بيروت- في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب الدائرة في لبنان، حرص الرئيس اللبناني جوزيف عون على توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن دمشق لا تنوي الانخراط في الصراع اللبناني أو التحول إلى طرف مباشر في المواجهة مع حزب الله.
وجاءت إشادة عون بالرئيس السوري أحمد الشرع لتؤكد وجود قناعة لدى بيروت بأن القيادة السورية الجديدة تدرك تعقيدات الساحة اللبنانية وتسعى إلى تجنب إعادة إنتاج أدوار إقليمية أثقلت كاهل المنطقة لعقود.
وقال عون إنه يثق بحكمة الشرع وبما يتمتع به من حس عال بالمسؤولية والوعي السياسي، معتبرا أن ذلك كفيل بمنعه من الانجرار إلى ما وصفه بـ”الوحول اللبنانية”.
وتحمل هذه التصريحات دلالات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، إذ تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة محاولات لإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في ظل الحرب المستمرة بين إسرائيل وحزب الله منذ مارس الماضي.
◄ القيادة السورية لا تنظر إلى الضغوط من زاوية الفرصة السياسية فقط، بل من زاوية المخاطر من أي انخراط في النزاع اللبناني
وتزامنت تصريحات الرئيس اللبناني مع تقارير متزايدة تحدثت عن ضغوط أميركية تمارس على دمشق من أجل لعب دور أكثر فاعلية في الحد من نفوذ حزب الله داخل لبنان، سواء من خلال تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود المشتركة أو عبر الانخراط في ترتيبات أمنية جديدة تخدم جهود احتواء الحزب المدعوم من إيران.
وتعززت هذه التكهنات مع الأنباء المتداولة بشأن زيارة محتملة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة خلال يونيو الجاري، حيث يتوقع أن تتناول المباحثات عددا من الملفات الإقليمية الحساسة، من بينها مستقبل الحرب في لبنان ودور سوريا في مرحلة ما بعد التصعيد.
غير أن إشادة عون بمقاربة الشرع تعكس إدراكا لبنانيا بأن القيادة السورية الجديدة لا تنظر إلى هذه الضغوط من زاوية الفرصة السياسية فقط، بل من زاوية المخاطر التي قد تترتب على أي انخراط مباشر في النزاع اللبناني. فدمشق الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والانقسام الداخلي تبدو منشغلة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنعاش الاقتصاد وترسيخ الاستقرار الأمني، وهي أهداف يصعب التوفيق بينها وبين الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
ويبدو أن الشرع يدرك جيدا حساسية الملف اللبناني بالنسبة لسوريا. فعلى الرغم من الخصومة التاريخية التي تجمعه بحزب الله منذ سنوات الحرب السورية، حين قاتل الحزب إلى جانب نظام بشار الأسد ضد فصائل المعارضة المسلحة، فإن القيادة السورية الحالية لا تبدو مستعدة لتحويل هذا الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي هذا السياق، تركز دمشق في خطابها السياسي على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وحقها في بسط سلطتها على كامل أراضيها، كما تؤيد الجهود الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو موقف ينسجم مع رؤية رسمية لبنانية تسعى إلى تعزيز سلطة المؤسسات الشرعية دون الانجرار إلى مواجهات داخلية جديدة.
ويشير مراقبون إلى أن ما يميز سياسة الشرع تجاه لبنان هو سعيها إلى الفصل بين الخلاف السياسي مع حزب الله وبين الانخراط في الحرب الدائرة حاليا. فالرئيس السوري يدرك أن أي صدام مباشر مع الحزب قد يؤدي إلى تداعيات أمنية واسعة تمتد إلى الداخل السوري، خاصة في ظل وجود شبكات نفوذ وعلاقات معقدة تراكمت خلال سنوات الصراع في المنطقة.
كما أن دمشق تبدو حريصة على عدم منح الانطباع بأنها تتحول إلى أداة ضمن الإستراتيجية الأميركية أو الإسرائيلية في مواجهة إيران وحلفائها.
ولذلك تحاول القيادة السورية المحافظة على هامش من الاستقلالية السياسية يسمح لها بتحسين علاقاتها مع الغرب دون الظهور كطرف في مشروع إقليمي يستهدف إعادة تشكيل موازين القوى بالقوة العسكرية.
◄ إشادة عون بمقاربة الشرع تعكس إدراكا لبنانيا بأن القيادة السورية الجديدة تنظر إلى الضغوط من زاوية المخاطر التي قد تترتب على أي انخراط مباشر في النزاع اللبناني
وتكتسب تصريحات عون أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت تتزايد فيه التقديرات الغربية بشأن إمكانية إسناد أدوار أمنية جديدة لسوريا على الحدود اللبنانية. غير أن المؤشرات الصادرة عن دمشق توحي بأن أقصى ما يمكن أن تقدمه في المرحلة الراهنة يتمثل في تشديد الرقابة الحدودية ومكافحة التهريب ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى الأراضي السورية، وليس المشاركة في عمليات عسكرية ضد حزب الله.
وفي موازاة حديثه عن سوريا، وجّه الرئيس اللبناني انتقادات للموقف الإسرائيلي في مسار المفاوضات الجارية، معتبرا أن إسرائيل لا تبدي استعدادا لطرح خطط جدية لإنهاء الأزمة، في حين يذهب لبنان إلى طاولة التفاوض برؤية واضحة تستند إلى حماية سيادته ومصالحه الوطنية. كما شدد على أن موقعه الدستوري والدعم الأميركي للبنان يشكلان عنصرين أساسيين في تعزيز الموقف التفاوضي اللبناني.
وتكشف هذه المواقف عن وجود تقاطع في الرؤية بين بيروت ودمشق حيال ضرورة منع اتساع نطاق الحرب وتجنب تحويل لبنان أو سوريا إلى ساحات إضافية للصراع الإقليمي. كما تعكس قناعة متزايدة لدى الطرفين بأن الأولوية يجب أن تكون للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومعالجة التحديات الاقتصادية والأمنية المتراكمة، بدلا من الانخراط في مواجهات جديدة قد تزيد من هشاشة المنطقة.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها العلاقات السورية – الأميركية، والضغوط المتزايدة المرتبطة بالحرب في لبنان، تبدو إشادة جوزيف عون بأحمد الشرع بمثابة رسالة طمأنة مزدوجة؛ الأولى إلى الداخل اللبناني بأن سوريا لا تسعى إلى العودة لاعبا عسكريا في الساحة اللبنانية، والثانية إلى المجتمع الدولي بأن دمشق الجديدة تفضل مقاربة الاحتواء السياسي والحلول الدبلوماسية على خيارات التصعيد والمواجهة المباشرة.
وفي ضوء هذه المعادلة، يواصل الشرع السير على خيط دقيق يجمع بين الانفتاح على الغرب والحفاظ على استقرار بلاده، في وقت تزداد فيه رهانات القوى الإقليمية والدولية على الدور السوري في رسم ملامح المرحلة المقبلة.