يرى فريدمان أنّ جلوس دول الناتو مكتوفة الأيدي، والسماح للنظام الإيرانيّ الخبيث، بأيديولوجيته المسمومة، بالهيمنة على مضيق هرمز، وكذلك على دول الخليج العربيّ الحديثة المطلّة عليه، سيُبقيان شريان الحياة النفطيّ الأهمّ في العالم في حالة عدم استقرار دائم. يعتبر أنّ هذا ليس بالأمر الهيّن بالنسبة إلى أوروبا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على غاز الخليج لتدفئة اقتصاداتها وتوليد الطاقة، ما لم ترغب في العودة إلى التبعيّة لروسيا.
يقرّ فريدمان بأنّ هذا الطلب صعب، وكان سيكون أسهل بكثير لو تحلّى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بالنزاهة الكافية للاعتذار عن شنّ هذه الحرب من دون استشارة الناتو، ومن دون أيّ استراتيجية لما بعد الحرب في حال لم تجرِ الأمور كما هو مخطّط لها، ومن دون حتّى “ورقة توت” من الشرعيّة الدوليّة عبر الأمم المتّحدة.
يصف ترامب ونتنياهو بأنّهما “متهوّران ومتغطرسان، وليسا بالذكاء الذي يعتقدان أنهما يتمتّعان به، وقد حاصرا نفسيهما في زاوية، لكنّ المشكلة أنّ الجميع بات داخل هذه الزاوية معهما”. يرى أنّ الوضع الذي أوجداه سيّئ بما فيه الكفاية، والأسوأ من ذلك أنّ من الصعب تصوّر كيف ستنتهي هذه الحرب باتّفاق سلام لا يمنح النظام الإسلاميّ الإيرانيّ فرصة جديدة للبقاء لأنّ أيّ اتّفاق يُلزم إيران بالتخلّي عن اليورانيوم المخصّب ويفرض قيوداً على التخصيب مستقبلاً، سيستدعي في المقابل أن يقدّم ترامب لطهران “حقنة ماليّة” عبر رفع العقوبات.
هيئة مضيق الخليج
لكنّ فريدمان يحذّر بشدّة من أن تتضمّن هذه التنازلات منح إيران أيّ حقّ خاصّ في إقامة “نقطة جباية” لابتزاز السفن التي تمرّ عبر مضيق هرمز، مؤكّداً أنّ هذا هو بالضبط ما يسعى الإيرانيّون إلى تحقيقه. يشير، في هذا السياق، إلى تقرير صادر عن شركة Lloyd’s List Intelligence، التي تراقب حركة الشحن العالميّة، يفيد بأنّ طهران أنشأت بالفعل هيئة جديدة تُدعى “هيئة مضيق الخليج”، تهدف من خلالها إلى “وضع نفسها سلطة وحيدة صالحة لمنح الإذن للسفن العابرة للمضيق”. إلى ذلك أرسلت هذه الهيئة نموذج طلب إلى السفن التي تسعى إلى المرور، من أجل “الموافقة على العبور وجمع رسوم من كلّ سفينة تمرّ عبر المضيق”.
يرى فريدمان أنّه في حال أصبح هذا الوضع، أو أيّ إجراء مشابه، هو الوضع الطبيعيّ الجديد للملاحة عبر مضيق هرمز، فمن غير المعروف أيّ دول أخرى قد تبدأ بإنشاء نقاط جباية مماثلة في الممرّات البحريّة الحيويّة قبالة سواحلها.
يؤكّد أنّ ترامب ونتنياهو لم يقدّما ما يكفي لكسب دعم الناتو، على الرغم من أنّ مستقبل مضيق هرمز يؤثّر بشكل مباشر على كلّ عضو في الحلف. يخلص إلى نتيجة متشائمة مفادها أنّ حلفاء الناتو “من شبه المؤكّد أنّهم سيرفضون هذا النداء”.
دأب ترامب على التقليل من شأن الناتو، وأضعف قدرته الردعيّة تجاه روسيا، وخاض حرباً ضدّ إيران من دون أيّ قدر من التشاور، وأبدى لامبالاة تامّة تجاه الآثار الاقتصاديّة المدمّرة للحرب على حلفائه، من تضخّم ونقص في الطاقة، وهو ما قد يدفع شعوب هذه الدول إلى رفض دعم قادتها في أيّ تحرّك لمساندة الولايات المتّحدة. يرى أنّ هذا الأمر يصبح أكثر ترجيحاً في وقت يبدو فيه ترامب “أكثر اختلالاً يوماً بعد يوم، ولا يقف إلى جانبه سوى المتملّقين في حكومته وحزبه”.
