عمّار المأمون – كاتب سوري… موقع درج
لم يحصل ضحايا “الجبهة” على تعويضات، أو اعتراف، ولا بنية قانونية في سوريا لمقاضاة لافارج أو الجبهة أو داعش أو أي فصيل متشدد كان في سوريا، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة. نحن أمام ضحايا ما زال الكثيرون منهم يخفون أسماءهم إلى الآن، خوفاً من تهديدات تطاولهم في المنافي حتى بعد سقوط النظام، وهنا نتحدث عن جرائم ما قبل هروب الأسد، لا تلك الخاصة بمجازر العلويين والدروز.
يستعرض جوناثان باول، الدبلوماسي ورجل المخابرات والمستشار الأمني البريطاني، عام 2015 في كتابه “لنتحدث مع الإرهابيين”، الأسباب التي اعتمدتها الدول الكبرى لرفض الحديث مع “الإرهابيين”، واحد منها، أننا أمام نوعين من “الإرهاب”، ذاك العقلاني، أي ذو الأسباب الواضحة التي تتناقض مع الوضع القائم وتحاول نفيه، وذاك الأبوكاليبتي، العدمي، الذي يتمثل بـ”تنظيم القاعدة”، ذاك الذي يهدف لنفي الإمبريالية، وصناعة التغيير على مستوى يتجاوز المحلّي نحو “العالمي”.
في ذاك الوقت، أي عام 2015، لم يكن عمر تنظيم جبهة النصرة يتجاوز بضع سنوات، وبول، بقي متمسكاً بمقاربته، إذ التقى أحمد الشرع عام 2021، حين كان اسمه “أبو محمد الجولاني” وزعيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، والتي طرحت أمامنا نموذجاً جديداً، يمكن تسميته بـ”الإرهاب البراغماتي”، عبر القطيعة مع القاعدة وتنظيم داعش، وتبني سردية الثورة السورية ومحاربة الأسد، والأهم، رفض الجهاد العالمي، التحولات التي انتهت بنزع صفة الإرهاب عن مؤسسي جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) ومقاتليها، وتحوّلهم إلى حكومة انتقالية في دمشق، وشريك في محاربة “الإرهاب” المتمثل بتنظيم داعش وخلاياه.
لكن، تاريخ جبهة النصرة وتحولاتها، لا يخلوا من جرائم حرب ( قتل، معاملة قاسية، تعذيب)، وضحايا في أنحاء سوريا، هؤلاء، لا اعتراف بخسائرهم كون الإعلان الدستوري في سوريا، يحصر المحاسبة في “جرائم النظام البائد”، بصورة ما، يُنظر إلى “إرهاب” جبهة النصرة، بوصفه عملية تطور “براغماتيّة” للوصول إلى الحكم وإسقاط الأسد.
لكن، هذه التحولات، ونزع التشدد، تتركنا أمام مجموعة من المفارقات، ولا نتحدث عن العدالة الانتقالية في سوريا، كونها لن تمس الفصائل وقادتها، والواضح ألا تعويضات أو اعتراف بضحايا “جبهة النصرة”، لكن هناك العدالة الدولية، فـ”الجبهة” تركت وراءها ضحايا تمكنوا من مغادرة سوريا، وما زالوا يسألون عن العدالة، ضحايا يتم تناسيهم عمداً حالياً داخل سوريا، ومتهمين أحراراً من دون ملاحقة قضائية، في مفارقة مريعة حول السياسة الدولية والعملية القضائية.
ربما حالة شادي الويسي، هي الأكثر فجاجةً، إذ بعد تعيينه وزيراً للعدل، في حكومة تسيير الأعمال بعد سقوط الأسد، انتشر فيديو له، وهو يتلو حكم الإعدام بحق امرأة في إدلب، وفعلاً “عُزل” بعدها، والمبرر كان أننا أمام عملية إنفاذ قانون في” فترة زمنية ومكان محددين”، وأن “هذه العملية تعكس مرحلة تجاوزناها في ظل التحولات القانونية والإجرائية الراهنة”.
لم يحاكم الويسي، ولم توجَّه إليه أي تهم، لكنه أيضاً، لم يُعزل من الحياة القضائية، إذ تبين لاحقاً تعيينه نائب رئيس محكمة النقض بعدما كان مسشتاراً فيها، لا اتهام، لا محاسبة، بل مكافأة، وكأن الماضي وضحاياه مجرد أضرار جانبية نتيجة ظروف “زمانية ومكانية”!
