
لم تعد معركة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع دمشق محصورة في شكل الدمج العسكري، أو في مصير السلاح، أو في حدود الإدارة التي كانت تسيطر عليها في شمال شرقي سوريا. فبعد تمدد النفوذ على مساحة الأرض وعدد المقاتلين والمؤسسات، تنتقل المعركة اليوم إلى مساحة مختلفة: السياسة، والعلاقات، والمجتمع المدني والقدرة على بناء حضور داخل العاصمة.
وأفاد مصدر خاص “المدن”، بوجود أكثر من خمسة وعشرين منظمة وجمعية ومؤسسة مرتبطة بمنظومة الإدارة الذاتية السابقة، تنشط في دمشق. ولفت إلى أن بعضها يعمل في المجال الثقافي، وبعضها في التنمية والعمل الشبابي والنسوي والمجتمع المدني، إلى جانب مكاتب لأحزاب مرتبطة بمجلس سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي.
ومن بين المؤسسات التي أوردها المصدر: “مؤسسة ستار”، الذراع النسوي لمنظومة حزب العمال الكردستاني والتي كانت معروفة باسم (مؤتمر ستار أو كونكرا ستار)، و”مؤسسة زنوبيا”، إضافة إلى “مؤسسة نجم الشباب للتنمية”، و”مؤسسة صلاح الدين الأيوبي الثقافية”، و”مؤسسة يراع وإبداع”، و”جمعية الملهمون”، و”فريق برو تيم”، و”فريق مرساة الساحل” ومجلس المرأة السورية.
لكن اللافت ليس عدد المؤسسات وحده، وإنما المسار الذي تسلكه هذه الشبكة بعد انتهاء الشكل السابق للإدارة الذاتية وقسد.
كما أبلغ المصدر “المدن”، بأنه تم تغيير اسم ممثلية الإدارة الذاتية في دمشق إلى “المجلس الكردي السوري للعلاقات”، في خطوة تبدو للوهلة الأولى إدارية، لكنها تحمل في مضمونها تحولاً سياسياً أوسع.
الإدارة انتهت لمن السياسة مستمرة
وارتبط اسم الإدارة الذاتية بكيان سياسي وإداري واضح، له جغرافيا ومؤسسات وأجهزة وقوى عسكرية وأمنية على مساحة جغرافية 53 ألف كم مربع من مساحة سوريا، أما “المجلس الكردي السوري للعلاقات”، فهو اسم مختلف في دلالته ووظيفته لا يتحدث عن إدارة ولا يتحدث عن سلطة محلية ولا يحيل إلى مؤسسة تحكم منطقة جغرافية، بل يتحدث عن “العلاقات”، وهذا التفصيل الصغير قد يكون أحد مفاتيح فهم المرحلة الجديدة، فإذا كانت الإدارة الذاتية قد انتهت كهيكل سياسي وإداري، فإن القوى التي نشأت داخلها ستواجه سؤالاً أساسياً: ماذا تفعل بكل الرصيد السياسي الذي راكمته خلال سنوات؟ فهو محاولة للانتقال من تمثيل كيان إلى تمثيل مصالح وقضية سياسية.
دمشق بدلاً من الخارج
في السنوات الماضية، كان جزء كبير من النشاط السياسي المرتبط بالإدارة الذاتية يتحرك من خارج مركز الدولة، أو عبر قنوات دولية وإقليمية، بينما كانت العلاقة مع دمشق قائمة على التفاوض بين مركز يملك مؤسسات الدولة وقوة محلية تملك الأرض والسلاح.
أما اليوم، فإن إدخال التمثيل السياسي الكردي إلى العاصمة يعني أن المعركة تنتقل إلى المكان الذي تُصاغ فيه القوانين والقرارات. إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة كتابة قواعد العلاقة بين المركز والمناطق، فإن وجود ممثل سياسي كردي في دمشق يصبح أكثر أهمية من وجود مكتب يمثل إدارة محلية في الخارج.
ولا يعني وجود جمعية ثقافية أو منظمة شبابية أنها تعمل بالضرورة كذراع سياسي لقسد. ولا يمكن افتراض أن كل شخص يشارك في نشاطاتها مرتبط بالمشروع السياسي لقسد.
التمثيل الكردي.. العقدة التي لم تُحل
ظهور “المجلس الكردي السوري للعلاقات” يفتح مشكلة أخرى لا تقل أهمية: من يمثل الأكراد؟
إذا كان الإطار الجديد امتداداً للبيئة السياسية التي كانت مرتبطة بالإدارة الذاتية وقسد، فسيكون عليه أن يجيب عن سؤال الشرعية التمثيلية. فالمجلس الوطني الكردي اعترض في مراحل سابقة على احتكار قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي للتمثيل الكردي والتفاوض باسم الأكراد.
لذلك فإن أي جسم جديد يحمل عنواناً كردياً واسعاً سيكون أمام خيارين: إما أن يتحول إلى مساحة تجمع القوى الكردية المختلفة، ويقدم نفسه كعنوان تفاوضي أوسع. أو أن يبقى مرتبطاً بطرف سياسي واحد، وعندها قد يتحول الاسم الجديد إلى نسخة أخرى من الخلاف القديم.
بالنسبة إلى دمشق، هناك فارق كبير بين التعامل مع إدارة تمتلك مؤسسات وقوات، وبين التعامل مع مجلس سياسي يتحدث عن الحقوق والعلاقات. فالإدارة الذاتية كانت تطرح مشكلة سيادية أما المجلس السياسي فيمكن التعامل معه ضمن أدوات السياسة وهذا قد يكون أحد أسباب أهمية التحول في الاسم.
قسد لا تحاول فقط الحفاظ على ما تبقى من نفوذها في مناطقها السابقة إنها تحاول نقل جزء من أدواتها إلى العاصمة، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تكون معركة بين دمشق وقسد بالمعنى القديم. قد تصبح معركة داخل الدولة نفسها حول تعريف الحقوق، والتمثيل، واللامركزية، والهوية، وشكل المؤسسات وهنا سيكون النفوذ المدني والسياسي أكثر أهمية من عدد المقاتلين.