السَّيِّدةُ الرَّئيسة،
أصحابَ السَّعادة،
شُكرًا لكم على إتاحةِ هذه المساحةِ لصوتٍ من أصواتِ المجتمع المدنيّ النِّسويّ السوريّ.
اسمي رُلى رُكبي. أنا ابنةُ مدينةِ حماة، وأحملُ معي ذاكرةَ واحدةٍ من أكبرِ الفظائعِ الجماعيّة التي ارتكبها النظامُ السابق بحقِّ السوريين، حين قتلتِ القوّاتُ الحكوميّة ما يُقارِبُ 30 ألفَ مدنيٍّ في شباط 1982.
أنا هنا اليوم بصفتي المديرةَ القُطريّة لمنظّمة «النساء الآن من أجل التنمية – لبنان». وعلى مدى أربعةَ عشرَ عامًا، استند عملُنا إلى مبدأٍ أساسيٍّ واحد: أن يبدأ التغييرُ من القاعدة ويصلَ إلى القمّة.
بعد سنواتٍ من الحرب والقمع والنزوح والفقدان، استقبل كثيرٌ من السوريين سقوطَ نظام الأسد في كانون الأول 2024 بالفرح والأمل — أملٍ في ألّا يُنهي ذلك الحربَ فحسب، بل أيضًا الاستبدادَ والخوفَ والإقصاء.
ومنذ انتقال السلطة في سوريا، يبقى السؤالُ الأهمّ:
أيَّ دولةٍ نبني بعد هذا التغيير؟
هل نبني دولةَ مواطنةٍ ومؤسّساتٍ يحكمها القانون، أم نُعيد إنتاجَ نظامٍ مشابهٍ تحت اسمٍ جديد؟
لدينا مخاوفُ جدّيّةٌ من المركزيّة المُفرِطة للسلطة، وغيابِ الفصل الفعليّ بين السلطات، وعدمِ الوضوح فيما يتعلّق بالحوكمة والشفافيّة والمساءلة، إلى جانب تردّي الوضع الاقتصاديّ، فما زال السوريون لا يعرفون بوضوحٍ كيف تُتَّخذ القرارات، ومَن يتّخذها، وكيف يمكن مساءلةُ مَن يتّخذونها.
وهنا يكمن أحدُ أكبرِ مخاطر المرحلة الانتقاليّة:
أن نُغيِّرَ الأشخاصَ الذين يُمسكون بالسلطة، من دون أن نُغيِّرَ طريقةَ ممارسة السلطة.
الانتقالُ الحقيقيّ يعني بناءَ علاقةٍ جديدةٍ بين الدولة ومواطنيها — علاقةٍ تُطبَّق فيها سيادةُ القانون على الجميع، وتحمي الجميعَ على قدم المساواة.
أصحابَ السَّعادة،
دفعتِ النساءُ السوريّات ثمنًا باهظًا طوالَ سنوات النزاع، فقد عانَيْنَ من النزوح والفقر والعنف والاعتقال والاختفاء، وما زِلْنَ يتحمَّلْنَ العبءَ الأكبرَ للأزمة الإنسانيّة المستمرّة، إلى جانب التمييز القانونيّ والاجتماعيّ المتجذّر.
ورغم ذلك، أدّتِ النساءُ السوريّات دورًا قياديًّا في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وتقديم المساعدة لمجتمعاتهنّ، والدفاع عن العدالة والمساءلة، بما في ذلك قضيّة المفقودين والمغيَّبين.
بينما نشهد على المستوى الدوليّ جهودًا جيّدةً تبذلها السلطاتُ الانتقاليّة السوريّة للاعتراف بالدور المهمّ للنساء، مثل سياق البحث عن المفقودين، بالمقابل لا تزال النساءُ يجدن أنفسهنّ على هامش عمليّة صنع القرار عندما يتعلّق الأمر بمستقبل البلاد في الداخل.
فعلى سبيل المثال، تقلُّ نسبةُ تمثيل النساء في البرلمان عن 11 في المئة، ولا تضمُّ الحكومةُ الانتقاليّة سوى امرأةٍ واحدة. لكنّ المسألةَ لا تتعلّق بالأرقام فقط.
المشاركةُ الحقيقيّة تعني أن تكونَ النساءُ حاضراتٍ حيث تُتَّخذ القرارات — لا فقط حيث تُلتقط الصور.
كما أنّ حقوقَ النساء والحريّاتِ الشخصيّةَ والمدنيّة ليست قضايا يمكن تأجيلُها، بما في ذلك إصلاحُ قوانين الجنسيّة والأحوال الشخصيّة، وتعزيزُ الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعيّ، ورفعُ تحفّظات سوريا عن اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة.
فالدولةُ التي لا تعترف بالنساء كمواطناتٍ كاملاتٍ ومتساوياتٍ في الحقوق لا يمكن أن تكون ديمقراطيّة، مهما كان الاسمُ الذي يُطلَق على نظامها السياسيّ.
