مساحة جغرافية صغيرة جدّاً في محيط عربي وإقليمي فيه دول كبيرة على صعيد الجغرافيا السياسية والاقتصادية (السعودية، إيران، العراق، مصر، وإلى حدّ ما سورية واليمن). عدد سكانها قليل جدّاً، واقتصادها محدود، وكذلك سياستها الخارجية، ما جعلها بلداً يعيش في سُبات إقليمي ضمن العباءة السياسية للسعودية. فجأةً، تغيرت الأمور، وكأنّ قطر على موعد مع القدر، إذا استعرنا تعبيرات رئيس الحكومة الهندية الأسبق ورجل السياسة التاريخي جواهر لال نهرو.
تولّى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله إمارة قطر منتصف التسعينيّات، وسرعان ما أقدم على خطوة، اعتُبرت في نظر كثير من القطريين غير مفهومة: إنّها قناة الجزيرة التي تطلّب إنشاؤها واستمرارها أموالاً لا تمتلكها الدولة، أو على الأقلّ، تشكّل عبئاً اقتصادياً كبيراً عليها في ظلّ محدودية واردات الدولة.
استُكملت خطوة قناة الجزيرة (بدت ترفاً إعلامياً وسياسياً) باستكشاف الغاز المسال وإنتاجه، ما حوّل قطر في سنوات قليلة إلى دولة غنيّة جدّاً، في وقت كانت قناة الجزيرة تضرب بأنيابها على مستوى الإقليم والعالم، وتجعل أنظار العالم كلّه تتجه نحو الدوحة. كشفت الخطوتان رؤيةً استراتيجيةً امتلكها الأمير حمد ومعه رجل الدولة المهم، رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني.
تغيّر وجه قطر المحلي مع بنى تحتية ذات معايير عالمية، وارتفاع دخل المواطن بشكل هائل، وارتفاع الناتج الإجمالي للدولة ليصل إلى نحو 200 مليار دولار سنوياً. ترافقت هذه القفزة الاقتصادية بقفزة موازية على مستوى السياسة الإقليمية والدولية، فتحوّلت قطر إلى لاعب إقليمي مهم، مشاكس حيناً وفاعلاً أحياناً أخرى، ما مكّنها من الحضور بقوة في ملفّات الإقليم المعقَّدة.
شق الأمير الوالد خطّاً سياسياً إقليمياً ودولياً عُدّ جديداً وغير مألوف في منطقة متوتّرة دائماً، إنّه خطّ الوساطة الذي يقوم على ركائز أساسية: المرونة عبر الانفتاح على الحوار مع مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة، بما في ذلك الدول والقوى المعزولة سياسياً أو الحركات غير الدولتية؛ والدبلوماسية الإنسانية والتنموية عبر توظيف الإغاثة والدعم الإنمائي أداةً لبناء الثقة والتهدئة، ما يمهّد الطريق نحو المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقات. إذ تستخدم قطر الدبلوماسية الوقائية والناعمة، مستفيدةً من قوتها الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية لتقريب وجهات النظر وإدارة الأزمات المعقّدة؛ والرؤية الدستورية، إذ تستمدّ هذه الجهود قوّتها من التزام وزارة الخارجية القطرية بالمبادئ الدستورية الداعية إلى تسوية النزاعات بالطرق السلمية، وهو ما أوضحه أخيراً وزير الدولة في وزارة الخارجية، محمّد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي، وأنّ دولة قطر “لا تنظر إلى الوساطة باعتبارها مجرّد أداة من أدوات السياسة الخارجية، وإنّما باعتبارها انعكاساً لقناعة دستورية راسخة، فالمادة السابعة من دستور دولة قطر تؤكّد أنّ السياسة الخارجية للدولة ترتكز على تعزيز السلم والأمن الدوليين من خلال الوسائل السلمية لتسوية المنازعات”.
خلال العقود الثلاثة الماضية، حقّقت قطر اختراقات إقليمية ودولية مهمّة (الإفراج عن الممرّضات البلغاريات في ليبيا عام 2007، واتفاق الدوحة الخاصّ بلبنان عام 2008، والوساطة بين الحكومة اليمنية والحوثيين عام 2011، والهدنة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي خلال الأعوام 2009، 2012، 2014، 2021، 2026، ووثيقة الدوحة للسلام في دارفور في 2011، وملفّ المصالحة بين جيبوتي وإريتريا عام 2011، واتفاق الدوحة لوقف إطلاق النار في دارفور عام 2013، والإفراج عن راهبات محتجزات في شمالي سورية عام 2014، وتبادل أسرى بين حركة طالبان والولايات المتحدة في عام 2014، والإفراج عن جنود لبنانيين مختطفين في سورية، واتفاق التبو والطوارق في ليبيا عام 2015، والإفراج عن أسرى جيبوتيين لدى إريتريا عام 2016، واتفاق بين حكومة السودان وحركة جيش تحرير السودان ـ الثورة الثانية عام 2017، ومفاوضات بين كينيا والصومال عام 2021، واتفاق سلام للمصالحة في تشاد عام 2022، وصفقة تبادل محتجزين بين أميركا وإيران عام 2023، والوساطة بين الولايات المتحدة وفنزويلا لتبادل سجناء عام 2024، واتفاق للمّ شمل أطفال أوكرانيين وروسٍ مع عائلاتهم عام 2025). بسبب هذه النجاحات، وضعت قطر نفسها في مصافّ الدول الرئيسة في الوساطات، وأصبحت المنصّة التي ترجوها أطرافٌ كثيرة متنازعة للقيام بدورها في الوساطة، لا بسبب إمكاناتها المالية فقط، بل أيضاً بما امتلكته من خبرة كبيرة في هذا المجال، لأنّ الوساطة في الملفّات المعقَّدة والشائكة تتطلّب أولاً فهماً عميقاً لأسباب النزاع، ثمّ البحث عن مكامن الضعف والقوّة واستغلالهما لإحداث اختراق في منطقة الوسط الرمادية.
