-
-
1. أحمد معلا في حوار مع رفيق قوشحة، في: جريدة تشرين ، العدد 6772، دمشق ، 26 آذار (مارس) 1997.2. أحمد معلا في حوار مع خالد مجر، في: جريدة الثورة ، دمشق، 26 آذار 1997.3. سعد الله ونوس، في: الأعمال الكاملة المجلد الثالث، دمشق، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ١٩٩٦، ص. ٣٧.4. سعد الله ونوس، نقلاً عن: Judith Mille, “Saadallah Wannous, ٥٦, Arab Playwright,” على: nytimes.com. نُشرت في صيغة ورقية بتاريخ ١٧ أيار/مايو ١٩٩٧. رابط: Saadallah Wannous, ٥٦, Arab Playwright – The New York Times.5. نزيه أبو عفش، بصيص ظلام، في: كاتالوج معرض تحية إلى سعد الله ونوس، دمشق، غاليري أتاسي، 1997، ص. 11-156. ياسين الحاج صالح، السلطان الحديث: في الطائفية وخصخصة الدولة في أزمة الوطنية والمواطنة في سورية، الطبعة الأولى، بيروت، المعهد العربي للبحوث والنشر. وعمان، دار الفارس للنشر، 2020، ص 193.7. نفس المصدر.8. عبد الرحمن منيف، بين الثقافة والسياسة، الطبعة الرابعة، بيروت، المعهد العربي للبحوث والنشر، والدار البيضاء، المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع، 2007، ص 48.9. كريستيان ديماند، „Das Unsagbare wird ausgesprochen Anmerkungen zum Elend der Kritik, في : Sprache als Tarnung? Das Dilemma der Kunstkritik “ ، تحرير مؤسسة مونتاج للفنون التشكيلية في بون، ص65.10. كريستيان ديماند، Die Beschämung der Philister ،2003، هانوفر، دار تسو كلامبن، النص على الغلاف الخلفي.
-
صورة الغلاف: مشهد عام من معرض أحمد معلا «تحية إلى سعد الله ونوس» غاليري أتاسي، 1997، دمشق، غاليري أتاسي.
© Modern Art of Syria Archive, Atassi Foundation for Arts and Culture.
* * * * *
في العام 1997 افتتحت غاليري أتاسي في دمشق معرضاً للفنان أحمد معلا (مواليد 1958)، عُرض فيه – للمرة الأولى في صالةٍ سوريّةٍ – عملٌ تجهيزيٌّ (Installation)، فغطّت جدران قاعتها البيضاء اثنتا عشرة لوحة من القياس الكبير مشغولة بالأبيض والأسود. صَوَّرت هذه اللوحات مشاهد سردية مجزّأة لحشود بشرية في فوضى بصرية – وضعها الفنان داخل هياكل معمارية من سلالم وبوابات وغرف – يسير فيها البشر، يتجمعون، ينحنون أو يتوقفون وكأن التاريخ توقّف بهم. تبدو الأجساد خفيفة وطيَفية، وكأنها حُبِست في لحظة سُلِّط عليها ضوء آلة تصوير.
عمل الفنان مع منظمي المعرض على تغطية أرضية القاعة خلال مدة المعرض بمادة سوداء خشنة (يرجح أنها حصى أو زفت) وكوّموها قرب الجدران ثم وُضِعت في بعض المواقع ألواح زجاجية فوقها، وفي أخرى أحواض مُلِئت بالماء، لتعكس أجزاءً من الصور إلى الأعلى. لكن ذلك لم يكن محور العرض وجديده. فقد ارتفع في وسط القاعة عمودٌ التفّت حوله أجسام بشرية – غالباً من الجص أو الطين – بدت كأنها مربوطة إليه بحبال، شُكّلت بغير عناية فائقة وبلا إتقان مفرط، متكتّلة فوق بعضها. بدت بأفواهِها المفتوحة وأضلاعِها الملتوية وكأنها تصرخ في محاولة لتحرير أنفسها، لكنها ظلت أسيرة العمود. أحاطت هذه البانوراما البصرية، مع ما رافقها من موسيقى، زائري المعرض من كل الجهات وكأن الداخل إلى القاعة قد دخل عالمَ قصة مصوّرة أو خشبةَ مسرح، أو طقساً يُضحّى فيه بالأجساد لتخلُص الأرواح. وكما يظهر في صور الكتيب المرافق، فقد بدت غرف الغاليري مكتظّة وثقيلة الوقع على زائرها.
