ملخص
تنتشر عبر السوشيال ميديا مجموعات غريبة يأمل الناشطون بها في إيجاد وسيلة للتخلص ضغوط الحياة، إذ يبدو أعضاؤها وكأنهم من كوكب آخر لا يبالون بمشكلات وكوارث العالم الحقيقي، فهم يتحدثون بجدية شديدة عن عشقهم لحشرة ما، أو الانزعاج من أصوات معينة في الطبيعة ويحاولون بشتى الطرق الحفاظ على حصرية مجموعاتهم وعدم السماح للدخلاء بإفساد متعتهم وخصوصيتهم.
قبل أسابيع ضج المصريون بمجموعة على “فيسبوك” انتشرت بصورة مفاجئة بعنوان “شكاوى أهالي قاع الهامور”، التي تحاكي عناصر الحياة في كارتون سبونج بوب الشهير الذي تدور أحداثه الهزلية في قاع المحيط، فحياة العوالم الموازية عبر السوشيال ميديا يغرق فيها كثر بحثاً عن مجتمع بلا قيود والتقرب من أعضاء يشاركونهم الاهتمامات نفسها مهما كانت غريبة. والأمر طوال الوقت لا يخلو من مبالغات وإبداع نظراً إلى شدة الانغماس والتقمص، ولا يقتصر على مصر أو المنطقة العربية فقط فهناك من يتقمصون أدوار شخصيات فاحشة الثراء ويشتكون من أن لديهم عشرات السيارات التي لا يتسع لها أي جراج مهما كان كبيراً، وآخرون يعيشون داخل مجتمع أهل الكهف ويتقاتلون في مشكلات عتيقة تلائم هذا العصر، وآخرون يتقمصون تماماً شخصيات حشرات أو طيور ويلقون بتعليقات تلائم صفات تلك الحيوانات التي يعيشون بهوياتها.
حياة افتراضية
نشأ مصطلح “فيسبوك” قبل نحو 12 عاماً، وفقاً لـ”نيويورك تايمز”، لكنه وصل إلى شعبيته إبان جائحة كورونا على الأرجح، إذ العزلة الطويلة فجرت المواهب وجعلت النشطاء الإلكترونيين يبتكرون طرقاً للتغلب على الملل مع الرغبة في الشعور بالانتماء إلى مجتمع ما، ولشدة غرابة المجموعات التي تتحول إلى ظواهر، وتلقى رواجاً وانفجاراً في عدد المنشورات وعدد الأعضاء، فقد استرعى هذا السلوك انتباه الباحثين الذين تعمقوا في محاولة فهم سيكولوجية المنخرطين بشدة في مثل تلك العوالم، هل هو إمعان في العزلة أم على العكس فرصة للتفاعل مع قاعدة أكبر من الأشخاص للتخلص من القلق الاجتماعي والاندماج، أم أن الأمر كله محاولة لبناء واقع بديل للتخلص من ضغوط الحياة المعقدة؟
وفقاً لدراسة بعنوان “الوحدة واكتساب الهوايات، شبكات التواصل الاجتماعي خلال جائحة كورونا” نشرت عام 2022 في “JSMS” المجلة العلمية الأميركية المتخصصة في أبحاث السوشيال ميديا، فإن الوحدة كانت من أهم دوافع استخدام الشبكات الاجتماعية خلال الحجر الصحي، إذ يلجأ إليها الأشخاص، ويستمدون الدعم، دون أن يضطروا للقول إنهم محبطون أو يائسون، إنما يدخلون مباشرة إلى العالم الموازي بهوياتهم البديلة دون شكوى أو مقدمات، إذ تشير الدراسة إلى أن دوافع الدخول لمثل تلك المجموعات له أبعاد نفسية ومجتمعية، وليس مجرد الرغبة في استهلاك الوقت، كما أن سهولة استعمال وسائل التواصل سهلت من فكرة تبني المستخدمين هويات موازية.
الملايين الذين أنعشوا مجموعة قاع الهامور في مصر بمنشورات عن انتهاكات مجتمعهم من الجيران البحريين الفضوليين أو عدم الالتزام بإشارات الطرق أو قطع الأعشاب المائية، أو غلاء الأسعار وصعوبة المناهج الدراسية وعن الأغاني والحفلات، وجدوا ضالتهم في حياة بديلة يقضون فيها بضع ساعات قبل النوم، ويعبرون عما دار في يومهم بطريقة التمويه المتفق عليها بين الأعضاء، والأمر لا يخلو أيضاً من لمسات إبداعية وابتكار مواقف مضحكة لا تشكل أي نوع من المحاكاة لأي قضايا مثارة، إنما هدفها الكوميديا لا أكثر.
