
بالرغم من نفي الحزبين الرئيسين في إقليم كردستان، التوصل لأي اتفاق بينهما على تقاسم المناصب في أربيل وبغداد، إلا أن مصادر سياسية مطلعة على نتائج الاجتماع الأخير بين الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني وبافل طالباني، كشفت، اليوم الخميس (12 شباط فبراير 2026) تفاصيل التفاهمات المتقدمة بين الطرفين بشأن الخلافات السياسية العالقة، وفي مقدمتها منصب رئاسة الجمهورية.
تفكك حالة الجمود
وتقول المصادر لـ”العالم الجديد”، إن “اللقاء شهد نقاشاً معمقاً حول الملفات الخلافية التي تراكمت خلال المرحلة الماضية، وأن الجانبين توصلا إلى تفاهمات جيدة، وضعت أساساً جديداً لإعادة تنظيم الشراكة السياسية في بغداد وداخل إقليم كردستان، ما قد يُنهي حالة الجمود التي رافقت عمل مؤسسات الإقليم خلال الفترة السابقة”.
وبحسب المصادر، فقد “جرى خلال الاجتماع الاتفاق المبدئي على توزيع المناصب الأساسية في إقليم كردستان، حيث سيؤول إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني شغل مناصب: رئاسة إقليم كردستان، ورئاسة حكومة الإقليم، إضافة إلى رئاسة مجلس أمن الإقليم، ووزارة الداخلية في حكومة الإقليم”.
واجتمع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وبافل جلال طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، في أربيل، أمس الأربعاء، وبحسب المعلومات، جرت مباحثات حول مرشح رئاسة جمهورية العراق وتشكيل الكابينة الجديدة لحكومة إقليم كردستان.
وكانت مصادر مطلعة أخبرت ”العالم الجديد” أمس الأول الثلاثاء (10 شباط فبراير 2026)، إن “وساطة أمريكية نجحت في تقريب وجهات النظر بين الحزبين، وتم بموجبها التوصل لاتفاق حاسم، يفترض أن يتم توقيعه الأربعاء أو في الوقت القريب.
مناصب قيد النقاش
وتوضح المصادر، أن “الاتحاد الوطني الكردستاني سيحصل على المناصب السيادية المرتبطة بالتمثيل الكردي في بغداد، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية، أو وزارة المالية، فضلاً عن منصب رئيس برلمان إقليم كردستان”.
وتضيف أن “المناصب الأخرى، سواء كانت داخل حكومة الإقليم أو في المؤسسات التنفيذية والتشريعية، ما تزال قيد النقاش، على أن يتم الاتفاق عليها خلال الاجتماعات اللاحقة، ضمن إطار يضمن توازن الشراكة السياسية بين الطرفين، ويعكس نتائج التفاهمات الأخيرة”.
ونفى المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني، كاروان كزنيي، في بيان أمس الأربعاء، إبرام اتفاق تقاسم مناصب في الاجتماع بين بارزاني وطالباني، وعلى الرغم من وصفه الاجتماع بالإيجابي، إلا أنه نوه إلى أن أي اتفاق يجري التوصل إليه سيُعلن للرأي العام بـ”شكل رسمي”.
إطار تنسيقي كردي
وفي هذا السياق، يقول شيركو رؤوف باحث ومحلل سياسي في حديث لـ”العالم الجديد”، إن “الحديث الآن يدور حول تفعيل أو إنشاء مجلس سياسي كردي على غرار المجلس الموجود في الإطار التنسيقي والمجلس السني، بحيث يكون هناك مجلس سياسي كردي يترأسه السيد الرئيس مسعود بارزاني ويضم قادة الأحزاب الكردية الأخرى من ضمنها اليكيتي والأحزاب الإسلامية الموجودة في كردستان”، مبينا أن “هذا المجلس إذا ما تم تفعيله، وإذا ما كانت القرارات داخله تتخذ بالإجماع وبالأغلبية فإن الاتفاق إذا ما وصل اليكيتي والبارتي إليه لا يعد هدنة، بل يكون اتفاقاً جذرياً ومبنياً على أسس جوهرية، منها تشكيل حكومة كردستان وكيفية إدارة ملف كردستان من النواحي الاقتصادية والسياسية ثم رئاسة الجمهورية”.
