إرسال، وأن لا أحد يلقّنها “الكلام”!
ماذا تفعل كلمة “مهاجرة” بالحكاية؟
اختصرت بتول مكانها الجديد بكلمة من حقل الخبرة الدينية: “مهاجرة”. هذه الكلمة لا تحدّد مكاناً، هنا كانت المشكلة الأولى، إنما تنقل الحكاية من سؤال الاختفاء والخطف والسبي إلى حقل المقدس. “مهاجرة” تعني أنها داخل حقل خلاص ديني، لا نستطيع الاقتراب منه أو التعليق عليه من دون الاصطدام بخطاب ديني يروّج لهذا النوع من الانقلاب، هكذا تصبح الإجابة عن السؤال الأمني: “أين هي؟”، مستقاة من المقدّس: “لقد هاجرت”.
كلمة “الهجرة” تنبع من الشقّ الرومانسي الذي يحاول موالو السلطة فرضه على “الجهاد” والإيمان الذي أسقط طاغوت نظام الأسد، لكن سواء اختارت أو غُيّرت، هناك عمل على الطابع الشخصي لظهورها، كأن عليها أن تتجاوز خللاً عائلياً، أو موضوع خوف، أو جرحاً اجتماعياً نحو قرار مقدّس. وعلى بتول خلق صورة مثالية عن نفسها، وعن الآخرين الذين يستخدمونها كرمز للانتقال نحو مساحة عقائدية جديدة.
اجتماعياً، تفعل الكلمة شيئاً آخر. إنها تصطدم بالأسرة وتقاليدها، وتُعيد ترتيب العلاقة بين الفتاة وأهلها والمجتمع العلوي. لا تعود العائلة طرفاً فزعاً يبحث عن الابنة، ولا يعود المجتمع طرفاً خائفاً من تكرار الخطف، إنما يُدفعان إلى موقع العائق أمام اختيار مقدّس. كأن السؤال عن مكان بتول إهانة لخبرتها الدينية الجديدة، أو اعتراض على انتقالها الروحي. هكذا يصبح الاستغراب نفسه محرجاً: كيف نتعامل مع فتاة تنضمّ إلى جماعة لا نعرفها؟
الفتاة التي اختفت صارت، داخل هذه الصيغة، خارج السؤال العادي، وعلينا أن نرتبك أمام حرّاس الدين وقناع السلطة الذي لا يبتعد عن هذا الخطاب. ومرّة أخرى، نحن لا نعرف من حولها، ولا كيف قيل كلامها، ولا ضمن أيّ ترتيب ظهر هذا الصوت على الشاشة. هل كانت تحت الضغط؟ أم أنها تغيّرت فعلاً وهناك قطعة ناقصة لا نعرفها؟ هل كان هناك عمل شخصي من بتول، ربما بسبب قلّة إدراكها، أم عمل ممّن خطفها أو غيّرها؟ نحن لا نعرف أبداً. لكنّ ما نراه أن هناك صناعة لهالة حولها.
لا نُكثر الأسئلة لأننا فضوليون، إنما لأنها واقعة ضمن سياق كبير ممّا يتعرّض له المجتمع السوري والنساء العلويات تحديداً. لا يكفي أن نسمع العبارة كي نعتبرها حقيقة مكتملة. صوت بتول كثيف، يبدأ من عائلتها واختفائها في الجامعة وعدم القدرة على إيجادها والذعر الاجتماعي من الخطف، ثم من فيديو بتول نفسه، ومأساة مشهد أهلها، ثم من ظهورها اللاحق وسط مجموعة تسألها وتحيط بها وتريد أن تنتزع من حضورها دليلاً نهائياً.
التأويل المضادّ لما قالته ليس تكذيباً لبتول، إنما رفض للبراءة السطحية أمام صورة جاءت بعد اختفاء. لا يمكن التعامل مع الفيديو كأنه حضور عادي أو قول مكتمل، والسياق الأوسع الذي جعل السؤال عن مكان فتاة يتحوّل فوراً إلى معركة طائفية ودينية واجتماعية.
