تتنازع الشاب في مقتبل حياته على مقاعد الدراسة في كلية دار العلوم، في قسم اللغة والأدب، مشاعر واتجاهات، ما بين حب الأدب والفن، ونشاط طلبة فلسطين السياسي في مصر، الذي تحوّل بعد عقد من السنوات إلى عمل عسكريّ فدائيّ، ليضع هذا الشاب في حياة الخطر، وصولًا للحظة استشهاده.
خلال سنوات الدراسة، يتابع “الشاب صلاح مصباح خلف”، اهتماماته الثقافية، وهو يقيم في أكبر حاضرة عربية للثقافة، القاهرة، التي تضافرت مع مدينته يافا ومدينتي القدس وبيروت، في النهوض العربي الحديث، والذي أصيب في مقتل، مع استلاب يافا؛ فلم يستمر القطار على سكة حديد بيروت القاهرة، بما خرّبه قاطع الطريق من سكة الحديد من أرصفة وسكك يافا. لم يكن تخريبًا لسكة القطار فقط، بل تخريبًا للنهضة العربية في المشرق العربيّ، ليتم استنزاف الجهود النهضوية، لتأخذ مسارًا آخر، من خلال التفرغ للاشتباك مع المحتل من جهة، ثم لتصاب البلاد بفتن قادت البلاد لحكم استبداديّ، لا حرر البلاد ولا العباد.
في هذا الجزء، بدأت أفكار الشاب ومشاعره باتجاه فعل ما لمقاومة النفي والاستلاب، هو وغيره من طلبة الجامعة المثقفين على طريق النضال الوطني الذي ينتظرهم، والذي سيودي بعدد منهم، مخلفًا إرثًا وطنيًا وثقافيًا، تفاوت بين طلب وآخر، تبعًا للانشغالات الشخصية العملية والوطنية. ومن هؤلاء كان الشاب اليافاويّ صلاح خلف.
تلاقت في قلمه، وفي شخصه، الكتابات السياسية الوطنية، والثقافية التي يستلهم منها، ما يوظّفه في النضالين الوطنيّ والقوميّ.
كان كتابًا كبيرًا على الفتى الذي كنته في عقد الثمانينيات، لربما الحجم والخطّ الصغير هو ما جعلني أزهد في قراءته، ولربما أن الكتاب كان في مكتبة دار خالتي عائشة أم “فوزي”، رحمها الله، حيث يبدو أن أبناء خالتي، الذين تفصلهم عنا سنوات تفوق العشر سنوات، كانوا قد اهتموا بكتاب “فلسطينيّ بلا هوية”، الذي صدر عام 1978، وهو الكتاب الذي يحوي مجموعة من المقابلات التي أجراها المؤلف الفرنسي أريك رولو مع صلاح خلف. ما أذكره هو صورة صلاح خلف “أبو إياد”، برأسه نصف الأصلع، وبابتسامته وقميصه العاديّ. كان يعنّ لي دومًا لا تصفحَ الكتاب فقط، بل تصفّح المكتبة، والتي كنت أراها كبيرة رغم أنها كانت بضعة رفوف، أسسها ابن خالتي الأكبر فوزي، الذي وجد نفسه في كاليفورنيا بعد سنوات، يدرس ويعمل، ثم لتقوده الأقدار مرة أخرى لتأسيس مكتبة تجارية، كأنه لم يجد من السهل عليه ترك الكتب حتى وجد نفسه يمتلك مكتبة لبيع الكتب.
لم يتسنّ لي قراءة الكتاب إلا متأخرًا، وفيه عرفت الاهتمامات الكتابية والثقافية لدى القائد الوطني صلاح خلف، الذي كان قد مضى شهيدًا، في حين كنت قد اختطيت طريقي في النقد الأدبي والفني، وخصوصًا النقد المسرحيّ، ووجدت نفسي أهمس بأنه لو كانت للأقدار طريق أخرى، غير الذي كان، لكان صلاح خلف كاتبًا مسرحيًا، وربما مخرجًا محترفًا، ولكنت أكتب عن مسرحياته.