إنّ التقاريرَ عن اختطاف النساء والفتيات منذ كانون الأول 2024، ولا سيّما من الطائفة العلويّة، تُثير قلقًا بالغًا.
فاستهدافُ النساء بسبب هويّتهنّ الطائفيّة، أو استخدامُ العنف ضدّهنّ للانتقام أو لبثّ الخوف في مجتمعاتهنّ، يُعيد إنتاجَ أنماط العنف ذاتها التي يجب على سوريا أن تتجاوزها.
وهذا يقودني إلى العدالة الانتقاليّة.
تحتاج سوريا إلى عدالةٍ لا تنتقي ضحاياها.
فعلى مدى عقود، تعرّض السوريون لانتهاكاتٍ ارتكبها النظام السابق، بما في ذلك الاعتقالُ التعسّفيّ والتعذيبُ والإخفاءُ القسريّ. كما عانى المدنيون من انتهاكاتٍ ارتكبتها جماعاتٌ مسلّحةٌ وأطرافٌ أخرى.
لكنّ الانتهاكات لم تنتهِ بسقوط النظام.
واليوم، ما زال أشخاصٌ يُعتقلون تعسّفيًّا بسبب التعبير عن آرائهم. كما نسمع تقاريرَ مقلقةً عن التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز، بما في ذلك، أخيرًا، وفاةُ محمد غميرة، المتطوّع السابق في الدفاع المدنيّ السوريّ «الخوذ البيضاء»، بعد تعرّضه، وفقًا للتقارير، للتعذيب أثناء احتجازه.
كما أدّى العنفُ في الساحل السوريّ وفي السويداء، والذي شاركت فيه قوّاتُ أمنٍ ومجموعاتٌ مسلّحةٌ محليّة، إلى انتهاكاتٍ خطيرة، من بينها قتلُ مدنيين والعنفُ الجنسيّ والقائم على النوع الاجتماعيّ. واتخذ بعضُ هذه الانتهاكات أبعادًا طائفيّةً وانتقاميّةً استهدفت مجتمعاتٍ علويّةً ودرزيّة، بالتوازي مع تصاعد خطاب الكراهية ضدّ مكوّناتٍ سوريّة مختلفة.
لضحايا النظام السابق والجماعات المسلّحة الأخرى، وكذلك لضحايا الانتهاكات التي ارتُكبت منذ كانون الأول 2024، الحقُّ نفسه في الحقيقة والعدالة.
الضحيّةُ هي ضحيّة، والانتهاكُ هو انتهاك، بغضّ النظر عمّن ارتكبه.
إذا بُنِيت سوريا الجديدة على التمييز بين ضحايا يستحقّون العدالة وضحايا يمكن تجاهلهم، فإنّنا نزرع بذورَ الصراع المقبل.
والمصالحةُ الحقيقيّة يجب أن تقوم على الحقيقة والاعتراف والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.
أصحابَ السَّعادة،
إعادةُ بناء سوريا لا تعني فقط إعادةَ بناء الطرق والمنازل، بل تعني إعادةَ بناء الثقة: الثقةِ بين المواطنين والدولة، والثقةِ بين السوريين أنفسهم، والثقةِ بأنّ القانون موجودٌ لحماية الناس، لا لكي يتحوّل إلى سلاحٍ ضدّهم.
كما يجب أن تكون العودةُ إلى سوريا طوعيّةً وآمنةً وكريمةً ومستدامة، وأن ترتبط بالحماية الاجتماعيّة وبإعادة إعمارٍ تخدم الناس — بما في ذلك دعمُ مَن فقدوا منازلهم وتطويرُ السكن التعاونيّ والاجتماعيّ — حتى لا تعني العودةُ ببساطة الانتقالَ من النزوح إلى الفقر وانعدام الأمان.
وتتحمّل الأممُ المتحدة أيضًا مسؤوليّةً أساسيّة. نحن ندرك ضرورةَ الانخراط البنّاء مع السلطات الانتقاليّة السوريّة والعمل معها.
لكنّ الدعمَ الدوليّ للانتقال السياسيّ يجب أن يرتبط بمعاييرَ واضحةٍ في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساءلة.
ويجب ألّا تؤدّيَ الرغبةُ في تحقيق الاستقرار في سوريا إلى القبول بتقلّص الفضاء المدنيّ، أو تقييد الحريّات، أو الانتقائيّة في العدالة والمساءلة.
لقد تعلّمنا، بكلفةٍ بشريّةٍ هائلة، أنّ الاستقرارَ المبنيَّ على الخوف والصمت ليس سلامًا. إنّه لا يفعل سوى تأجيل الأزمة المقبلة.