حمل معرض أحمد معلّا عنوان «تحية إلى سعد الله ونوس» (1941-1997)، الكاتب المسرحي السوري الذي استلهم أعماله من الحكايات العربية والفارسية والإسلامية، وجعل منها مرايا لأحداث سياسية معاصرة. كان ونوس من صاغ مفهوم «مسرح التسييس»، الذي تخطّى الدراما السياسية الكلاسيكية: فالمسرح عنده أداة احتجاج بأهداف توعوية، تستفز المتفرج وتُخاطب وعيه المدني. تظهر الجماهير في نصوصه كضحية لعنف الدولة والمجتمع، يَسهل التلاعب بها، سلبيةً في مواقفها، ومتأرجحةً في الوقت ذاته بين التبعية والخوف.
وحسب الفنان أحمد معلّا، فقد كانت الغاية الأهم من المعرض أن يفتح أفقاً جديداً لفن التنصيب في سورية. قال في لقاء صحفي: «كي لا يُساء الفهم أُوضّح بأن هذا المعرض ليس قراءة لأعمال مسرحِيِّنا الكبير سعد الله ونوس، ولا رسوماً توضيحية لنصوصه، ولا استيحاء من شخصياته، ولا مقاربة لأفكاره». 1 وشرح في تصريح آخر: «بإطار تحيتي لسعد الله ونوس حاولت الإجابة على رغبة عميقة لديه وهي أن يُشارك الجمهور بالعرض (…) أنا حققت خشبة سيدخل إليها الناس ويكونون هم أداة العرض». 2
ففي حين تميّزت صور المعرض بتقسيماتها المنظورية، إلى جانب القساوة اللونية، والتفاعل البصري بين الأبيض والأسود، بين الانسجام والتضاد ووحدة التكوين الفني والبحثي، إلا أن قيمة المعرض الأولى كانت في حقيقة دخول المشاهد في فراغ مليء بالصور وكأنه صار جزءاً منها. كانت هذه الخطوة الأهم لإدخال المشاهد السوري في تجربة جديدة من التفاعل مع العمل الفني. وهذا ما أشار إليه معلّا بإهدائه العمل إلى ونوس بالدرجة الأولى.
لكن الإشارة إلى ونوس حملت بلا شك معنىً آخر. فمن المعروف أن ونوس كان ناقداً حادّاً للنظام السياسي، ولسياسة الترهيب والتلاعب بالجماهير. كان مسرحه يُسقط السرديات التاريخية على الوضع الراهن، إسقاطاً رمزياً مباشراً على النظام الحاكم. وقد انتشر هذا النمط من الأدب في سورية – وتكثّف ظهوره لاحقاً في السينما والتلفزيون ولا سيما في الكوميديا الساخرة – حتى سقوط النظام البعثي-الأسدي انتشاراً كبيراً. وسُمح به كشكل من النقد السياسي، ولو في حدود وشروط غامضة. وسُمح للكثير من الأعمال المصورة أن تتناول الفساد الإداري والاقتصادي، الزبائنية الطائفية والعشائرية، والقمع الأمني والإعلامي، شريطة ألا تمس شخص الرئيس مباشرة.