تمويل “جبهة النصرة”: مفارقة المتهمين والضحايا
واحدة من مفارقات “جبهة النصرة”، تتعلق بالأخوين معتز ورامز خياط، أقرباء محمد حمشو، رجل الأعمال المقرب من النظامين الحالي والسابق. يتحرك الأخوان كواجهة جديدة للاقتصاد السوري، لكنهما إلى جانب بنك الدوحة يواجهان دعوى قضائية في لندن، إذ ادّعى 8 أشخاص سوريين يعيشون في هولندا، عام 2019، تعرضهم لـ”أذى شخصي وأذى في الممتلكات” بين عامي 2012 و2017 على يد جبهة النصرة، واضطروا لمغادرة سوريا. الدعوى تتهم الأخوين خياط بتمويل الجبهة، وبنك الدوحة بتسهيل سحب هذه الأموال من أفرعه في تركيا/ لبنان، لتمويل “التنظيم الإرهابي”.
بصورة ما، نحن أمام ضحايا الجبهة ونفوذها حين كانت “تنظيماً إرهابياً”، ضحايا لا مساحة لهم في سوريا للتقاضي، وكأن “براغماتية” الجبهة، تغفر لها “جرائمها” و”إرهابها” لطالما تمكنت من الحديث مع “الغرب” وطمأنته، أما مصائر المختفين قسراً في إدلب والرقة على يد الجبهة، فما زالت مجهولة، لا شهادات وفاة، ولا تعويض لأهالي الضحايا.
إدانة أخرى لجبهة النصرة، ترتبط بقضية لافارج، إذ حكم القضاء الفرنسي أخيراً على الشركة وموظفين فيها ومتعاونين معها، بينهم فراس طلاس وعمرو، بتهمة تمويل الجماعات الإرهابية، لكن أي جماعات بدقة؟
في كتاب “المصنع: العمل في منطقة حرب” الصادر عام 2020، يتحدث جاكوب فيرنس (المدير المسؤول عن أمن المصنع وسلامته) والمجنّد السابق في الوحدات الخاصة والاستخبارات العامة النرويجية، والمتهم بالجاسوسية، عن نفوذ جبهة النصرة حول المصنع، ووجود حواجز لها. وبحسب دفاع لافارج عن نفسها في القضية الفرنسية، ادعت الشركة أنها لم تكن تعلم أن أحرار الشام، جبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية، كانوا خاضعين للعقوبات الدولية.
التنظيمات الثلاثة تلقت أموالاً من الشركة، لكن القضاء الفرنسي لن يعوض الضحايا الـ190 المشاركين في الدعوى المدنية، لأن المحكمة الفرنسية لم تجد أن معاناتهم مرتبطة بتهمة “تمويل الإرهاب”، كما تذكر جبهة النصرة بوضوح في الدعوة المقدمة على لافارج في أميركا، التي أقرت فيها الشركة بالذنب، ودفعت غرامة هائلة، لكن لا تعويضات للضحايا
لم يحصل ضحايا “الجبهة” على تعويضات، أو اعتراف، ولا بنية قانونية في سوريا لمقاضاة لافارج أو الجبهة أو داعش أو أي فصيل متشدد كان في سوريا، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة. نحن أمام ضحايا ما زال الكثيرون منهم يخفون أسماءهم إلى الآن، خوفاً من تهديدات تطاولهم في المنافي حتى بعد سقوط النظام، وهنا نتحدث عن جرائم ما قبل هروب الأسد، لا تلك الخاصة بمجازر العلويين والدروز.
ممولو “الهيئة” و”الجبهة” و”داعش” متهمون وأعضاؤها أبرياء!
المفارقة الأشد أننا نسمع بصورة دائمة عن أخبار في أوروبا حول إلقاء القبض على متهمين بتمويل جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، اللتين تحول أعضاؤهما إلى “حكومة مؤقتة”. عماد الدين وادي في أميركا قد يُحكم لـ20 عاماً بتهمة تحويل أموال لجبهة النصرة، وفي ألمانيا اعتُقل آخرون بتهمة تمويل هيئة تحرير الشام، وفي بريطانيا حُكم سوري أيضاً بتمويل الإرهاب لتحويله مبلغ لا يتجاوز الـ350 دولاراً إلى ابن أخيه، المشتبه بكونه مقاتلاً في صفوف هيئة تحرير الشام.