ووجدت نفسي مرة أخرى بعد عقد من السنوات، أو يزيد، مع الشاب صلاح خلف، الذي اشتهر بـ”أبو إياد”، في كتاب معين الطاهر، ومنى عوض الله “مسارات صعبة: الحركة الوطنية الفلسطينية في سيرة صلاح خلف (أبو إياد) 1933 ــ 1971″، الصادر منذ أشهر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لا لكي أكتب عن جروح الذاكرة، ولكن وجهًا لوجه مع صلاح خلف مثقفًا ومسرحيًا.
فمن خلال اللجنة الثقافية في رابطة الطلبة الفلسطينيين في القاهرة، تم تأسيس نشرتين هما “صوت فلسطين”، و”نداء فلسطين” عام 1957؛ وفي الوقت الذي قام فيه الفنان التشكيليّ الكبير إسماعيل شموط برسم صورة غلاف العدد الأول من “نداء فلسطين”، فإننا “نقرأ خبرًا منشورًا عن مسرحية أخرجها صلاح خلف مع كلمة موجزة له” (صفحة 56). ونعلم أن كلمة العدد كانت للطالب صلاح خلف رئيس الرابطة: بالوحدة والثبات لن تدوّلي يا غزة.
في الصفحة 102، من كتاب “مسارات صعبة…” نقرأ: “سخّر صلاح خلف قلمه وقدرته الأدبية لخدمة قضيته، فكتب في عام 1958 مسرحية “أيام مجيدة” التي ضمّنها ذكرياته يوم رحيله وأسرته عن يافا، وقد راجت المسرحية، وعرضت في جميع المخيمات في قطاع غزة، ثم في دول الخليج لاحقًا. وكتب مسرحية “كفاح شعب”، وهي مسرحية طويلة بلغ عدد صفحاتها 80 صفحة، وعرضت في حفل مدرسي على مسرح مدرسة بنات البريج في أيّار/ مايو 1999. وبعد مرور عام من عرض هذه المسرحية، وفي المكان نفسه، عرضت مسرحية ساخرة تناولت نقدًا للرئيس العراقي عبد الكريم قاسم…”.
ولا ننسى الجانب التعليميّ التربويّ لصلاح خلف: “ربطت صلاح خلف بتلاميذه علاقة جيدة، فكان يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وكان يقدّم لهم دروسًا إضافية إذا تطلّب الأمر، إذ يجتمعون إليه في مدرّج المدرسة ليشرح لهم مضامين المنهاج التعليمي من نقد أو بلاغة، أو يناقش معهم كتاب “عبقرية خالد”، الذي كان مقررًا عليهم، باذلًا في سبيل ذلك من الجهد والوقت، على نحو يضطره أحيانًا إلى تحمّل مشقة العودة إلى البيت بعد انصراف زملائه وحافلة المدرسين” (صفحة 102).
ونختتم برسائله الحميمة لشريكته أم إياد، خصوصًا تلك التي كتبها في سياق توقعه الاستشهاد، نشرت تحت عنوان “رسائل المحبّ إلى الأحبّ”، القاهرة، دار المركز المصري العربي 2002.
تلك جوانب تعدّ ربما بذرات إبداعية لصلاح خلف، كان يمكن أن تؤول إلى مشروع أدبي كبير، لولا نداء وطنه له، فهو حين لبّى النداء، لبّاه بكليّته، فامتزجت حياته بالثورة، وهو الذي امتزج العامل الذاتي بالوطني، من وعي ووطنية ترى الخلاص العام هو من يضمن الخلاص الشخصيّ.
إنه الاكتمال الوطني نضاليًا، وثقافيًا وفنيًا، وهو المتفاعل عاطفيًا ونفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا، كأجمل ما يكون الاكتمال والتجليّ.