في بحثها حول الإعلام السوري استعارت الباحثة ليزا ويدين مفهوم التنفيس لتصف هذه الممارسة الثقافية، مشبهةً الأعمال المسرحية والمصورة بصمام أمان. فالسلطة سمحت، بل ورَعَت أحياناً، هذا النوع من النقد المراقَب: ممارسات نقدية يُفترض أنها تنتقد السلطة، لكنها في الواقع تُسهم في ترسيخ هيمنتها. كان ونوس وغيره من المثقفين يُدركون هذه المفارقة: أن أعمالهم قد تُعتبر «نقداً بتكليف» أو بالوصاية. ولطالما حذّر ونوس من تحوّل المسرح النقدي إلى مجرد أداة تنفيس تُطهِّر المتفرج من مشاعر الغضب أو السخط، وتُبقيه في موقع الاحتمال والصبر. علّق ونوس:
«إذا لم يكتشف المسرح الحقيقة، أو أخطأ في تحليل الأوضاع، ينقلب أداة جهل وتضليل. وإن لم يعرف كيف يبني عمله، ويستخدم وسائله وأدواته كي يحقن المتفرج، ويحفزه إلى العمل، يتحول إلى أداة تفريغ، تطهّر المتفرجين من عوامل النقمة أو الغضب، أو القلق (…) وكان بوسعي أن أسوق أمثلة كثيرة عن مسرحيات وعروض لم تستطع أن تتبين هذا الخيط فانتهت رغم مقدماتها الحادة إلى نتيجة تخديرية، وخدمت، رغم ادعاءاتها، ما تريد أن تنقده. وفي كل هذه الأمثلة كان المتفرجون يخرجون بشوشي الوجوه، يتنفسون بصمت ومسرة، كما لو أنهم قد تركوا أثقالهم الداخلية على الكراسي قبل أن يخرجوا». 3
وأشار مرة ساخراً: «وجودي أنا بروباغاندا». 4
طُبِّق هذا الامتصاص للصوت النقدي أيضاً – بلا شكّ – على مجال الفنون التشكيلية. ففي مقدّمة كتيب معرض معلّا، مثلاً، كتب الشاعر نزيه أبو عفش (مواليد 1964) نصاً أدبياً درامياً بعنوان «بصيص ظلام». جمع النص قوة الصور الشعرية مع تأملات ثقافية-نقدية عميقة، مستخدماً تعابير مثل: «مشروع أحمد معلا رسالة موجهة إلينا (…) نحن الذين ما نزال نتثائب على شرفات سفينتنا الكونية المهددة» و«عمل ملحمي من الرهافة والقسوة»، أو «رسالة استغاثة (…) من إلياذة هوميروس (…) إلى جحيم دانتي، من حشود مايكل أنجلو المتأرجحة بين وعود السماوات وخيبات الأرض، إلى كائنات غويا المطحونة بالعذاب والحيرة، ونفاذ صبر الإنسان». كتب أبو عفش:
«أنظر إلى مشروع أحمد معلا الجديد على أنه صرخة تضرّع أخيرة يُطلقها الإنسان من علياء كوكب يتصدع. رسالة استغاثة باسلة ولكنها يائسة يلقيها داخل زجاجة ما، آخر بحار على سطح سفينة تغرق. (…) إن أحمد معلا، (…) يترك بصمات، آثاراً وشاخصات تدل على عصر وثقافة ورياضات فكرية وروحية لجنس بشري حكم عليه بالإخصاء والصمت وضمور غدة الجمال: حكم عليه أن يظل حلزوناً قانعاً بظلام قوقعته وأنفاقه التعيسة التي يتمترس بها داخل التراب (…) في تأليفه الصارم والحر لا يبدو أنه يخترع وجوهاً لبشر (…) بل يكتفي بكسر القشرة ورفع القناع عن وجوه بشر محتشدين أصلاً على سطح اللوحة أو سطح الحياة». 5
يعكس هذا النص الدرامي جواً عاماً من الاستسلام والسوداوية، طبع الخطاب الثقافي السوري آنذاك، وملأته تعابير الألم والخيبة والخوف. وكما في مسرح ونوس، لم تُفضِ صور معلا أو السردية الصورية للألم إلى أمل أو نهضة، بل إلى عجز مُثقل بالشّعرية. عملت صور الألم في النهاية – رغم كثافتها – كمساحات تطهير عاطفي، تَصدم الجمهور لكنها لا تُحرّكه. إنها تنفيس جمالي: إظهار مُراقَب للألم، يسمح لنا بالتعاطف لكنه لا يقودنا مباشرة إلى الثورة.
تُولّد أعمال معلّا، إلى جانب نص أبو عفش، جمالية مخنوقة: مناشدة بصرية، مُعدّة سلفاً لتختفي في صمتها. تُشير تعابير مثل «الصرخة الأخيرة من علياء كوكب يتصدع» و«الاستغاثة داخل الزجاجة» إلى خطاب سُمِح به أصلاً لأنه بقي معزولاً بطبيعته الفوقية. وكما لاحظ ونوس أن جمهور المسرح يخرج «مرتاحاً» لا «متمرّداً»، كذلك الألم يخرج في سياق الفن إلى التأمل الصامت لا إلى الفعل الجماعي. وقد أمكن للسلطة أن تتسامح مع هذه الجماليات اليائسة، لأنها لا تُهددها: إذ تُحوّل الألم إلى جمال، والمقاومة إلى مجرد صورة. فالصوت النقدي مسموع ومرئي، لكنهُ مسلوبُ القوة.
