استدعاء النسق الفكري لإدغار موران في هذه اللحظة التأبينية امتداد عضوي لاشتباك إبستيمولوجي شخصي، انطلقت إرهاصاته المنهجية الأولى سنة 2018، حين مثلت نصوصه التأسيسية منطلقًا لإعادة بناء أدواتي المعرفية وتوجيه مساري العلمي، وتجلى هذا التوظيف للباراديغم المركب في تفكيكي النقدي لأطروحة علي عزت بيغوفيتش المنشور ضمن “مجلة رؤى سياسية” في عددها الأول سنة 2022، التي تصدر عن مركز آفاق للدراسات المتخصصة، والذي اعتمدت فيه المقاربة المورانية لتجاوز القصور الاختزالي الذي يسم القراءات الثنائية لجدل الأفكار والواقع، كما تتعمق راهنية هذا الإرث الفلسفي المفتوح اليوم ضمن اشتغالي المعرفي على أطروحة الدكتوراه في حقل التربية الدينية، إذ أرتكز على مبادئ التعقيد كدعامة إبستيمولوجية لمواجهة آفتي الفصل والاختزال اللتين تعيقان استيعاب التداخل العضوي للمركبات الإنسانية، مما يجعل من كتابة هذا المقال في نعي موران ضرورة تنبع من تقاطع الممارسة البحثية الشخصية مع مشروعه الكوكبي، بهدف مواصلة تفعيل أدواته في تفكيك البنيات المغلقة لاستيعاب الظاهرة الدينية والتربوية المعاصرة.
مسار قرن من المقاومة المعرفية
إدغار موران Edgar Morin، اسمه الأصلي ديفيد سالومون ناحوم، ولد في 8 يوليو/ تموز 1921 بباريس، والمتوفى بها في 29 مايو/ أيار 2026 عن عمر ناهز 104 أعوام، أحد أبرز السوسيولوجيين والفلاسفة الذين أعادوا تركيب ملامح الفكر المعاصر بتأسيسه الإبستيمولوجي للباراديغم المركب والمقاربات عبر-المناهجية. وينحدر موران من أصول يهودية سفاردية، وانخرط مبكرًا في التحولات السياسية الكبرى للقرن العشرين، والتحق بصفوف المقاومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي لفرنسا، وهي المرحلة التاريخية الحرجة التي اتخذ خلالها موران اسمًا حركيًا لازمه طيلة مساره اللاحق.
لقد استطاع موران أن يخط مسارًا علميًا وسياسيًا طبعتهما خاصية اليقظة النقدية والتحرر من الدوغمائيات الأيديولوجية، وهو ما تجلى في انسحابه النقدي المبكر من الحزب الشيوعي الفرنسي مطلع الخمسينيات، وتأسيسه لمجلة Arguments، ليتفرغ إثر ذلك لبناء نسقه الفكري داخل أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، وأسس وأدار مركز دراسة الاتصال الجماهيري، الذي تحول فيما بعد إلى مركز إدغار موران.
راكم موران منجزًا علميًا ضخمًا كسر به حواجز التصنيفات التخصصية المغلقة، وقارب إشكاليات متعددة من قبيل الإبستمولوجيا والأنثروبولوجيا والبيئة، والسياسة والتربية وعلم الاجتماع الحديث، ليتوج هذا المسار الطويل بموسوعته المركزية المعنونة بـ”المنهج” La Méthode، إلى جانب مؤلفات أخرى كـ”روح العصر” و”الأرض-الوطن”، ليغدو بذلك مرجعًا كونيًا حظي بالاعتراف والتقدير من قبل مؤسسات ومراكز بحثية عالمية، فتولى رئاسة كرسي اليونسكو في الفكر المركب، وتمّ تتويجه بعشرات درجات الدكتوراه الفخرية من كبريات الجامعات في أوروبا وأميركا اللاتينية، مخلفًا إرثًا فلسفيًا يربط البحث والتحليل العلمي بضرورة الوعي بالمصير البشري والإنساني المشترك.
