بشير أمين ـ كاتب سوري،، موقع درج
إعلان حل “قسد” يصدر من القصر الجمهوري في التوقيت نفسه الذي تُرفع فيه العقوبات عن سوريا، وتخرج فيه تصريحات الشيخ الهجري بنبرة متقاربة مع إسرائيل. ثلاثة خيوط تبدو منفصلة، لكنها تلتقي جميعاً عند سؤال واحد: من صمّم هذا التوقيت، ولمصلحة من؟
سواء شاءت المصادفات أو تقاطعت سيناريوهات السياسة، فإن تزامن إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية من القصر الجمهوري مع إزالة سوريا من قائمة العقوبات، وتصريحات الشيخ الهجري المغازِلة لإسرائيل، هو حدث يستحق الوقوف عنده طويلاً. فإعلان حل قسد لا يمكن قراءته خبراً معزولاً عن سياقه، ولا حتى بوصفه نهاية طبيعية لمسار اندماج بدأ قبل عام. إنه لحظة تستحق أن نسأل فيها: لماذا وصلت قسد إلى هذا القرار تحديداً الآن؟ ومن الذي خسر فعلاً حين ذهبت إلى دمشق؟
قسد لم تكن يوماً فصيلاً سورياً صغيراً نشأ كعرض جانبي للحرب السورية، بل هي أحد التفرعات الوليدة عن حزب العمال الكردستاني، ولها علاقات متجذّرة ومتشابكة في المنطقة، وحليفة للولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي طيلة عقد من الزمن. وبعد قرابة عامين من الصد والرد، والمعارك العسكرية والإعلامية، وتريندات مواقع التواصل الاجتماعي، فإن قراراً بهذا الحجم لا يمكن أن يُفهم إلا بالعودة إلى الوراء، إلى نقطة قد تكون هي المفتاح الحقيقي لكل ما تلاها.
نقطة العودة: أنقرة تجهّز لما بعد الأسد
لعلّ شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2024 هو نقطة عودة جيدة لوضع هذا القرار في سياقه السياسي والتاريخي، حين أعلنت تركيا إطلاق “عملية السلام” مع حزب العمال الكردستاني عبر دولت باهجلي، زعيم الحزب القومي وحليف الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان، وذلك قُبيل سقوط نظام الأسد بأسابيع قليلة. ولطالما ربط المراقبون هذه الخطوة برغبة أردوغان في كسب الأصوات الكردية قبيل معركة انتخابية إضافية يستميت لخوضها، لكن توقيت الدعوة الى عملية السلام يشير أيضاً إلى أن تركيا كانت تحضّر مسبقاً لفترة ما بعد سقوط نظام الأسد.
فهذا الفراغ السياسي الذي انفتح في دمشق، والتراجع المتسارع لنفوذ إيران أمام الضربات الإسرائيلية، كشفا عن منافسة تركية-إسرائيلية على النفوذ في سوريا. ولم يكن أمام تركيا خيار أفضل من عقد صفقة مع عبدالله أوجلان وإعادة إحياء عملية السلام، بعد محاولات كثيرة فاشلة في السابق، لتصنع بذلك سداً منيعاً: حليف في دمشق، وجبهة كردية مهدّأة في الداخل التركي، وصولاً إلى فتح قنوات تواصل بين الشرع وحزب الله.
وتصحّ هذه النظرية إذا سلّمنا بأن أوجلان اصطفّ مع المحور التركي في مواجهة المحور الإسرائيلي. وهناك إشارات عدة تدعم انضمام أوجلان الى هذا التحالف، وإن ظل من غير المعروف تماماً لماذا قد يوافق حزب العمال الكردستاني على تسهيل معركة كهذه لأردوغان.
