ترجمة وتقديم: عماد فؤاد
تناولت الناقدة والمترجمة الهولندية ديزيريه سخاينز في دراسات سابقة لها عددًا من الأعمال الروائية للكاتبة البرازيلية كلاريس ليسبكتور، لكنها اليوم تتّخذ من القصص القصيرة الأولى والأخيرة للكاتبة موضوعًا تبحث من خلاله عن الواقع الفانتازي الذي يربط بين هذه القصص وعن الأصول الفلسفية الكامنة خلفها. وفقًا لسخاينز فقد كتبت ليسبكتور لأن “أسئلة كبيرة وعديدة كانت تعذّبها، إلى الدرجة التي تمنّت معها لو كان في استطاعتها استبدال الكتابة بحفر هذه الأسئلة على الخشب”. ولكن لأنه لا بديل للكاتب عن استخدام الكلمات، فقد “اضطرت” ليسبكتور إلى الكتابة. هي التي تقول في إحدى هذه القصص: “وتحت الأنامل يكمن كائن ما… وهناك أذهب”.
نترجم هنا عن اللغة الهولندية دراسة الناقدة والمترجمة ديزيريه سخاينز حول قصص كلاريس ليسبكتور القصيرة، وهي المترجمة المتخصصة التي نقلت إلى الهولندية أغلب أعمال ليسبكتور عن الفرنسية. هنا القسم الثاني والأخير:
تبعات التحرّر
تضع ليسبكتور نفسها في قصة أخرى مكان امرأة تريد الهروب من وجودها بعد 12 عامًا من الزواج، في وسط حيّ مزدحم بالسيارات التي تطلق أبواقها، تتّخذ المرأة قرارها بعدم العودة إلى البيت. نقرأ لحظات الخوف والتحرّر التي تشعر بها المرأة، وفي الآن نفسه يتم تصوير الخوف بصورة البحر الهائل الواسع والعميق الذي يقع خلف الشوارع المزدحمة في ريو دي جانيرو: “تلك المياه القاتمة والمظلمة التي يمكن أن تغطّي الرمال وتخفي هوّة عن الأنظار”. والآن بعد أن أصبحت حرّة، قررت العودة إلى اللعبة: “كانت الفكرة هي التحديق في أعماق المياه لفترة طويلة بما فيه الكفاية بينما تفكر في الوقت نفسه أن هذا العالم لا نهائي. كما لو كنت تغرق، من دون أن تستعيد موطئ قدميك أبدًا”.
الآن يمكنها الاستمتاع بحقيقة أنها بدلًا من أن تكون امرأة متزوجة، أصبحت امرأة… فقط. تبتسم وتشعر باللذة، وتتخيّل الفندق الذي ستقضي فيه ليلتها والقارب الذي ستستقلّه في اليوم التالي إلى عالم جديد مجهول. سرعان ما يتّضح أنها لا تملك المال الكافي للقارب، وأن المطر الذي جعلها تهذي في البداية من الفرح ها هو يسبب لها الآن البرد. وباعتبارها امرأة وحيدة، لا يمكنها المبيت في فندق رخيص. وإذا أرادت أن تذهب إلى فندق أغلى ثمنًا، فإنها تخاطر بالاصطدام بزملاء زوجها، الأمر الذي لن يفيده في عمله. فتقرّر العودة إلى البيت. وبعد أن ترتدي بيجامتها الحريرية ذات الأزرار الزرقاء وتتلقّى قبلة على خدها من زوجها، تبكي بهدوء في السرير.
لأوّل مرّة في هذه القصة تصف ليسبكتور المصير البائس للنساء المجهولات اللاتي يتراوح أعمارهن بين 40 و80 عامًا من البرجوازية البرازيلية الغنية. هؤلاء النسوة لا يملكن دخلًا خاصًا بهنّ ولا مهنًا تجلب لهن مالًا. يعشن في المدينة الكبيرة وغالبًا ما يكنّ متزوجات من رجال أعمال أغنياء. ولا يوجد معهن سوى الخدم. تتكرّر هذه الأجواء في آخر قصتين كتبتهما ليسبكتور. في إحداهما تصف مارجريدا، امرأة عاشت في المنزل نفسه طوال حياتها، في عزلة لا تُحتمل تتجلّى في الطريقة التي تصف بها ليسبكتور يومًا من أيام حياتها، إذ يمتلئ الوقت بترتيب حمّالات الصّدر والسّراويل الدّاخلية في خزانة الملابس، ومن الممتع ترتيبها حسب اللون أو النوع.
