طالب عبد العزيز…جريدة المدى
يبدو أنَّ الصيف يودعنا على استحياء، فهو يصافحنا بيد؛ ويودعنا بأخرى، تيقَّنت من ذلك صباح اليوم هذا، فقد ذبلتُ الشمسُ قليلاًـ في الممر الطويل، الذي يفصل البيت عن الشارع العام، وتراخت قبضتها على النخل، وما استبقت من ورق في شجيرات الفيتكس(كف مريم) والاكاسيا، وزهرة الحُسن فهي في الساعة العاشرة اليوم أقلَّ منها في الساعة العاشرة أمس الأول، لذا، سأكون أولَ المحتفلين بانقضاء الفصل المتوحش هذا، فالصيف في البصرة ليس كما هو في أيِّ مكان آخر، وإنْ تعددت الأمكنة والمدن الحارة في العالم، وحَسنٌ فعلت الحكومة المحلية بأنْ جعلت أجهزة التبريد فاعلة، فنحن في بارد من هوائها، ننعم، شاكرين، ممتنين.
نعم، اختفت مظاهر جني وتسويق التمور في الأيام هذه، وندرت أصناف الرطب، وتراجعت صورة المدينة في كونها واحدة من أشهر مدن العالم في زراعة وتجارة التمور، وبرزت مدن وحواضر لم تكُ ذات شأن في ذلك، وكل ذلك لأنَّ النفط المستخرج من باطن أرضها بات يعادل أضعاف وأضعاف ما كانت تنتجه من التمر والخضار والفاكهة، وهذه مثلبةٌ ستظل في سيرة وتاريخ الحكومات المتعاقبة منذ النظام السابق الى اليوم، فقد كان بإمكانهم عدم الاخلال بمنطقة اتلتوازن بين الزراعة واستخراج النفط، لكنَّ سوء الإدارة وانعدام الخبرة، وتسيّد من ليس أهلاً على أمر البلاد، ومعلوم لدينا أنَّ الخراب يكمن في قول العرب: إذا(سادت الأمَةُ ربَّتها) وقد سادت بكل قبحها، وإلّا ما معنى أن يطمرَ النَّهر الذي خلف نافذة غرفتي حيث أجلس، بعد أن كان مقصد السفن والقوارب الكبيرة، التي كانت تحمل منه مئات الاطنان من التمر والفاكهة؟
اليوم وبعد أن عزَّ عليَّ الوقوف ساعة من النهار على النهر؛ أو تأمل الماء رائحا وغادياً في المدِّ، غايةَ حلمي آنذاك، ذلك لأن رائحته تزكم الانوف، فقد تحول الى مجرىً لصرف المياة القذرة، ومكبّاً للإطارات وقناني المياه والعصائر الفارغة، وموطناً كل ما تلفظه البيوت من حديد ولدائن ونفايات صرتُ أتركُ صنبور الماء مفتوحاً في الساقية، حيث تتجمع عندها كائناتي الداجنة، من الدجاج، والبطُّ، والإوزُّ الصيني مع القطة الصغيرة التي ألِفت العيش معهنَّ، وقد عجبتُ من طول وقوف الكائنات المسكينات هذه في بطن الساقية، حيث تترعُ بالماء، حتى أنني نسيت المقولة البايولوجية التي تقول بانَّها تلطِّف درجة حرارتها بنفسها، وبامكانها العيش في الظروف التقليدية، لكنَّها حرمت من السباحة في النهر، ولم يكن الصيف تقليدياً، لهذا كنتُ اشفق عليهن ببارد الماء، ورخيِّ الطعام.
يستظلُّ بابُ بيتنا الخارجي بشجرة برهام عملاقة، هي ملاذ عصافير وفواخت القرية عند كل غروب، أمّا باعة الخضار والفاكهة؛ اصحاب الستوتات؛ الذين استوقفهم للتبضع، فيجدون فيها مستراحهم، ومقيل اجسادهم، فانا أطيل الحديث معهم ساعة ابتاع ما يطيب لي من بضاعتهم. وكما لو أنني أبحث عمّن أبثه شكواي أجد بينَ هؤلاء المساكين ما افتقده عند هذا الافندي وذاك الأستاذ !!. لا أريد أن أحجّمَ مسراتي في انقضاء الصيف؛ لكنَّ ما يحيطني من خراب لم يكُ قليلاً، والخريف الذي سيلوي عنق الشمس مازال في يد الأيام والليالي، وهذا الماء الذي يأتيني من الصنبور مازال مجّاً، مالحاً، فنسبة الـ 6000 TDSلا تجعل حياة الأشجار ممكنة، إّذْ، لا أمل لي في استراد اللون الأخضر في كلِّ ما غرست، وكان شجراً حولي، فالشمس والملح خصمان لدودان لا سبيل للخلاص منهما في القريب المأمول، كما يتضح.