راهنية في لحظة الوداع
إن رحيل إدغار موران حدث مؤلم ومفصلي، يقتضي منا على الأقل استدعاء نسقه الفكري الذي واكب تحولات امتدت لقرن من الزمان، بداية من التصدعات الكبرى التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، مرورًا بالحرب الباردة، وصولًا إلى زمن العولمة وما يحمله من هجانة، وما رافقها أيضًا من أزمات سوسيو-اقتصادية وجوائح، وتتجلى لنا راهنية هذا المفكر في قدرته على التحيين المستمر لأدواته المعرفية، متجنبًا التكلس المنهجي الذي يصيب الأنساق الفلسفية المغلقة، ليستطيع بذلك صك مقاربات إبستيمولوجية مرنة قادرة على استيعاب التحولات التاريخية والتكنولوجية السريعة، وتفكيك بنية أزمات عصرنا، وفي هذا الوضع المأزوم، تتجلى راهنية دعوته الصارمة إلى اليقظة النقدية، وهو ما يتجسد في موقفه الإيتيقي المؤصل الذي يؤسس لفلسفة الممانعة إزاء الانهيارات القيمية والمعرفية، يقول، رحمه الله:
“إن المقاومة الأولى والأساسية هي مقاومة الفكر، إنها تتطلب مقاومة ترهيب أي كذبة تُفرض كحقيقة مطلقة، ومقاومة عدوى أي انتشاء جماعي، إنها تتطلب ألا نستسلم أبدًا لهذيان المسؤولية الجماعية لشعب أو عرق ما، وتقتضي مقاومة الكراهية والاحتقار، كما تفرض الحرص على فهم تعقيد المشاكل والظواهر بدلًا من الاستسلام لرؤية جزئية أو أحادية الجانب”.
وبذلك فإرث موران لا يرتبط بمرحلة تاريخية منقضية، بقدر ما هو أداة تفكير لراهن يتسم بالسيولة والارتياب، حيث تظل حاجتنا إلى فكره ضرورة منهجية لتجنب السقوط في فخ التبسيط المخل الذي تقترحه الشعبويات المعاصرة والنزعات التقنوية.
القطيعة الإبستيمولوجية
يقوم المنجز الفكري لإدغار موران على ممارسة نقدية وجذرية للمنظومة المعرفية الكلاسيكية، وتحديدًا التي تستند إلى باراديغم ديكارت ونيوتن، والتي راهنت تاريخيًا على مبادئ التبسيط، والاختزال، والفصل الميكانيكي للظواهر عن سياقات ظهورها. ويؤسس موران مشروعيته الإبستيمولوجية عن طريق إحداث قطيعة منهجية مع هذه المقاربات التجزيئية التي تقصي العوامل الطارئة وتتجاهل الترابطات والعلاقات البينية، فيطرح الباراديغم المركب كضرورة حتمية لمقاربة التداخلات بين الأبعاد البيولوجية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تشكل الوجود البشري، ليتجاوز بهذا الطرح منطق التخصصات العلمية المنغلقة على نفسها، ليدعو إلى إقامة تجسير دائم بين التخصصات، تجسير يضمن الإحاطة بالظاهرة في كليتها الديناميكية، فيحدد جوهر هذه العملية المعرفية البديلة في قاعدته المنهجية التي تنص على أن:
“المعرفة هي القدرة على التمييز، ثم الربط بين ما تم تمييزه”.
تنص هذه القاعدة على استحالة بناء الفهم العلمي بالاستناد إلى العزل المخبري الصرف أو الفصل التعسفي بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، ويمتد هذا النقد الإبستيمولوجي إلى النزعة العلموية الحديثة التي تسعى إلى حصر الكينونة الإنسانية في معادلات خوارزمية قابلة للتوقع والضبط المطلق، ويواجه موران هذه السردية برؤية أنطولوجية تعيد الاعتبار إلى خصائص اللاحتمية والصدفة والتعقيد كعناصر بنيوية في تشكيل المصير البشري، محذرًا من التداعيات الخطيرة لاختزال الإنسان في نماذج رياضية وحسابية، وهو ما عبّر عنه في قوله:
“ما يجب ألا ننساه أبدًا هو أنه إذا تقرر أننا عبارة عن آلات، فإننا، في المقام الأول، آلات غير تافهة. إن تعذر إلغاء العارض من كل ما هو إنساني، وعدم اليقين الذي يسم مصائرنا، ولزوم ارتقاب ما لا يُرتقب، هو أحد الدروس الكبرى التي استخلصتها من تجربتي في الحياة”.