اجتماع قمة ثالث
ويتابع رؤوف أنه “إلى حد الآن لم يتم الحديث عن أن البارتي يدعم مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني أو بالعكس، إنما هناك تفاهمات”، مشيرا إلى أن “الاجتماع الثالث المرتقب في منتصف الأسبوع القادم، سيكون اجتماع قمة بين البارتي واليكتي في مصيف صلاح الدين، حيث سيضعان النقاط على الحروف، لأن الاتفاق ما يزال منعدماً، لكن كل التصريحات السياسية حتى الآن وصفت اجتماع القمة الثاني من نوعه بأنه كان إيجابياً جداً”.
ويستطرد أنه “بعدما يصل الحزبان الكرديان الرئيسيان في كردستان، اليكتي والبارتي، إلى اتفاق سياسي مبدئي على أيديولوجية اتفاقية استراتيجية كانت قائمة في زمن جلال طالباني، فإن هذا الاتفاق إذا ما تم إحياؤه سيؤثر على الثقل الكردي في بغداد في اختيار رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء”، معتقداً أن “الكرد الآن في موقع حل، لأن الإطار التنسيقي لم يحسم حتى الآن الدخول بالسيد نوري المالكي رغم كونه المرشح الوحيد، وأن التأخير في اختيار رئيس الجمهورية يتعلق أكثر بالإطار التنسيقي وبالشيعة، فيما الكرد يوسعون مساحتهم في التفاوض”.
دور أمريكي إيجابي
وينبه المحلل السياسي إلى أنه “لا يمكن إغفال وجود دور للأمريكان، الذين يمارسون ممارسات إيجابية لتوحيد الصف الكردي ووصول اليكتي والبارتي إلى اتفاق في إقليم كردستان لتشكيل حكومة الإقليم، ثم الذهاب بمرشح واحد”، مستدركاً أنه “في حال عدم الاتفاق والذهاب إلى البرلمان بأكثر من مرشح، فإن مجلس النواب أو الفضاء الوطني هو من سيقرر من يكون رئيس الجمهورية، كما يتم تكليف رئيس الوزراء”.
ويرى رؤوف أن “عدم حسم اختيار رئيس الجمهورية حتى هذه اللحظة يمنح فرصة أكبر للإطار التنسيقي للوصول إلى تأكيد المضي بالسيد المالكي، كما أن الأمر يرتبط بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية في جولتها الثالثة، التي يقال إنها قد تعقد في جنيف، لأن الفاعل الإقليمي يبقى مؤثراً، سواء إيران أو سوريا أو دول الخليج، إضافة إلى الأتراك”.
ومن الجدير بالذكر، أنه بعد انتخابات البرلمان في تشرين الثاني نوفمبر 2025، خاض الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، جولات عديدة من التفاوض، لإنهاء الانقسام الكردي، لكن هذه المرة على مناصب حكومة بغداد إضافة إلى أربيل، حيث يتصارع الحزبان للفوز بمنصب رئيس الجمهورية الذي قضت التوافقات العراقية أن يكون من حصة المكون الكردي.
لكن كل جلسات التفاوض التي جرت، بين اللجان الحزبية وبين كبار القيادات، فشلت في انهاء الخلافات التي تتركز على عدة مناصب قيادية ووزارية، هي رئاسة الجمهورية، رئاسة اقليم كردستان، وزارة الداخلية، رئاسة مجلس أمن كردستان.
وحذر الكاتب والصحفي الكردي سامان نوح، في تقرير سابق لـ”العالم الجديد” (10 شباط فبراير 2026)، من أن “فشل الاتفاق الكردي على مرشح واحد ذو خبرة سياسية واسعة وكاريزما قوية، سيكرر السيناريو السابق، والنتيجة مزيد من الأزمات في إقليم كردستان، ومزيد من التراجع في الحضور الكردي ببغداد”.
وحصل الاتحاد الوطني الكردستاني خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة على 18 مقعداً، فيما حصل الحزب الديمقراطي على 28 مقعداً.
وبحسب العرف السياسي في العراق، فإن منصب رئيس الجمهورية يذهب للمكون الكردي، بينما تذهب رئاستا الحكومة والبرلمان إلى القوى الشيعية والسنية، ضمن صيغة محاصصة تكرس نفسها في كل دورة انتخابية.