لعلّ أول ما ينبغي الانتباه إليه والثناء عليه في رواية “فوق رأسي سحابة” (دار العين، 2025) للكاتبة المصرية دعاء إبراهيم هو النواة أو الأساس الذي يبدأ منه السرد، ثم الكيفية أو الكيفيات التي جعلت هذا الأساس يستمر حتى نهاية الرواية من دون أن يفقد القارئ حماسه في مواصلة القراءة بنفس الإيقاع تقريبًا. والحقيقة أن هذا الإيقاع هو مسألة أخرى ينبغي الثناء عليها. إيقاعٌ سردي قائم في أغلبه على جمل قصيرة نادرًا ما تحتاج الكاتبة إلى إضافات وشروح زائدة عليها. القارئ هنا متروك لتلقّي الأثر غير المفسّر كثيرًا الذي يمكن أن يتركه أي سطر أو أي فقرة أو أي جملة. الجملة الروائية نفسها مستندة على إحالات غير واضحة بالكامل وعلى ترك نسبة من الشك فيها، أو بالأحرى ترك جزء من تأويل كل ذلك في عهدة القارئ. الإيقاع هنا هو جزء من نبرة الكتابة ذاتها وجزء من دينامية السرد الذي سيجذب القارئ منذ البداية. الإيقاع يكاد يكون معادلًا لأسلوب كامل كُتبت به الرواية. صحيح أن جاذبية هذا الأسلوب سوف تتعرّض إلى بعض الخلل أو الانقطاع أو تباطؤ الإيقاع نفسه خصوصًا في بعض أجزاء القسم الثاني من الرواية الذي تنقل فيه المؤلفة بطلتها نهى إلى اليابان، بعد أن كانت تواصل حياتها كممرضة في مستشفى في مصر، منقطعةً عن والدها الذي ترك العائلة (وهي لا تزال صغيرة جدا) وذهب للعيش في اليابان. سوف تلتحق البطلة بالأب الغائب، حيث يكون تزوج بيابانية وأنجب منها ولدًا، ويعيش في راحة مادية إلى حد ما. قبل أن نتقدم أكثر في أحداث الرواية، وخصوصًا لجهة انتقال البطلة إلى اليابان، هناك ضرورة للثناء مرة أخرى على الإيقاع والأسلوب، إذْ ركّزت آراءٌ وانطباعاتٌ عديدة نُشرت حتى الآن عن الرواية على مضمونها ومجرى أحداثها وعلى جرأتها وما يمكن أن يتركه ذلك من آثار على البطلة وحياتها ومصيرها. والحقيقة أن التركيز على المضمون يكاد يكون عادة نقدية وقرائية عربية لا تزال لها اليد العليا في المراجعات التي تُكتب أو تُقال شفاهيةً عن الروايات والكتابة عمومًا، حيث التركيز على السؤال: ماذا كُتب في الرواية أو في أي نص؟ أكثر بكثير من السؤال: كيف كُتب كلُّ ذلك؟ صحيح أن المجريات والمضامين لها أهمية كبيرة في الكتابة، ولكن لا ينبغي لكل ذلك أن يحجب الأثر الأسلوبي أو الطريقة التي تُنجز بها هذه المضامين.
وبما أننا نتحدث عن سياقات المضمون، وهو ما لا يمكن لأي قراءة أو مراجعة نقدية للرواية أن تُهمله بشكل كامل، ينبغي أن نقول إن هناك استراتيجية ما للمؤلفة في ترك أجزاء عديدة منه من دون بذل جهد زائد (وربما غير ضروري) في إثباته أو إقناع القارئ به. والأهم من ذلك، من دون أن تحكم بشكل مسبق على ما تسرده في الرواية أو أن تدين تصرفًا ما فيها، خصوصًا لجهة تعرّض البطلة وهي صغيرة لانتهاكات جسدية من خالها، وهي انتهاكات ظلت مستمرة لفترة طويلة بسبب خوف البطلة وقتها من أن تعرف أمها أو جدتها بالأمر وأن تكون هي المُدانة أو المتسببة بفضيحة ما. والحقيقة أن هذا التفصيل المهم (والأساسي) في الرواية إلى جانب تفصيل آخر يخص والدة البطلة التي تزوجت أكثر مرة بعد الطلاق من الأب وغيابه في اليابان، هما ما جعلا البطلة تصدق أنها ربما “عاهرة ابنة عاهرة” بحسب تعبير المؤلفة، وتذكر ذلك في فقرات عديدة من الرواية، وكأنها تقوم بتأويل قبولها بانتهاكات الخال (ومحاولات حارس المشفى للتقرب منها أيضًا، وأفكارها الأخرى عن الجسد والرغبة والجنس) على أنه أمرٌ مفروغ منه أو أنه ينبغي أن يحدث طالما أن أمها كانت تطلب الجنس في الزيجات المتكررة، وطالما أنها متقبلة ومستمرة في الخضوع لرغبات الخال واعتداءاته، وأحيانا بموافقة غير مباشرة من الجدة التي جعلتها المؤلفة في حلٍّ من مراقبة تصرفات الخال، وتصديقها أن جزءًا من معاملة الخال لحفيدتها يقع في باب التربية والتأديب والعقاب الضروري والمحتمل لابنة تعيش وسط إهمال أمها (وموتها بعد ذلك) وغياب أبيها، وتحتاج إلى سلطة ما بديلة هي سلطة الخال.