لا تسمح المرأة لنفسها بالشعور بالوحدة، لأنها تعلّمت أنّ الله موجود، وهو الذي يحرص على “ألّا تكوني وحيدة”. بعد الاستحمام، تسدّ جميع مسامها ببودرة التلك. وأثناء محاولتها التهام دجاجة كانت مجمدة، تلاحظ أنها لا تزال متجمّدة من الداخل وأنها لم تنضج جيدا. فيما المجلّات القديمة التي تنظر إليها على الطاولة تعود لوالديها، النساء فيها جميعهن يرتدين مشدّات والرجال كلهم بشوارب. وهي تأكل البسكويت الذي يكسر لثتها ولا تجرؤ على وضع الزبدة عليه خوفًا من أن تسمن. يتجلى هوس النظام أيضًا في عد البسكويت الذي تأكله.
الأنا بين الواقع والكتابة
الإلهاء الوحيد في ذلك اليوم يتمثّل في رنين الهاتف وصوت سيدة عجوز لا تعرف أيضًا كيف تقضي وقتها. تسأل عن شخص غير موجود. في الساعة الثامنة تتمكّن مارجريدا أخيرًا من الذهاب إلى الفراش، وعلى الرغم من أنها قررت تناول حبّتين فقط من الحبوب المنوّمة من المخزون المتبقّي من والدتها، إلّا أنها لا تستطيع التوقف وتتناول ثلاث زجاجات كاملة من الحبوب. عند هذه النقطة، تعود ليسبكتور إلى منظور البداية. بعد الزجاجة الثانية، تستطيع مارجريدا أن تقول “أنا” للمرّة الأولى في حياتها. تجد الكرامة في اتخاذ خيارها الخاص، أي الموت، ورفض الحياة الميّتة التي كانت تعيشها. هل كانت غير متوازنة أم كاملة التوازن في تلك اللحظة؟ يبدو كما لو أن مارجريدا تبدأ في الحياة لأوّل مرة وهي تحتضر، لأنّها لأوّل مرة تشعر بشهوة الطعام ولذّته: “يوم واحد أقل… يا ليت أوغستا أعدت لي فطيرة توت العليق، فكّرت بشكل غامض”.
أمّا في قصة “الجميلة والوحش”… أو “الجرح الكبير جدًا” (1977)، فتغادر كارلا دي سوزا إي سانتوس صالون التجميل حيث كانت تحصل على تدليك ومكياج. وبما أن سائقها خوسيه لم يصل بعد، حيث إنها عادةً ما تبقى لفترة أطول، فإنها تريد أن تستقل سيارة أجرة، لكن كارلا تخشى من عدم إمكانية استبدال الورقة النقدية التي بحوزتها. فالشارع مشمس وهي تستمتع بالبقاء بمفردها: “كانت دائمًا مع الآخرين، الذين كانت تعكس نفسها فيهم، كما كان الآخرون يعكسون أنفسهم فيها”.
بينما كانت مارجريدا في القصة السابقة تظن أن وجهها غير جميل، تجد كارلا نفسها جميلة بشكل مبهر. فهي تثبّت وردة كبيرة في شعرها وتضع مساحيق التجميل بشكل مثالي. تستمتع في البداية بحقيقة أنها تنتمي إلى طبقة الأغنياء وأصحاب النفوذ. كارلا متزوجة من رجل مهم ولديها ثلاثة أطفال. إنها تحافظ على لطفها مع فكرة غامضة هي أنها لا تحتاج إلى طرح الأسئلة. كل شيء يسير كالساعة، ولا أحد حولها يسأل عن أي شيء. فالبرجوازية جزء لا يتجزأ من هيكلية متماسكة تمامًا.