موسوعة “المنهج” كمنجز فلسفي مركزي
تأتي موسوعة “المنهج” باعتبارها ذلك الصرح الإبستيمولوجي الأضخم والمنجز الفلسفي المركزي الذي توج المسار البحثي لإدغار موران، والتي حاول فيها التأصيل المنهجي لتجاوز التصنيفات العلمية التقليدية، والتأسيس للفكر المركب الذي يروم إعادة بناء الفهم الإنساني للوجود من خلال الإحاطة بتعقيدات الكون والحياة والمجتمع. وتنتظم هذه الموسوعة في ستة أجزاء مترابطة، قام فيها بتشريح الأسس الفيزيائية والكوسمولوجية في جزء “طبيعة الطبيعة” La Nature de la nature، ودمج فيه بين مفاهيم الفوضى واللاحتمية والارتياب كعناصر فاعلة في نشأة الكون وتطوره، لينتقل إلى بيان آليات التنظيم الذاتي البيولوجي في كتاب “حياة الحياة” (La Vie de la vie)، مقررًا بذلك حتمية الاستمرارية التطورية والدينامية التي تربط المادة العضوية بسياقاتها الفيزيائية من دون الانزلاق نحو التبسيط الميكانيكي.
تستمر هذه السيرورة المنهجية لتفكيك البنيات المعرفية والعقلية، إذ يطرح الجزء الثالث “معرفة المعرفة” (La Connaissance de la connaissance) مقاربة نقدية قاسية لحدود الإدراك البشري وآليات اشتغال الذهن وشروط إنتاج الحقيقة العلمية، ممهدًا الطريق للجزء الرابع “الأفكار” (Les Idées)، الذي يؤسس لمفهوم “النووسفير” (محيط الأفكار) باعتباره بيئة إيكولوجية تتفاعل داخلها التصورات والمعتقدات وفق قوانينها الخاصة من صراع وتعايش، ويتوّج هذا التدرج الإبستيمولوجي ببناء أنثروبولوجي كامل في الجزء الخامس “إنسانية الإنسانية” (L’Humanité de l’humanité)، وخصصه لتفكيك الهوية البشرية المزدوجة المتأرجحة حتميًا بين العقلانية والجنون (Homo sapiens-demens)، وصولًا إلى الذروة الفلسفية والتشريعية للمشروع في الجزء السادس “الأخلاق” (Éthique)، الذي يطرح إيتيقا مركبة تستوعب الهشاشة الإنسانية، وتتجاوز النزعات الأخلاقوية المثالية لتؤسس لمسؤولية كوكبية واقعية ومشروطة بتعقيدات الفعل البشري ومآلاته غير المتوقعة.
وتتجلى العبقرية المنهجية لهذا المنجز في قدرته على تحطيم الحواجز الإبستيمولوجية المفتعلة بين العلوم الحقة والعلوم الإنسانية، متوسلًا بالمبادئ المركزية للفكر المركب، وتحديدًا المبدأ الحواري، والمبدأ الاسترجاعي، والمبدأ الهولوغرامي، لوضع نسق فكري يرفض الاختزال المادي ويرد التعالي الميتافيزيقي في آن واحد. وهكذا، ظهرت موسوعة “المنهج” كخارطة طريق تعيد تموضع الكائن البشري داخل نسيج كوني متشابك، مقدمة بديلًا معرفيًا يدعو لاحتواء التناقضات، وداعيةً فيها إلى أن محاولة إنتاج المعرفة تستوجب الانطلاق من الوعي بالترابط العضوي غير القابل للتجزئة بين الحتميات الفيزيائية، والتعقيدات البيولوجية، والمحددات الأخلاقية المشروطة بوجودنا الأرضي والمصير المشترك.