هناك مأساة سورية في تسليم الذوات عبر الفيديو. على السوري أن يظهر في فيديو كي يُثبت أنه حيّ، أو آمن، أو مختار، أو نادم، أو بريء. لكنّ الفيديو لا يكشف الذات دائماً، إنه يجبرها على تقديم نسخة صالحة للتصديق والتداول العامّين. لقد اختُصرت حياة بتول في جملة وصورة، بينما كان انقطاعها هو السؤال الأهمّ: ماذا حدث؟ ولماذا الآن؟ من أين خرج هذا الصوت؟ ومن رتّب له أن يظهر بهذه الصيغة؟
والدا بتول هما الحكاية الأكثر إثارة للتعاطف، والقابلية للتصديق، لا لأنهما رويا القصّة كاملة، إنما لأن صورتيهما غير مصنوعتين. جسدان مرتبكان، محاصران بكتلة غير مكسيّة من البلوك، فيهما خجل الأب وتوتّره، وتوتّر الأمّ أيضاً. توتّرهما يشي بعجز عن إتقان أيّ طريقة للتعامل مع حدث يُراد منه أن يكون مقدّساً. ارتباك الوالدين هناك قد يكون مزدوجاً، لأنهما، حتى يوم الأحد، امتلكا خطاباً وُجّه إلى الإمارات والمجلس العلوي وعلويي تركيا، ما يوحي بأنهما تلقّيا دعماً أو نصيحة ما، بخلاف الطرف المنظَّم الذي ظهرت فيه بتول.
جاءت المستجدّات لتزيد الارتباك، الفتاة التي ظهرت أوّلاً بوصفها “مهاجرة” عادت القصّة معها إلى صيغة أخرى، زيارة طويلة عند رفيقتها، بحسب ما قالت. هكذا انتقلت الحكاية من كلمة كبرى ومشحونة، “الهجرة”، إلى تفسير يومي صغير/ زيارة، لكنّ هذا الانتقال لا يطمئن، على العكس، يكشف حجم الاضطراب في السردية نفسها. كيف تتحوّل “الهجرة” إلى زيارة؟ وكيف يصبح الاختفاء انتقالاً روحياً، ثم علاقة مع رفيقة، ثم مشهداً عاماً أمام رجال ونساء ووجهاء وناشطين وصحافيين؟ ثم خلافاً بسيطاً مع الأهل والتكبّر عليهم؟
بتول خضعت لصناعة ما، والترتيب الأمني أسّس لهذا الظهور. وأيضاً جزء من خطاب والديها، حين توجّها إلى الإمارات والمجلس العلوي، ساهم في صناعتها بوصفها صورة يجب استحواذها. صارت بتول شخصاً أو هالة لخدمة جمهور وصراع.
المشكلة هنا ليست في الكلمة الصحيح استخدامها وحدها، إنما في ما تفعله الكلمة حين تُدخلها السلطة والجمهور والخطاب الديني إلى جسد فتاة في الحادية والعشرين، هنا يصير الخطاب الأكبر لمن انتصر عبر لسانها، لا عنها كإنسانة. فتاة أصبحت بلا أهل، وقاهرة لأهلها، لا من باب تمرّد يحقّ لها، إنما من باب لا نعرف شروطه، ولا مَن صنعه، ولا كيف رُتِّب ظهوره وقد تكون بتول نفسها لا تعرف جذوره. ثم إن نوعاً من النرجسية صُنع حول بتول، بعدما حوّلتها الجماعة السورية بكاملها إلى شخصية استثنائية، وجعلت من الاستحواذ عليها صراعاً سياسياً.
من يتكلّم في خطاب بتول؟
أيّ أصوات تتكلّم عبر خطاب بتول؟ ومن رتّب لهذا الصوت أن يظهر وحده، كأنه يملك حقّ إنهاء كل معنى آخر؟ أيّ سلطة، أو قوّة، أو شبكة، أو جهة دعوية، جعلت من هذا الكلام قولاً أخيراً لا بداية مشروعة للسؤال؟
ليست المسألة في أن تكون بتول صادقة أو كاذبة، هذا السؤال نفسه ناقص، لأن الصدق والكذب لا يعملان في الفراغ، وقد يتحوّل الاعتراف إلى قناع لشيء آخر، لا لأنه مزيّف بالضرورة، إنما لأن شروطه غير مرئية، لذلك يجب أن يبقى هامش الشكّ مفتوحاً، وحين تغيب السياسة ودور الدولة في ضمان “كلام” الخاضعين لها، تحلّ الأسطورة محلّ التحقيق والفعل: عاشقة هاربة، أو فتاة اهتدت، أو عائلة تكذب. هكذا يهرب المجتمع والسلطة من السؤال الحقيقي، لا يعود السؤال: أين بتول؟ كيف اختفت؟
هناك سياق لـ”هجرة” بتول، وأيّ فتاة علوية أصابها تغيّر أو أُصيبت بتغيّر. منذ اليوم الأوّل لسقوط النظام، ظهرت تقارير عن الهجوم اللفظي على العلويات غير المحجّبات، أو تهديدهن، ثم خطفهن، وقتلهن، وقُتل أقاربهن أمامهن في مجازر الساحل. سياق بتول متّصل بكثير ممّا يبدو مريباً، ويمرّ بكل فتاة علوية تشعر أن شيئاً ما يمسّها مباشرة.