اعتُقل أيضاً سوريون عدة في أوروبا بتهمة تمويل أعمال إرهابية في سوريا، حوالي 29 رجلاً وامراة، بينهم 6 من أقارب محتجزات في مُخيمي الهول وروج، لكن بعد سقوط النظام، وسيطرة الحكومة السورية المؤقتة على المخيم، لم يبق أحد فيه، بل رُوّج على أنه مخيم لاجئين لا مخيم معتقلات، فهل سقطت التهم عن الممولين بعد تغيّر تعريف حكّام سوريا الجدد، من إرهابيين إلى حكومة انتقالية؟ الإجابة: لا!.
على اختلاف رأس مالهم، سواء كانوا من الأغنياء أو من الناس العاديين، كل من موّل التنظيمات الإرهابية سابقاً، مُتهم في أوروبا، ما يتركنا أمام معضلة جديدة، خارج سوريا، كل من تعامل مع الهيئة أو الجبهة مهدد، ولم يختف التهديد بعد شطب الهيئة وقائدها من قوائم الإرهاب، ولم تسقط التهم عن الممولين، على رغم الاعتراف الدولي شبه التام، وعطر دونالد ترامب، إذ لم ينظر الى الجبهة ونظامها سوى كـ”ثوريين”، أما المتهمون بالتمويل، فهم قيد الملاحقة القضائية!
سوريا: مرتع الإفلات من العقاب؟
لا تعويضات لضحايا التنظيمات الإرهابية سابقاً في سوريا، أو حتى خارجها، ومن شارك في التمويل مُتهم فقط خارج سوريا، لا داخلها، وكأن الأخيرة، أي سوريا الجديدة، مرتع للإفلات من العقاب، وهنا بالضبط يمكن فهم المنطق القانوني الذي تتحرك ضمنه الحكومة الجديدة. عدم توقيع الاتفاقات الدولية الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يضع سوريا خارج النظام القضائي العالمي، وأيضاً غياب قوانين تجرم بدقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا، يحرم المتضررين أنفسهم من التعويض، ومن حق اتهام الجناة بجرائم كبرى تتجاوز التعذيب والقتل العمد، نحو تلك التي تدين بنية بكاملها ومجموعة بكاملها.
تبدو جبهة النصرة وتحولاتها حالةً مليئة بالمفارقات، وتلاعباً بالنظام القضائي بهدف النجاة من الملاحقة، والأهم، الاستعداد لترك ضحايا نظام الأسد وعقد تسويات، وإضاعة المقتلة الأسدية، للحفاظ على “براءة” أعضائها وتعطيل مقاضاتهم، فعدم الارتقاء بجرائم الأسد إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، عبر تعديل البنية القانونية السورية والتوقيع على الاتفاقات الدولية، يعني نجاة التنظيمات نفسها من المساءلة وتعويض الضحايا عبر هذه القوانين نفسها.
المفارقة أن المادة (49) من الإعلان الدستوري، والتي أنشئت بموجبها، “هيئة لتحقيق العدالة الانتقاليّة”، تستثني “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية” وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد” من مبدأ “عدم رجعية القوانين”. قراءة المادة بحسن نيّة، يعني أننا أمام كتلتين من الجرائم، تلك الخاصة بالنظام البائد، وتلك الدولية (جرائم حرب، وضد الإنسانية، وإبادة جماعية).
لا قانون في سوريا يحتوي هذه الجرائم، علماً أن سوريا وحسب القضاء الدولي، حصلت فيها جريمتان ضد الإنسانية على الأقل، الإبادة الإيزيدية، وقضية لافارج، أما جرائم الحرب فمتهمة بها غالبية أطراف الصراع السوري، ومن ضمنهم التنظيمات التي كانت مصنفة إرهابية سابقاً، والاستمرار بحسن النية هنا، لا ينجح، كون غياب قوانين للجرائم الكبرى، يترك أيضاً مجرمي النظام خارج نطاق المساءلة، وتبقى التهم الموجهة لهم في ظل القانون السوري، متعلقة بأفراد، لا منظومة، اي الادعاء الشخصي، لا الحق العام الذي من واجب النيابة تحريكه.