تقوية النّظام لا انهياره!
يعتبر فريدمان أنّ تصفية ترامب لقادة إيران أدّت، في الواقع، إلى تقوية النظام بدلاً من انهياره. يشير إلى أنّ ترامب وصف القادة الجدد في إيران بأنّهم “مجانين”، متسائلاً بسخرية: هل احتجت كلّ هذا الوقت لاكتشاف ذلك؟ ألم تكن تعلم أنّ من أشهر أقوال روح الله الخميني أنّ الإيرانيّين لم يُسقطوا الشاه محمّد رضا بهلوي عام 1979 “من أجل الحصول على بطّيخ أرخص”؟
يرى أنّ ترامب، الذي يعتقد أنّ الجميع فاسدون لأنّه محاط بمثل هؤلاء الأشخاص ماليّاً أو أخلاقيّاً، لا يستطيع أن يتخيّل أنّ بابا الفاتيكان أو “آية الله” قد لا ينصاعان لرغباته، فيصفهم بـ”المجانين”، بينما الحقيقة أنّهم يتحرّكون بدافع معتقداتهم.
الضّاحية أم دبي؟
يؤكّد فريدمان أنّ القلق لا يقتصر على حلفاء الناتو، بل يشمل أيضاً حلفاء الولايات المتّحدة في الخليج العربيّ، الذين قد يكونون أكبر الخاسرين من هذه الحرب. يشير إلى أنّ هناك نموذجين رئيسَين يتنافسان على مستقبل الشرق الأوسط. ينقل عن الكاتب والمحلّل نديم قطيش قوله: “الخيار هو إمّا الضاحية (الضاحية الجنوبيّة لبيروت) أو دبي”، حيث إنّ أيّ بلد يطاله النموذج الأوّل ستكون “قبلة الموت له”، بحسب قطيش، إذ يحوّله إلى نسخة باهتة أخرى من إيران.
على الرغم من أنّ الجيل الجديد من قادة الخليج الإماراتيّين، ومعهم السعوديّون والبحرينيّون والكويتيّون والقطريّون الساعون إلى التحديث، ليسوا مثاليّين ويرتكبون أحياناً أخطاء، فإنّهم، في رأي فريدمان، بالمقارنة مع أسلافهم وآخرين في المنطقة، يقدّمون نموذجاً من الحداثة يحظى بالإعجاب ويتزايد تقليده في العالم العربيّ. غير أنّ هذه الحرب كانت كارثيّة عليهم، إذ أخافت المستثمرين الأجانب والسيّاح وأصحاب الكفاءات، وأثقلت كاهلهم بمستقبل من النفقات الدفاعيّة الضخمة لردع إيران بعد انسحاب الولايات المتّحدة، وسيُحوَّل كلّ هذا المال بعيداً عن التنمية الاقتصاديّة.
في رأي فريدمان، “نموذج دبي هو تحديداً ما تسعى طهران إلى تدميره”. ينقل عن مينا العريبي، رئيسة تحرير صحيفة The National، قولها إنّ الشابّ العربيّ يرى في الإمارات “دولة تحترم سيادة القانون، عملت بجد لتجنّب هذه الحرب، وفتحت أبوابها لكلّ من يريد الازدهار، ومنهم الإيرانيّون، فقد كان هناك مستشفى يديره إيرانيّون، ومدرسة ونادٍ للجالية الإيرانيّة”. تحذّر العريبي من أنّه “إذا تضرّر هذا النموذج من دون أن يرفّ جفن أحد”، وإذا بدأ “الجنوب العالميّ” ينظر إلى إيران باعتبارها الدولة الوحيدة التي واجهت ترامب ونتنياهو وحاسبتهما على دمار غزّة، فإنّ ذلك سيكون “مأساة ستُضعف المنطقة بأسرها”.
يخلص فريدمان، بالعودة إلى فكرته الأساسيّة، مؤكّداً أنّه يتفهّم رغبة حلفاء الناتو في ترك ترامب ونتنياهو “يحصدان ما زرعاه”، لكنّه يحذّر من أنّ ما زرعه هذان القائدان السيّئان هو “الريح”، وأنّ الجميع قد “يحصد العاصفة” إذا خرجت إيران من هذه الأزمة أكثر قوّة.