خلال سنوات الثورة والحرب وسقوط النظام، لم تعد الإرادة فردية تماماً، صارت موزّعة على الخرائط والحواجز والجماعات، ماذا تسمح هذه المنطقة؟ ماذا يطلب هذا الحاجز؟ ماذا يريد هذا الفصيل؟ كل منطقة أخذت شيئاً من بناتها: لباساً، صورة، صوتاً، حبيباً، طريقاً، دراسة، أو قدرة على القول. لذلك لا تأتي بتول من فراغ، تأتي من بلد كسر الإرادة ثم طلب من الناس أن يُسمّوا انكسارهم اختياراً أو رضوخاً أو صمتاً.
هناك امتثال عمومي أيضاً. الخوف لا يبقى خوفاً صريحاً عند العلويين، مع الوقت يتحوّل إلى عادة، عادة مرّن الأسد السوريين عليها لنصف قرن، وهي الانصياع للخطاب القائم لأن مخالفته تعني العنف المباشر، هذا الانصياع يظهر بشكل: لا أضع صورة، لا أرفع صوتي، لا أتحرّك وحدي، لا أبدو كما كنت.
هكذا يصير الخطر جزءاً من تنظيم الحياة اليومية. هذا لا يشمل العلويات وحدهن، إنما يشمل أيضاً فتيات محجّبات لا يرضى ذكور دعويون إسلاميون عن لباسهن، أو طريقة جلوسهن، أو حضورهن في مكان عامّ.
لا يعني هذا أن كل انتقال ديني مزيّف أو مفروض، إنما التحوّل داخل الخوف لا يُقرأ كقرار داخلي صافٍ، خصوصاً حين تصبح الطائفة عبئاً أو وصمة أو مصدراً للخطر أو الفقر، قد تظهر هويّة أخرى كبديل للنجاة، أو كضدّ رمزي للجماعة المجروحة والمنتهكة. هنا لا تكون قيمة السؤال: هل آمن فعلاً؟ إنما: أيّ خوف جعل الإيمان يظهر كطريق للنجاة؟ وأيّ تجريح جعل الخروج من الهويّة الأولى يبدو كنجاة منها وخلاص؟
لا تبدو قضيّة بتول مجرّد قصّة فتاة قالت إنها اختارت، إنها جزء من امتثال عمومي أوسع، حيث يتعلّم الناس تخفيض ظهورهم، وتعديل أجسادهم وصورهم وكلامهم كي لا يصيروا أهدافاً منتقاة أو عشوائية، أو حتى هدفاً لجماعة تفهم الاضطراب والتعب وتحوّله إلى معنى كثيف، بدون شرط الحرّية، ليست بتول هي المشكلة، المشكلة في تحويلها إلى دليل وحيد ضدّ نفسها لأنها استُلبت، وضدّ أهلها، وضدّ جماعتها، وضدّ بنات البلاد كلّهن، وضدّ سؤال الخطف. الشاشة لا تمنحنا الحقيقة دائماً، أحياناً تمنحنا شكلاً مرتّباً، لكنّ الكواليس أكثر رهبة وحقيقة.
هنا يبدأ الاستلاب قبل أن نصل إلى كلمة “مهاجرة”، لا يُسلب الإنسان فقط حين يُخطف جسده، إنما حينما تُحدّد طلاقة كلامه، وحين يُدفع إلى أن يشرح عن نفسه بلغة لا نعرف إن كانت لغته فعلاً، لم تتحدّث بتول أكثر من دقيقة واحدة متتالية، وهذا كافٍ لكي ينتصر أحد ما بغنيمة تتحدّث لدقيقة…
كلمة “مهاجرة” أكبر من فتاة في الحادية والعشرين، لأنها تحمل معها تاريخاً من الجهاد، والنجاة، والخروج من الجماعة، والانتصار على الأهل، وتمنح من يستخدمها حقّاً أخلاقياً أعلى من حقّ العائلة في السؤال أو الذعر حتى، بتول لاتعرف لغة واضحة لوصف نفسها. وفجأة تصير مطالبة بأن تظهر كذات اختارت معنى كبيراً، لا كفتاة يجب أن نعرف أين كانت، ومن كان حولها ومن اقترب منها، وكيف وصلت إلى هذه الصيغة.
الاستلاب مع بتول غامض ومركّب جداً، قد يكون فيه بحثاً عن الروحي، أو ظنّاً بالخلاص داخله، لكنّ جانب المعادلة يبقى ناقصاً، العدل، والفردانية، والوجود الحرّ، والإرادة الحرّة، السلطة الجديدة، أو بطانتها ترى في هذا كفراً، أو شذوذاً، المشكلة ليست في الروحي، إنما في الروحي حين يأتي فوق الركام كبديل من العدل، لا إيمان جدّي بدون حرّية، ولا خلاص بدون ضمير حرّ وتراكم للعقلانية والتربية ونمطها الحديث، أقلّه في فهم المواطنة والحياة الروحية والعدل.