مثلهم مثل هؤلاء الذين ابتكروا قبل أعوام عدة مجموعة “بنبتعد عن الفقرا”، إذ استفز اسم المجموعة الصادم مجتمع “فيسبوك”، وبخاصة أن الأمر في البداية لم يكن واضحاً أبداً أنه يندرج تحت بند السخرية، إذ اعتقد كثر أن منشورات الأعضاء التي تتحدث بتأفف عن محدودي الدخل حقيقية، وبخاصة أن الأسئلة الاستباقية التي تشبه كشف الهيئة والإجابة عنها تكون شرطاً لقبول عضوية المجموعة كانت بعيدة من الهزلية تماماً وبينها مقدار الثروة واشتراكات الأندية، فقد بدت وكأنها رغبة في تضييق نطاق الحصرية للغروب.
ليتبين ف يما بعد أن المجموعة كان تندرج تحت بند التنفيس ضد فكرة الطبقية ومحاكاة لمجموعات التجمعات السكنية الفاخرة التي يتذمر سكانها من السلوكات التي يظنون أنها قد تهدد رفاهية مربعهم السكني، إذ يسأل أحد أعضاء الجروب الهزلي الموازي زملاءه عمن يريد الانضمام إلى (جمعية) قوامها 70 مليون جنيه، والجمعية هي طريقة للادخار السريع، إذ يدفع كل فرد من المشتركين مبلغاً محدداً كل شهر، يجري تجميعه ويأخذه أحدهم دفعة واحدة وهكذا بالتناوب، ومثلها كثير من الأمور التي بدت عبثية تماماً، ومع ذلك أربكت المطلعين على المجموعة التي خرج منشئوها للتوضيح وللتبرير بعد كل هذا اللغط.
سيكولوجيا العوالم الموازية
التواصل والانتماء للعالم الرقمي على ما يبدو يحفز في الأشخاص سمات ربما لم يكونوا منتبهين إليها، ويشجع مواهبهم واهتماماتهم الخفية على الظهور، كما أنه يساعد في تقديم الدعم النفسي على ما يبدو، فعلى نحو غير بعيد قد رصد تقرير نشر عبر موقع شركة الخدمات الإلكترونية (IMI) تحليلاً للصفحات والمجموعات الغريبة والطريفة التي تنشأ حول اهتمامات تبدو نادرة وشديدة الخصوصية ومع ذلك تستقطب أعداداً ضخمة، مهما كانت ذات توجهات عبثية.
يشير التقرير إلى أن اللجوء إليها على الغالب للهرب من ضغوط اليوم ومشكلات السياسة والجرائم التي تحاصر الجميع، ويحاول الناشطون بها الابتعاد من التقليدية، والبحث عن شيء شديد التخصص لفلترة التفاعلات، وبناء على الحديث مع المتفاعلين في تلك المجموعات فإن التقرير يشير إلى أن المشاركة في الأفكار الغريبة يمنح أصحابها شعوراً بانتماء حتى لو كان عنوان مجموعتهم يتلخص في تفصيلة بسيطة للغاية عن كراهية المايونيز أو الرعب من صوت صافرة المايكرويف أو تقمص أدوار الإنسان البدائي.
وإذا كانت غالبية الدراسات تتحدث عن أهمية هذه العوالم للتنفيس والتخلص من ضغوط الحياة، فإن الطبيب إبراهيم مجدي استشاري الأمراض العصبية والطب النفسي، ينبه إلى أن الأمر بالفعل قد يكون محموداً، لكن أيضاً “قد يسبب انعزالاً غير إيجابي عن الحياة الواقعية، فقد ينغمس الشخص إلى مدى غير صحي في هذه المجموعات ويفقد قدرته على التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية، أو قد يلجأ إلى محاولة بناء صداقات حقيقية مع الأعضاء الافتراضيين هؤلاء ويصدم بشخصياتهم التي قد تكون مغايرة تماماً وسلبية مقارنة بالهوية التي يرسمونها على غروبات التقمص والتظاهر”.
ويضيف أستاذ الطب النفسي بكلية طب جامعة عين شمس “يلجأ بعضٌ إلى هذه المجموعات لأهداف مختلفة، كل شخص لديه دوافع، فمنهم من يتصور أن لديه موهبة الكوميديا أو الابتكار واختراع القصص، وآخرون يحاولون فقط قضاء الوقت وغيرهم يلجؤون إليها بهدف نسيان المشكلات، وبالطبع يمكن أن تكون هذه المجموعات ذات تأثير جيد وبخاصة في ظل امتلاء الواقع بأخبار العنف والحروب والضغوط الاقتصادية، ولهذا فهي طريقة للتنفس والتخلص من الكبت بطريقة لا تضر أحداً إذا ما كان مستخدمها واعياً بحدودها وتبعاتها”.