ببطء وثبات، تبدأ كارلا في إدراك أن سلطة عائلتها الثرية، التي تعود إلى 400 عام، لا تستند إلى شيء، ولا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال: “التقاليد التي لم يكن يبرّرها سوى أن عائلتها لها نسب عريق يعود إلى زمن بعيد جدًا، وعلى الرغم من أن هذا النسب في النهاية لم يكن شيئًا، إلّا أنه كان كافيًا لإعطائهم كرامة معينة”. كما يتغلغل الفرق بين أفراد العائلة الذكور والإناث. لو كانت كارلا رجلًا، لأصبحت مصرفية. يسمّي زوجها نفسه رجلًا عصاميًا، بينما تعتقد هي بمرارة أنها لا تستطيع أن تسمّي نفسها امرأة عصامية.
الكتابة وحدودها
تنزعج كارلا الجميلة في تأمّلاتها في الشارع من “الوحش”، وهو متسوّل مصاب بجرح كبير غائر في ساقه الوحيدة (لا تنفر ليسبكتور من السخرية أبدًا في أوصافها السردية) والذي يقترب ويطلب منها صدقة. إنه يملأها بالخوف والاشمئزاز، لكنه أيضًا يُحدث التحوّل الحاسم في حياتها، والذي كان قد بدأ بالفعل قبل أن تلتقي به. فالشعور بالانتماء إلى مجموعة اجتماعية معيّنة يُنتزع منها مرّة واحدة وإلى الأبد. ليس عبثًا أن يتم وضع نقيضين متجاورين هنا مرّة أخرى. شخصان لا يمكن أن يلتقيا أبدًا، لأنه لا توجد طبقة على وجه الأرض تعرف كيف تغض الطرف عن آلام الآخرين أفضل من طبقة كارلا: الطبقة البرجوازية الغنية.
وبصرف النظر عن الفروق بينهما، كارلا والشحاذ، تمنحهما ليسبكتور قاسمًا مشتركًا آخر: المال. كلاهما يحبانه. ومع ذلك، لا نعرف شيئًا عن الفقر الروحي المحتمل للشحاذ؛ إلّا أن ظهوره يعمل كمحفز لحياة كارلا الروحية. وبينما يتعيّن على كارلا أن تفضح كل اليقينيات الزائفة لوجودها، توصل ليسبكتور القارئ في النهاية إلى إدراك أن كارلا والشحاذ متشابهان. كل منهما مساوٍ للآخر وقابل لاستبدال مكانه مع الآخر: “كيف لم أكتشف أبدًا أنني أنا أيضًا متسوّلة؟ أنا لم أطلب صدقة قط، ولكني أشحذ حب زوجي الذي له عشيقتان، أتوسّل حب الله لكي أكون جميلة ومبهجة وجديرة بأن يُحتفى بي في كل مكان، وما روحي الحقيقية إلّا خرقة بالية…”.
تشعر كارلا الجميلة بالفقر الروحي كما يشعر المتسوّل بالفقر المادي، فتجلس بجانبه على الأرض.
يمكن مقارنة صورة المتسوّل هنا بصورة الصرصور في رواية ليسبكتور الأهم “العاطفة وفقًا لـ ج. هـ.”. فكما أدّى الصرصور إلى دخول البطلة في رحلة عميقة داخل ذاتها، فإن المتسوّل أيضًا يؤدي إلى تفتّح بصيرة كارلا. تجلس كارلا على الأرض إلى جانب المتسوّل وتعطيه ثروتها بالكامل، بينما تأكل ج. هـ. الصرصور بعد أن دهسته. وهو ما نجده يتكرّر في أعمال ليسبكتور بشكل عام، حيث التماهي التام بين الحدود والعوالم، سعيًا لالتقاء الأضداد وتوحيد المتناقضات.
من السمات اللافتة للنظر في أعمال ليسبكتور بشكل أعم التغيير السريع للمنظور، بحيث يصبح الراوي هو “الأنا” وتصبح “الأنا” هي “الراوي” مرة أخرى. وهكذا، غالبًا ما يكون الكاتب هو الفاعل والمفعول به في الوقت نفسه. لتتماهى الشخصيات في القصص مع نقيضها، مما يسمح دائمًا لضمير المتكلم باكتشاف الآخر في ذاته. يتمثل البحث الداخلي في سعي ليسبكتور إلى معرفة نفسها والآخر من خلال الكتابة، ولم تدخر جهدًا في ذلك. إذ آمنت دائمًا أن كل كائن له حدود، وأن هذه الحدود يمكن أن تكون ملهمة، وفي الكتابة يمكن كسر هذه الحدود والتقاء الرؤوس المتنافرة.