لماذا قد يقبل أوجلان بما قد لا تقبله قسد
قد يكون من المنطقي أن يوافق حزب العمال الكردستاني على هذا العرض مقابل مكتسبات للقضية الكردية داخل تركيا، يقودها حزب “دم بارتي”، بخاصة أن إقليم كردستان العراق حليف اقتصادي قوي لتركيا، وأن المعارضة التركية نفسها لم تُبدِ انفتاحاً يُذكر على الأكراد. في مقابل ذلك، تصبح ممانعة أنقرة ومقاومتها مخاطرة مكلفة، بل حصاراً. لكن بالنسبة الى قسد، يبدو أن المسألة كانت مختلفة قليلاً، وهناك أكثر من إشارة تجعلنا نعتقد أن قسد دُفعت نحو هذا الاندماج، ولم تختره بحرية.
أولاً، بعد اتفاق آذار/ مارس كانت قسد لا تزال تتعامل بندّية مع السلطة السورية الجديدة، وتضغط باتجاه نظام فيدرالي ديمقراطي، مستندة إلى مناطق واسعة تحت سيطرتها وإلى أعداد مقاتليها، ومعاندة مسار السلام بين العمال الكردستاني وأنقرة.
ثانياً، بنت قسد تحالفات مع الدروز والعلويين في سوريا، وشرعت في بناء جبهة موازية لجبهة السلطة في دمشق، فيما كانت دمشق تحاول أن تُرقّع صورتها بعد المجازر المرتكبة بحق العلويين والدروز، وتعاني ضعفاً واضحاً في تقديم ما يجعل منها سلطة قادرة فعلاً على إدارة المرحلة الانتقالية.
ثالثاً، تصريحات مسؤولة العلاقات الخارجية في قسد، إلهام أحمد، بأن هذا الاندماج حصل “بالغصب”. وقد أوضحت في مقابلة لاحقة أنّ هذا الدمج فُرض عليهم، إذ كانوا يسعون إلى مسار أكثر ديمقراطية وشمولاً للأكراد، يضمن حقوقهم الدستورية، وحقهم في تعلّم اللغة الأم، وصولاً إلى تغيير اسم الجمهورية.
هذه الإشارات مجتمعة تدفعنا الى الاعتقاد بأن قسد كانت لا تزال تراهن على مكاسب أكبر من تلك التي أرادت تركيا فرضها عبر اتفاقها مع أوجلان، وأن القرار النهائي بالحل لم يكن نتاج تفاوض ندّي، بل نتيجة ترتيب إقليمي أكبر منها، صيغ فوق رأسها لا بمشاركتها، خصوصاً حين تُركت تقاتل وحدها في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وخسرت مناطق واسعة في هزيمة مفاجئة، من دون أن يعترض حلفاؤها الدوليون بشكل يُذكر.
من الخائن؟
في 10 آذار/ مارس 2025، حين وقّع مظلوم عبدي اتفاقاً مع الشرع حول دمج قواته في الدولة حديثة التشكل، اتُّهم الشرع بأنه مدّ يد العون لقسد في محاولة لتعويم نفسه بعد مجازر الساحل السوري، في حين اتُّهم عبدي، في المقابل، بإنقاذ الشرع نفسه في لحظة رآها كثيرون أقرب إلى احتمال سقوطه منها إلى ضمان بقائه. وهذا التفصيل مهم، فالاتفاق الذي يُقدَّم اليوم كخطوة نحو “دولة موحدة” يراه كثيرون خيانة للقضية الكردية وحلمها التاريخي، ويراه أيضاً سوريون علمانيون خيانة لمسار الديمقراطية ودماء آلاف الشهداء.