لغة الفن والصورة التي لا تتكلم
يعكس نص أبو عفش أيضاً الانغلاق الثقافي في سورية الأسد. فقد واجهت الإنتاجات الثقافية عوامل شتى دفعتها نحو العزلة: من مقاطعة إعلامية خارجية، إلى شُحّ رغبة النظام السوري بالتبادل الدولي، ما قزّم أفق الثقافة السورية. كانت بيروت بالنسبة لكثير من الأصوات البديلة ملاذاً، لكونها نقطة وصل بين العالم العربي والغرب، ووجهةً لا تحتاج لإصدار تأشيرة. وبينما حصل طلبة الفنون في الخمسينيات والستينيات على منح دراسية للتخصص في الخارج والعودة لاحقاً للتدريس في المدارس السورية، عاش أغلب الفنانين السوريين الذين تواجدوا في الخارج في عهد الأسد في المنفى، مُستبعَدين من الحياة الثقافية في الداخل السوري.
أضف إلى ذلك أن الحدود بين المشهد النقدي المستقل والمشهد الرسمي كانت ضبابية: فوزارة الثقافة حضرت تقريباً في كل الفعاليات، وشاركت في تنظيم المعارض، وأشرفت على النصوص. وفي المقابل، تبنّت الوزارة نفسها لغة الفنانين. فكثير من المثقفين كانوا ينتمون إلى جيلٍ آمَن بالمشاريع الأيديولوجية الكبرى – ماركسية، أو قومية، أو اشتراكية – ورأى نفسه جزءاً من ثقافة عربية أشمل، لا مجرّد انعكاس للواقع السوري المحلي. ومع أنهم كانوا ناقدين أحياناً، إلا أنهم وجّهوا سهامهم مراراً نحو الأعراف المحافظة والدين، أكثر من قمع السلطة السياسي. 6 على الضفة الأخرى، كان الإسلاميون يشكّلون قوة معارضة رئيسية، رافضين الفن التشكيلي لاعتبارات عقائدية وفكرية (ارتباطه بالغرب، بالإلحاد…). وهكذا، غالباً ما نظر الجمهور المحافظ إلى الفنانين كجزء من نخبة متعالية منعزلة.
إلى ذلك، عزّزت المحسوبية والفساد الوظيفي الضغط على المثقفين العاملين في المجال العام: مَن نُقل من وظيفته، ومَن حُظر من الكتابة، ومن مُنع من النشر أو العرض. كما أدى التهميش والسجن والتعذيب المتزايد في سورية إلى إنهاك عامّ. يصف ياسين الحاج صالح الحال: «خسرنا الحماسة وروح التحرر والتجديد. لم يعد لدينا مشروع تغيير شامل» 7 فقد تراجعت مكانة الثقافة، وهُمّش المثقف.
وهنا يُمكننا النظر في نص أبو عفش مجدداً. فبينما حاول العمل الفني في سورية أن يُعبّر رمزياً وبصرياً، امتلأت النصوص المصاحبة – النقدية والصحفية – بلغة مفرطة الزخرفة، رنّانة لكنها مهترئة المفردات، بعيدة عن التداول اليومي. صُوِّر الفنانون كأبطال شبه خارقين، وتداولت النصوص عبارات مثل: «ضمور غدّة الجمال»، «من أعالي كوكب يتصدع»، «هذيان كوني»؛ بلاغة مبالغ فيها ليست موجهة إلى عامة الناس بل إلى الأصحاب من المثقفين وكأنهم في مباراة لاستحضار المفردات واستعراض البلاغة.