واحدة من نقاط قوة الرواية أن المؤلفة لا تحكم أو تدين بشكل واضح تصرفات الخال وانتهاكاته، ولا تحاول أن تُخرج الحدث من سياقه السردي إلى سياقه القانوني والاجتماعي والأخلاقي، بل تروح تُمعن أكثر في فكرة تقبّل البطلة لما يحدث لها وكأن ذلك هو مجرد لعنة أو قدر لا مجال لتغييره أو النجاة منه، وهو سياق سيستمر في سياقات أخرى في الرواية، حيث البطلة تبدو وكأنها مكتوب لها (واقعيًا وسرديًا) أن تكون ضحية، وأن تفشل – رغم أن السّرد لا يمنحها فرصًا واضحة للمحاولة أصلًا – في تبديل أي شيء. ولكي نبدّد فكرة الضحية الكاملة، لا بد من الإشارة هنا إلى أن البطلة ليست ضحية بالمطلق، فهي – بحسب السرد – قاتلة وتكاد تكون قاتلة تسلسلية في تقديمها حقنات مميتة لعدد من المرضى في المشفى في لقطات سردية مكتوبة بطريقة جميلة، بعد أن تتلقى أمرًا أو نبوءة من الغراب الذي تتخيله فوق رأسها: “سيموت اليوم”! يقول لها ناعقًا بصوته القَدَري الغريب. الغراب المُتخيل هو السحابة نفسها التي فوق رأس البطلة في عنوان الرواية التي سيحظى فيها بحضور آخر عبر استدعاء حكاية قابيل الذي علّمه الغراب كيفية دفن شقيقه هابيل بعد أن قتله. قابيل يحضر في الرواية كشبيه للبطلة القاتلة (والضحية). إنها تتخيله كرجل مُشتهى (يقتل من أجلها ربما) كي يحظى بها، وفي الوقت نفسه يبدو كصورة أصلية قديمة لفكرة القتل الأول، وكطيفٍ سردي يشارك البطلة فكرتها عن القتل الذي سيبدأ بأن تحقن أمها المريضة أولًا، بينما في نهاية الرواية ستحقن أباها أيضًا، ولكنّ ابتسامته وهو يتلقى الحقنة القاتلة تُكدّر إحساسها بالانتقام منه ومن تركه لها وهي لا تزال صغيرة. هل كانت تنتقم فعلًا؟ لا تحكم المؤلفة بوضوح على ذلك، بل تترك الفكرة (كما غيرها من أفكار الرواية) مَشوبةً بنوع من الشك الذي يواصل فيه السرد خطّته في ترك الأمور معلقة أو متعددة التأويل. وهذا ما يجعلنا نعيد امتداح هذا السرد الذي يكاد “يحكم” الرواية بأكملها باستثناء أجزاء من القسم الثاني منها ذاك الذي تجري أحداثه في اليابان، إذْ (قد) يشعر القارئ أو بعض القراء بأن المؤلفة تبذل جهدًا في تبيان أنها تعرف المكان الجديد الذي نقلتْ مُجريات الرواية إليه. كان في استطاعتها أن تُبقي المكان الثاني في مصر أيضًا، ولكنها رأت ربما أن اليابان خيارٌ قد يخلق تنويعًا تحتاجه الرواية كي تكون مشوقة ومختلفة، وهو رهان يتحقق فعلًا، ولكن مع بعض الانشغال غير الضروري للسرد في إمداد القارئ بمعلومات عن اليابان وطبيعة الحياة والقوانين والعادات فيها. معلومات بدت أحيانًا إجرائية وزائدة، وإن كانت تخدم سياق الرواية. صحيح أن المؤلفة كما يبدو أقامت فترة في اليابان، وهو على الأرجح ما شجّعها على أن تحدث أجزاءٌ كبيرة من القسم الثاني من الرواية هناك، إلا أن شيئًا ما في السرد تعرّض للخلل أو جعلته ينشغل بمواد لا يمكن دسّها وطمرها بالكامل في نسيج السرد نفسه. ربما لن يشعر أغلب قراء الرواية بذلك، ولكن ثناء هذه المقالة على براعة السرد فيها، وتركيزها على الأسلوب والإيقاع فيها، يجعل تجنّب مثل هذه الملاحظة أمرًا صعبًا إلى حد ما. وهي ملاحظة لن تحجب – على أي حال – جودة الرواية التي اختارت فيها المؤلفة أن تمنح لبطلتها حرية أن تحظى – بالرغم من كونها قاتلة سرية – بحياة سردية مُعفاة من الأحكام المسبقة، وأن تحظى بإعجاب القارئ وتعاطفه أيضًا، ولكن ليس ذلك التعاطف المُسبق الصنع والمتوقع مع ضحية تعرّضت إلى انتهاكات خالها وخذلان أبيها وأمها وجدّتها. التعاطف المطلوب أو المُستهدف من قبل المؤلفة هو تعاطف قارئٍ يمتلك نديّة موازية للنديّة الأسلوبية التي كُتبت بها الرواية التي انشغلت فقط باقتفاء سيرة بطلتها من دون أن تحكم مسبقًا على أفعالها أو أن تحكم على أفعال الآخرين المُقرّبين بها، وبالطبع من دون أن تدعو القارئ نفسه إلى ذلك.