من هنا يصبح التزامن الأخير لافتاً بامتياز: إعلان حل “قسد” يصدر من القصر الجمهوري في التوقيت نفسه الذي تُرفع فيه العقوبات عن سوريا، وتخرج فيه تصريحات الشيخ الهجري بنبرة متقاربة مع إسرائيل. ثلاثة خيوط تبدو منفصلة، لكنها تلتقي جميعاً عند سؤال واحد: من صمّم هذا التوقيت، ولمصلحة من؟
هل خان الأكراد؟ هل خانت الديمقراطية؟
في الإجابة يمكن تفكيك السؤال على مستويين: على المستوى الكردي، حاولت قسد أن تسلك مساراً خارج مسار حزب العمال الكردستاني، حين ناور مظلوم عبدي بأن قوات قسد ليست جزءاً من منظومة حزب العمال الكردستاني، وصرّح بأن مسار السلام في تركيا إيجابي لكن لا يعنيهم في مسألة ترك السلاح ورفع سقف مطالبه. إلى أن دفعت تركيا نحو إخضاعها بالقوة. ولا يمكن القول هنا إن عبدي خان قاعدته الشعبية، لأن الخيار البديل لديه كان القتال وخوض معارك تنتهي بمصير مشابه لمصير حركة حماس أو حزب الله. وما حققته قسد، بجميع الأحوال، من خلال هذا الدمج، يضاهي ما طالب به مجموع الأحزاب القومية الكردية في وثائق التفاهم ومفاوضاتها مع قوى المعارضة السورية خلال سنوات الحرب. ربما ينقصه التثبيت الدستوري، الذي يراه عبدي متروكاً لمسار معركة سياسية سلمية مع نهاية فترة الحكم الانتقالي والخلاص لدستور دائم للبلاد.
أما على المستوى السوري العام، فيمكن الحديث بشكل أكبر عن تخلي قسد عن الديمقراطية واللامركزية التي سعت إليها، وعلّقت عليها آمالاً أيضاً مكونات أخرى من الشعب السوري. فنرى قسد التي كانت تدعو الهجري إلى مؤتمر وطني عام، تدعو اليوم عبر تصريحات مسؤوليها إلى إمكانية سلوك مسار شبيه استعصاء السويداء.
في الواقع، هذا التخلي عن الديمقراطية ليس مفاجئاً على الإطلاق بالنسبة الى قسد. فهي تقرأ المشهد الإقليمي والداخلي، وترى أن من مصلحتها الحفاظ على قوامها البشري وبناها التحتية لفترة أكثر استقراراً، وفتح الباب أمام الاستثمارات الاقتصادية، بدلاً من التركيز على فكرة الديمقراطية، فيما تخلّت عنها القوى السياسية السورية نفسها أصلاً. فمنذ وصول السلطة السورية الجديدة، لم تطرح هذه السلطة أي برنامج جاد للانتقال نحو الديمقراطية، ومع ذلك طبّعت معها معظم الشخصيات السياسية والثقافية والمنظمات، بما فيها ما كان يُعرف بأحزاب وتكتلات سياسية قبل سنوات قليلة.
بهذا المعنى، لا يبدو أن “الخيانة”، إن صح استخدام هذه الكلمة، فعل فردي قام به هذا الطرف أو ذاك بقدر ما هي نتيجة حتمية لمعادلة قوى لم تكن قسد فيها صاحبة القرار الأخير، على رغم عقد كامل من النفوذ العسكري والسياسي. فعلى المستوى الكردي، بدا الخيار محدوداً أصلاً بين الاندماج أو الفناء. أما على المستوى السوري العام، فإن الديمقراطية التي وُعد بها في مشروع الفيدرالية لم تُخن بقرار مباغت بقدر ما أُجّلت إلى أجل غير مسمى، حين تبيّن أن مصير المشروع الكردي في سوريا يُحسم في أنقرة وتل أبيب أكثر مما يُحسم في المناطق التي كانت قسد تديرها فعلياً، وأن أحداً من الفاعلين السوريين، بمن فيهم قسد نفسها، لا يزال يراهن جدياً على هذه الفكرة.
لكن يبقى السؤال مطروحاً على المجتمع السوري الذي حمل لواء اتهام القوى الكردية بالعمالة: هل اختارت قسد، في نهاية المطاف، مشروع عدوّتها التاريخية تركيا، أو حتى القتال، على حساب التحالف مع إسرائيل الذي اتُّهمت به طويلاً؟