هناك أيضاً مجموعة انتشرت بسرعة كبيرة بعنوان “كورة للمتزوجين”، إذ يهدف منشؤها إلى تأجير أحد الأماكن المفتوحة وتكوين فريقين من هواة لعب كرة القدم، وهو أمر شائع للغاية، لكن الغروب يهدف إلى أن يكون الفريقان من المتزوجين فقط، إذ يجري التنسيق بين الأشخاص لتكوين الفرق بشرط أن يكونوا جميعاً لديهم عائلات، وذلك بهدف التخفيف عنهم من ضغوط الحياة.
يتحدث رامي سامي، مهندس كهربائي وأحد المغرمين بالغروبات الغريبة سواء في مصر أو في العالم، لافتاً إلى أنه محلياً اطلع على مجموعة “محبي العرسة المصرية”، وهي حيوان صغير يشبه الفأر، لكنه أطول ولونه يميل للأحمر ومعروف بالتهامه دماء الطيور المنزلية الصغيرة، ولفت رامي إلى أنه كان يضحك كثيراً من اهتمام أعضاء الغروب بمحاولة أخذ لقطة للعرسة التي تقفز سريعاً أمام المنزل أو في حديقة أو تلمح بالمصادفة في أثناء تشغيل السيارة صباحاً، مشدداً على أنه في البداية كان يعد الأمر سخيفاً، لكنه كان وسيلة للانفصال عن الواقع، إذ اهتمت المنشورات بصور الحيوان الصغير ونشر معلومات موثقة عنه والحديث عن أهميته في الطبيعة، مضيفاً أن الأمر أصبح بمثابة إدمان له، إذ يشترك في غروبات عالمية أشد غرابة.
لكن ملك خليل، التي تعمل في شركة اتصالات، تقول إنها لا تجد وسيلة للتخلص من ضغوط العمل اليومي الذي يمتد إلى ما بعد ساعات الدوام الرسمي، سوى الحديث مع مشتركي هذه النوعية من المجموعات، وهي تنشط كثيراً في غروبات عالم كارتون سيمبسون ورجل العائلة، فبعض منها يكون هدف أعضائه البحث عن أشخاص على أرض الواقع يشبهون أبطال تلك الأعمال الكرتونية وأشهرهم بيتر غريفين صاحب البطولة الرئيسة لـ”فاميلي غاي – رجل العائلة”.
الحياة في مستعمرات النمل
بالفعل، فعالمياً تبدو مجموعات السوشيال ميديا أشبه بمنتديات تتنافس في ما بينها على الفكرة الأكثر غرابة وربما سخافة في بعض الأوقات، واللافت أن لكل فكرة مريدين مهما كانت غير طبيعية أو غير متوقعة، يبحث أصحابها عن مساحة رقمية مسلية تساعدهم على الهرب من الواقع واللهو الموقت، وبينها تلك المجموعة التي يتجاوز أعضاؤها المليون و600 ألف مشترك ويتظاهرون جميعاً بأنهم يعيشون في مستعمرة نمل، ويعيشون قصتهم من خلال منشوراتهم على أنهم تلك الحشرة، إذ إن شروط الانضمام للمجموعة قاسية وتقع في 10 نقاط، بينها أن يعرف كل شخص عن نفسه ويسبق اسمه بتعريف النملة، مع منع الحديث في السياسة وفي أي قضية جادة حتى لو إنسانية، وأن يتعهد الجميع بالتعبير عن امتنانهم لملكة الغروب، والشيء الأهم ألا يذكروا فيروس كورونا إطلاقاً، إذ تأسست المجموعة على يد عدد من طلاب الجامعة بالولايات المتحدة الأميركية إبان الجائحة، وكان هدفها تناسي أجواء الحجر الصحي نهائياً، والعيش ضمن مجتمع خيالي يعتمد على التظاهر حتى يمر هذا الظرف، لكن اللافت أن المجموعة لا تزال نشطة وتستقطب الجماهير الراغبة في التخيل.
ووفقاً لتقرير عبر “أن بي سي نيوز” الأميركية، فقد جرى رصد أكثر من 70 مجموعة للعوالم الموازية عبر “فيسبوك” تنتشر عالمياً، وذلك منذ نحو ستة أعوام، وهو العدد الذي ارتفع بطبيعة الحال حالياً، وبالبحث يتبين أن الهوايات الغريبة بالفعل تعد ملاذاً لمختلف الأجيال، وبينها تلك المجموعات التي يتظاهر أعضاؤها بأنهم من جيل Boomers، أي جيل طفرة المواليد التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية أي منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى نهاية الستينيات تقريباً، وغالبية المنجذبين لهذه الغروبات هم أبناء جيل زد الذين يكتبون منشورات تعبر عن أفكار هذا الجيل القديم وفقاً للصورة النمطية المعتادة، إذ فسر هذا التوجه كأحد الصور الساخرة من تقليدية الأجيال ما قبل عصر السوشيال ميديا عموماً، إضافة إلى مجموعات أخرى عن محبي البحث عن ورق الشجر الجاف، أو من يكرهون ألقابهم العائلة، وغيرها.