أصحابَ السَّعادة،
أختتم بأربع توصياتٍ إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة:
أوّلًا، يجب أن تكون حقوقُ الإنسان، بما في ذلك حقوقُ النساء، في صلب الدور المتطوّر للأمم المتحدة في سوريا.
يجب أن تبقى حقوقُ الإنسان، والفضاءُ المدنيّ، ومشاركةُ النساء الكاملةُ والمتساويةُ والفعّالةُ والآمنة، والمساءلةُ وسيادةُ القانون، جزءًا أساسيًّا من الانخراط السياسيّ للأمم المتحدة، وأن تكون في صلب أيّ وجودٍ جديدٍ للأمم المتحدة في سوريا.
ثانيًا، الحفاظُ على رقابةٍ قويّةٍ ومستقلّةٍ على حقوق الإنسان.
ينبغي لأعضاء مجلس الأمن مواصلةُ دعم آليّات الأمم المتحدة المستقلّة المعنيّة بحقوق الإنسان والمساءلة، وتشجيعُ السلطات الانتقاليّة السوريّة على ضمان التعاون الكامل وإتاحة وصولٍ فعليٍّ لهذه الآليّات.
كما ينبغي للأمم المتحدة الاستمرارُ في متابعة مسارات المساءلة المتعلّقة بالانتهاكات التي وقعت في الساحل السوريّ وفي السويداء، مع التأكيد على الشفافيّة والالتزام بالمعايير الدوليّة والمسؤوليّة على جميع المستويات، بما في ذلك مسؤوليّةُ القيادة.
ثالثًا، المساعدةُ في حماية الفضاء المدنيّ في سوريا وتوسيعه.
إنّ المساحةَ المتاحة اليوم للسوريين للتنظيم والتعبير والمشاركة في الحياة العامّة ما زالت هشّة.
وينبغي للأمم المتحدة أن تواصل مراقبةَ القيود المفروضة على حريّة التعبير وتكوين الجمعيّات والتجمّع السلميّ، والأنظمة الناظمة للأحزاب السياسيّة، وكذلك الاعتقالَ التعسّفيّ والأعمالَ الانتقاميّة ضدّ الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وفاعلي المجتمع المدنيّ، بمن فيهم النساء.
رابعًا، الضغطُ من أجل إصلاحٍ مؤسّسيٍّ وإصلاحٍ للقطاع الأمنيّ قائمَيْن على الحقوق.
ويجب أن يشمل ذلك آليّاتٍ فعّالةً للرقابة والتوازن على السلطة التنفيذيّة، واستقلالَ القضاء، ورقابةً مدنيّةً ومؤسّسيّةً مستقلّةً على المؤسّسات الأمنيّة، وآليّاتِ تدقيقٍ شفّافة، وتسلسلًا واضحًا للقيادة.
كما ينبغي أن يساعد الانخراطُ والدعمُ الدوليّان في ضمان ألّا تُعيد المؤسّساتُ الجديدة إنتاجَ أنماط السلطة القديمة غير الخاضعة للرقابة، وألّا يُسمح لأشخاصٍ توجد ادّعاءاتٌ موثوقةٌ بتورّطهم في انتهاكاتٍ خطيرة بممارسة السلطة من دون تدقيقٍ أو مساءلة.
وفي الوقت نفسه، نحثُّ السلطاتِ الانتقاليّةَ السوريّة على الانخراط بصورةٍ كاملة مع المجتمع المدنيّ المستقلّ ومع آليّات الأمم المتحدة ذات الصلة، من أجل ترجمة هذه المبادئ إلى إجراءاتٍ فعليّة.
أصحابَ السَّعادة،
السؤالُ الذي يجب أن يبقى في صلب كلّ نقاشٍ حول سوريا هو:
كيف نمنع عودةَ الظروف التي أدّت إلى الحرب؟
تبدأ الإجابةُ بدولةٍ تحمي كرامةَ الإنسان وحريّتَه؛ دولةٍ تكون فيها النساءُ مواطناتٍ كاملاتٍ ومتساويات، لا ضيفاتٍ على طاولة صنع القرار؛ دولةٍ ذات سيادةٍ يستطيع فيها الشبابُ السوريّ أن يجد مستقبلًا بدلًا من الخوف أو السلاح أو الهجرة؛ ونظامِ عدالةٍ يحترم كلَّ ضحيّة، بغضّ النظر عمّن تكون أو عمّن ارتكب الانتهاكَ بحقّها.
وأعتقد أنّ الوقتَ لم يَفُتْ بعد.
ما زالت لدينا فرصةٌ لبناء سوريا لا يخاف فيها الناسُ من الدولة، بل يثقون بأنّها تحميهم؛ سوريا تتّسع لجميع أبنائها وبناتها، ولا تسمح بتكرار ما عانوه.
هذا هو الانتقالُ الذي يستحقّه جميعُ السوريين. وهذا هو السلامُ القادرُ على الاستمرار.
وشكرا.