سياسات الحضارة ومآلات الكوكب الأرضي
ينتقل المشروع الفكري لإدغار موران من التجريد الإبستيمولوجي الصارم إلى الاشتباك المباشر مع الأزمات السوسيولوجية والسياسية والإيكولوجية التي تعصف بالعالم المعاصر، طارحًا تفكيكًا نقديًا للقصور البنيوي الذي يسم التنمية الغربية الحديثة. وقد بلور موران هذا الاشتباك من خلال مفهوم “سياسة الحضارة” (Politique de civilisation)، وهو مشروع إصلاحي كوكبي وكوني غايته تفكيك الانحرافات التي أنتجتها العقلانية الخوارزمية وهيمنة النماذج التقنو-اقتصادية الباردة. وتقوم مقاربته هذه على الرفض القاطع لاختزال الوجود الإنساني في مؤشرات النمو الكمي والاستهلاك المادي، محذرًا من تصاعد الجوانب المتوحشة للمجتمعات المعاصرة والمتمثلة في التشظي المجتمعي، وتضخم النزعات الأنانية، والانطواء الهوياتي، وخضوع الكائن البشري لمنطق الأداة. وتتحدد غاية هذا المشروع الحضاري، كما سطره موران، ضمن تصوره لإصلاح منظومة القيم العالمية، في إعادة التوازن للمسار البشري، ويقول:
“ستكون مهمة السياسة الحضارية أن تطور أفضل ما في الحضارة الغربية وتطرح عنها أسوأ ما فيها، وأن تحدث تكاملًا بين الحضارات بأخذها في الحسبان المساهمات الأساسية من الشرق ومن الجنوب”.
ويربط موران سياسة الحضارة بحتمية إعادة تأسيس الروابط الإنسانية على قاعدة التضامن والعيش المشترك، وتجاوز الأطر المؤسساتية الضيقة للتأمينات الاجتماعية إلى التضامن الأنطولوجي الملموس، ويعبر عن ذلك في أحد حواراته عن هذا المفهوم بالقول: “العيش المشترك Le convivialisme فكرة-قوة لا يمكن بدونها تأسيس أي سياسة للحضارة”. وفي امتداد عضوي لهذا النقد الحضاري، يطرح موران مفهومه المركزي “الأرض-الوطن” Terre-Patrie، والذي أسس له في مؤلفه الصادر سنة 1993 بالاشتراك مع آن بريجيت كيرن، كاستجابة علمية حتمية للتهديدات الإيكولوجية والنووية المشتركة التي تتربص بالكوكب. ويدفع هذا المفهوم إلى إحداث ثورة جذرية في الوعي السياسي، تتجاوز الانتماءات القومية الضيقة والجغرافيات المغلقة لتؤسس لمواطنة كوكبية تدرك الترابط المصيري بين الإنسانية ومحيطها البيئي، كما يرفض موران طمس الهويات المحلية أو صهرها في عولمة تنميطية، ودعا في المقابل إلى إدراجها ضمن انتماء أعم يعترف بهشاشة الكوكب ومهددات الفناء الجماعي، مؤسسًا لوعي كوكبي يرتكز على التفاهم المتبادل كوسيلة للبقاء، وهو ما عبر عنه بوضوح في قاعدته التي يقول فيها:
“إن الفهم يحمل في طياته إمكانية كامنة للتآخي، وهي إمكانية تدعونا للاعتراف بأننا جميعًا أبناء الأرض-الوطن”.