قد تُشير هذه الظاهرة في أصلها إلى جوهر مفهوم الثقافة بمعناها الريادي، كما هو معروف عالمياً، بمعنى تقويم ما هو معوجّ. فقد عمل الفنانون السوريون كثيراً مع الشعراء والموسيقيين أو الكتّاب في مشاريع أو فعاليات ثقافية. وقد اعتبر هؤلاء أنفسهم، منذ القرن التاسع عشر، جزءاً من حركة تقدّمية تبنّت برنامجاً للتحديث والعقلنة بحسٍّ تبشيري وتعليمي، وغالباً في تقارب أيديولوجي مع برامج سياسية أرادت النهوض بالشعب والدولة. في الفترة السابقة من تاريخ سورية رأى المثقفون أنفسهم – وخصوصاً منهم ذوو التوجّه اليساري – مناضلين من أجل الطبقات العاملة والمهمَّشة، مستعدين للتضحية من أجل تمثيلها والكلام نيابة عنها، ونقّاداً لسلطة استبدادية قائمة، لكنهم في الوقت نفسه أُمناء على أكثرية محافظة، اعتُبرت بحاجة إلى التنوير.
غير أنّه، وإذا نظرنا إلى الفضاء الفني السوري في سياقه العولمي، وجب علينا الاعتراف – تماماً كما في تاريخ الفن الغربي – بأن الفن قد حُمِّل صفات جعلته يرى نفسه أسمى، ووصف نفسه بصورة الحقيقة والخير والكمال المُطلق. هذا الفهم النخبوي للفن رفعه فوق ذائقة الشارع، ولا يخلو الفن المعاصر اليوم – حتى بعد ثورة الفن لأجل الفن – من تعريف الذات هذا. هكذا وصف الكاتب عبد الرحمن منيف مثلاً الإبداع عام 1998 بأنه تعبير عن «الجمال، والمحبة، والحرية، والكرامة، والعدالة». 8
يُذكّرني نص أبو عفش أيضاً بما وصفه الناقد الألماني كريستيان ديماند في نقده للغة النقد الفنية المتعالية التي تضع نفسها فوق قارئيها. يكتب ديماند ساخراً:
«هناك فرق في المستوى لا يمكن تجاوزه بين الفن (وأصدقائه) من جهة والجمهور […] من جهة أخرى. فالجمهور يعيش في عالم دنيوي تحكمه الأغراض والحاجات، وهو يوجّه إليه شتى المطالب. أمّا الفن فيؤسس لمملكة خاصة، خارج الدنيوي. وعلى حدوده ينتهي حقّ الجمهور في أن يطالب، أو بالأحرى: ينتقل هذا الحق هنا إلى الفن، الذي يصبح بدوره صاحب الحق في أن يطالب الجمهور». 9
ينتقد ديماند في كتابه (Die Beschämung der Philister) اللغةَ المبهمة أو المتعالية التي تتناول الفن في الخطاب الغربي عبر المقالات الصحفية النقدية أو الكتب أو نصوص كتيبات المعارض. وهو يُعلّق، كما ورد على غلاف كتابه: «كلما كان الإطار الذي يظهر فيه منشورٌ حول الفن أكثر مهنية، وكلما كان أقرب إلى مؤسسات عالم الفن، ازدادت احتمالية أن نصادف فيه مقالات انفعالية عن التجربة الفنية، وصياغات واهية مستهلكة، ومحاكاةً للعمق الفكري». 10
لكن هل يُمكن إسقاط هذا النقد على الحالة السورية؟ ربما. لكننا نستطيع التفكير في سياق آخر: فالنبرة المبالغ فيها كانت عملية تجميلية لا محالة، لكنها قد تُقرأ كعلامة على العجز عن الكلام. في سورية الأسد، هي إستراتيجية للالتفاف على الحقيقة: لغة تضخمت لتتجنّب قول ما لا يُقال. قد تكون صورة لبقايا وهم الاستقلال الفني، أو عجزاً عنه. تبدو رفيعة لكنها بلا مضمون، ازدهرت في عالم يُجرَّم فيه التعبير وتُراقَب الكلمة، فتحولت نفسها إلى المبالغة والتزيين، ليكون في تهويلها فراغُها. وأصبح الإفراط شيفرةً لخواء المضمون، وهنا تكمن ازدواجية التراجع الثقافي في سورية: لا في الأزمة الأخلاقية لمشهد ثقافي يُؤلّه ذاته فقط، بل في العجز عن مساءلة الذات أيضاً، فتحولت اللغة الفنية النخبوية إلى قوقعة خاصة بأهلها، صيغة لغوية جَمَّلت ما تريد قوله دون أن تضع إصبعها في عينه. بدت سامية، لكنها لم تقل شيئاً.
-