حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني… موقع درج
المشهد اللبناني اليوم هو عصارة أربعة عقود من التواطؤ والخضوع لـ”حزب الله”، ولبنان اليوم يدفع ثمن ما ارتكبه هؤلاء، وليس فقط ما يرتكبه الحزب، وبما أننا في لحظة تتهيّأ فيها الجماعات لتقاذف المسؤوليات والجميع ينتظر لحظة الانقضاض، فمن المفيد التذكير بأن دولة الحزب هي وليدة تواطؤ يتعدّى بيئته.
كشفت الحرب الإسرائيلية على لبنان، من بين ما كشفت، أن الدولة اللبنانية بأجهزتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية، وطوال العقود الثلاثة الفائتة، على الأقلّ، لم تكن أكثر من واجهة وقناع لدولة موازية، راحت تنمو وتُنشئ قواعدها وتُرسّخ نفوذها، مستعينة بتواطؤ كل الطبقة السياسية من مختلف الطوائف والملل.
إنها دولة “حزب الله” الممتدّة من رفيق الحريري إلى ميشال عون، ومن إميل لحّود إلى سعد الحريري. لا أحد بريء من نموّ “حزب الله”، ومن تفشّي أنفاقه واقتصاده، ومن إمساكه بالحدود والمعابر والمرافئ والمطارات.
نعم ما كان لـ”حزب الله” أن يكون أقوى من الدولة، لولا سنوات التواطؤ هذه. طبقة سياسية بأكملها تقاضت لقاء تواطؤها على السيادة، أثماناً يجب أن تحاسَب عليها. رياض سلامة ليس الفاسد الوحيد، وودائعنا في المصارف ليست آخر ما جرى نهبه. لقد نهبوا البلد وتقاضوا لقاء تسليمهم مفاتيحه لـ”حزب الله” أموالاً وحقائب وزارية ومناصب في الإدارة وفي القضاء.
“المرارة” التي راح مسؤولو الحزب يشعرون بها إزاء انشقاق أقرب الحلفاء إليهم بعد انتكاستهم الأولى خلال حرب الإسناد، تخبّئ ما يعرفونه عن المنشقّين، وعن الأثمان التي تقاضوها لقاء تفويضهم الحزب حكم البلد.
ماذا يعني مثلاً ألّا يكون لوزارة التربية سلطة على المدارس الرسمية في مناطق نفوذ “حزب الله”؟ يعني أن وزراء التربية متواطئون على أجيال جرى شحنها بتعاليم ولاية الفقيه. وماذا يعني أن نكتشف في العام 2024 أن مطار بيروت متاح لعبور ما يحتاجه الحزب من معدّات وأموال ومقاتلين؟ يعني أن وزراء الداخلية والأشغال والدفاع وعلى مدى العقود الثلاثة الفائتة كانوا جزءاً من ماكينة بناء الحزب لدولته.
كل من قبِل بهذه الوظيفة هو جزء من الكارثة التي نحن فيها اليوم. فـ”حزب الله” لم يكن شريكاً لرفيق الحريري عندما كان الأخير حاكماً. الحزب كان الحاكم، والحريري ميسّر الأعمال، إلى أن افترقت المصالح وقرّر الرجل الابتعاد، فكان مصيره ما كان.
أما ميشال عون، فالسنوات الستّ التي حكمَنا فيها، كانت سنوات ذروة استتباع الحزب للدولة. أُعطي الرجل الرئاسة وأُعطي صهره الأكثرية الوزارية، وسلّما الجمل بما حمل للحزب. وعندما يساجل جبران باسيل بأن عون ورث نفوذ الحزب من زمن النظام السوري، يغفل عن حقيقة أن هذا النفوذ من المفترض أنه انتهى في العام 2006، ومنذ ذلك الوقت والحزب يضاعف انتشاره في مفاصل البلد والدولة والحدود، بموازاة تصدّر التيّار العوني تمثيل المسيحيين في مجلس النوّاب والحكومة ورئاسة الجمهورية.
نشهد اليوم على عمق ما بناه “حزب الله” طوال سنوات. دائرة الأهداف الإسرائيلية الواسعة ما كان يمكن لها أن تكون من دون أن توظّف كل إمكانات الدولة لتشكيلها وبنائها، والقول اليوم إن “حزب الله” تمكّن من حصر التمثيل الشيعي به وبشريكه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ليبني نفوذه، قول لا يكفي لتفسير طغيانه وانتشاره. مسؤولية “الشركاء” غير الشيعة لا تقلّ عن مسؤولية البيئة المذهبية للحزب.
سعد الحريري كان رئيساً لمعظم الحكومات من العام 2006 إلى العام 2019، ماذا فعل لكي يحمي لبنان من دولة “حزب الله”؟ كان شريكاً في الصمت والقبول والأثمان. ميشال عون “السيادي الأوّل” كانت السيادة بأكملها في زمنه بيد وفيق صفا. هل تذكرون كيف دخل هذا الرجل إلى قصر العدل في زمن السيادي الأوّل وقال للقاضي طارق بيطار “بقلعك من محلك”؟
وهنا من الإنصاف الإشارة إلى أن حزبي “القوّات اللبنانية” و”الكتائب”، وحدهما يمكن تحييدهما عن هذا المشهد.
يحلو لكثيرين اليوم إحالة نفوذ “حزب الله” إلى حقيقة تصدّره الطائفة الشيعية، وهذه الإحالة المذهبية تنطوي على تنصّل من مسؤولية كل الجماعات اللبنانية عن هذا النفوذ. وليد جنبلاط في انعطافاته ونبيه برّي في خضوعه وسعد الحريري في ضعفه وميشال عون في تواطؤه، أما رجال مثل إميل لحّود ونجيب ميقاتي وحسّان دياب، فللحزب فيهم أكثر ممّا في لأنفسهم في أنفسهم.
المشهد اللبناني اليوم هو عصارة أربعة عقود من التواطؤ والخضوع لـ”حزب الله”، ولبنان اليوم يدفع ثمن ما ارتكبه هؤلاء، وليس فقط ما يرتكبه الحزب، وبما أننا في لحظة تتهيّأ فيها الجماعات لتقاذف المسؤوليات والجميع ينتظر لحظة الانقضاض، فمن المفيد التذكير بأن دولة الحزب هي وليدة تواطؤ يتعدّى بيئته.