| إدغار موران (Getty, 1980) |
التلقي العربي للفكر المركب
انتقال النسق الموراني إلى المجال التداولي العلمي العربي سيرورة إبستيمولوجية خضعت لمحددات الترجمة وممكنات الاستنبات المفهومي داخل بنية ثقافية وعلمية تتسم بتجاذبات وتقاطعات منهجية حادة. ونجد في هذا المستوى مجهودًا نقليًا وازنًا نهضت به مؤسسات بحثية، على رأسها “المنظمة العربية للترجمة”، إلى جانب مبادرات قادها باحثون، خصوصًا في الفضاء المغاربي الذي كان تاريخيًا جسرًا هامًا للتفاعل مع الفرنكوفونية الفلسفية، الأمر الذي أثمر تعريب الأجزاء المركزية من موسوعة “المنهج”، ووثيقة “المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل”، وكتاب “مدخل إلى الفكر المركب”، إضافة إلى مؤلفات أخرى تناولت قضايا العولمة والسياسة الكوكبية. وتعتبر هذه التراكمات متنًا مرجعيًا باللغة العربية، أتاح للحقول السوسيولوجية والتربوية والإبستيمولوجية الانفتاح على مفاهيم التنظيم الذاتي، والارتياب، والمبدأ الحواري، والانتقال تدريجيًا إلى إدماج هذه المفاهيم في الأطاريح الجامعية والدراسات والأبحاث الاستشرافية.
إلا أن إشكالية التلقي هذه تتجاوز حدود النقل اللغوي والتبيئة المصطلحية لتصطدم بعوائق بنيوية كامنة في طبيعة الحقل العلمي العربي المعاصر، إذ يواجه استنبات “الباراديغم المركب” مقاومة مؤسساتية فرضتها استمرارية هيمنة العقلانية الاختزالية والتقسيم بين التخصصات العلمية داخل الجامعات ومراكز البحث، كما يعرقل هذا الواقع العلمي الكلاسيكي معظم المحاولات الرامية إلى تفعيل المقاربات عبر-المناهجية التي يطالب بها موران، مما يقلل من التفاعل العربي مع أطروحاته ويبقيه في دوائر التنظير المعرفي التجريدي، ويحول دون الوصول إلى المستويات الإجرائية في المختبرات السوسيولوجية أو مراكز صناعة القرار والسياسات العمومية.
ختامًا، يمكن لنا القول إن انقضاء المسار البيولوجي للمفكر إدغار موران يجب أن يكون، في الحقيقة، انتقالًا حتميًا لنسقه الفكري من طور التأسيس الفلسفي والإبستيمولوجي المتمركز حول صانعه، إلى طور الإرث المعرفي المفتوح، والمتاح للاستثمار العلمي المشروط بصرامة المنهج ودقة التطبيق. وإن تفكيك موران الراديكالي للباراديغم الاختزالي، وهندسته البنيوية لموسوعة “المنهج”، هي في الحقيقة استراتيجية معرفية متكاملة غايتها إعادة تأسيس العقلانية الإنسانية وتأهيلها لاستيعاب تداخلات الأبعاد الفيزيائية والبيولوجية والأخلاقية، متجاوزة بذلك منزلقات التبسيط الميكانيكي والعزل المخبري الصرف، كما أن إسهامات موران، رحمه الله، المرتبطة بـ”سياسات الحضارة” ومفهوم “الأرض-الوطن” هي مرجعيات سياسية وإيكولوجية تسنح لنا لتشريح المأزق الحضاري الذي أفرزته الانحرافات التنموية للنماذج الغربية المعاصرة، مما يفرض، وتحديدًا على الحقل العلمي والبحثي العربي، حتمية الخروج من دوائر التلقي الترجمي الاستهلاكي، والتوجه إلى تشغيل وظيفي واستنبات مؤسساتي لأدوات “الفكر المركب” في دراسة البنيات السوسيولوجية والسياسية والتعليمية المحلية بمقاربات عبر-مناهجية قادرة على تفكيك أزماتها المركبة.
وبناءً على ما سبق، فالباراديغم المركب هو دعوة علمية ملحة لمواصلة تفعيل آليات ومبادئ الحوارية والاسترجاعية والهولوغرامية، واعتبارها أدوات لا مندوحة عنها لفك شيفرات التعقيد المتزايد، ومجابهة حالات الارتياب والسيولة والتشظي التي تحكم عالمنا الراهن. وتظل استمرارية هذا المنهج وتطويره المستمر شرطًا قبليًا لإنتاج أي معرفة علمية غايتها مواكبة التحولات المعاصرة، وحماية المصير البشري المشترك من النزعات التقنوية العمياء والانسياقات الدوغمائية المغلقة.
* باحث مغربي، جامعة ابن زهر (أكادير).