غير أنّ استراتيجية الوساطة هذه، وما تتطلّبه من حياد، لم تجعلا دولة قطر محايدةً في ملفّات رئيسة كثيرة. فعلى صعيد الاحتلال الإسرائيلي وسياسته ضدّ الفلسطينيين، وقفت قطر بحزم إلى جانب الفلسطينيين في غزّة، من دون أن تغلق أبوابها أمام إسرائيل، إذ تتطلب ترجمة الدعم القطري غزّة بالضرورة قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل.
أيضاً لم تقف قطر على الحياد، حين اندلعت ثورات الربيع العربي، فوقفت إلى جانب الشعوب، مع عدم إغفال المصالح السياسية لقطر في إزالة بعض الأنظمة، لكنّ السبب الأول والرئيس يبقى الموقف السياسي الأخلاقي الداعم للشعوب، ولعلّ مثال سورية يؤكّد هذا. فقد كانت العلاقات السورية ـ القطرية ممتازةً، بل يمكن وصفها بالاستراتيجية، فضلاً عن العلاقات الحميمة التي ربطت بشار الأسد والأمير حمد. لكن الأمير حمد رحمه الله قرّر التخلّي عن هذه العلاقة، وعن الاستثمارات القطرية الكبيرة في سورية، وعن أملاك العائلة في سورية، بعدما فشلت الوساطات القطرية والتركية في ثني الأسد عن استخدام العنف ضدّ المتظاهرين ودفعه نحو إجراء إصلاحات سياسية جدّية.
هكذا، تحوّلت قطر بأدواتها السياسية والمالية والإعلامية والأكاديمية إلى نصير للشعوب العربية المضطهدة، فأصبح خطابها مُجسِّداً لآمال الشعب العربي. وحافظت قطر على وفائها السياسي للسوريين، فظلّت رافضة تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق في ظلّ حكم الأسد، وهو موقف لم يمتدّ إلى مصر، لسبب رئيس، أنّ حجم القتل الذي ارتكبه نظام الأسد بحقّ السوريين كان من المنظور الأخلاقي ـ السياسي القطري يصعب، إن لم يكن من المستحيل، تجاوزه. شكّل الوفاء السياسي هذا استثناءً عربياً أيضاً، منح قطر قدرة على التأثير أكثر من الذين سارعوا إلى تطبيع علاقتهم بدمشق، وهنا ثمّة حالتان تستدعيان التوقّف عندهما قليلاً: أفغانستان وسورية. في الوضع الأفغاني، أبقت الدوحة على خطوط تواصل مع حركة طالبان في وقت كان العالم بأجمعه ضدّها. وفي الوضع السوري، أبقت قطر على دعمها المعارضة السورية في وقت أسدل معظم العرب قطيعتهم السياسية دمشق، وعندما أذنت لحظة التغيير في كلا البلدين، كانت قطر وحدها العرّاب الكبير، وقبلة زعماء العالم للنقاش حول مستقبل البلدَين.
لم يقتصر الاستثناء القطري على هذا، فكما فعلت عام 1996 بإنشائها قناة الجزيرة، خاضت غمار المنافسة على استضافة كأس العالم، ونجحت في الفوز باستضافته في 2022، لتكون قطر محلّ أنظار العالم شهراً، ومرّة أخرى في صدارة العناوين العالمية. وفي الحالات الثلاث (قناة الجزيرة، الوساطة الدولية، كأس العالم)، كانت قطر سبّاقة في اختراق مجالات كان يصعب التفكير في اختراقها على المستوى العربي.
طرحت هذه الاستثناءات إشكالية سياسية في عالمنا العربي، العلاقة بين الجغرافيا السياسية والإرادة السياسية، إذ أثبتت التجربة القطرية أنّ الجغرافيا السياسية وحدها غير كافية لإحداث الفرق، بل يتطلّب هذا قادةً استثنائيين يمتلكون رؤى استراتيجية بعيدة المدى، كما هو الحال مع فقيد قطر والعالم العربي الأمير الوالد الشيخ حمد.
ثمّة أمثلة عديدة في العالم، والعالم العربي بشكل خاص، تبيّن كيف انهارت، أو ضعفت، قوّة دول تمتلك جغرافيا سياسية وقدرات بشرية واقتصادية بالغة الأهمية، في وقت فرضت دول أخرى (قطر) نفسها على المستويين، الإقليمي والدولي، رغم عدم امتلاكها مقوّمات الجغرافيا السياسية والاقتصادية.