-1-
استقبلت الثقافة العربية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، العديد من أدباء العالم، وفي كل اللغات. ومن اللغة الفرنسية التي ينتمي إليها الشاعر شارل بودلير (1821-1867)، انتقلت إلينا أسماء لامعة مثل: لامارتين، وفيكتور هوغو، وألفريد دي موسي، وفيني، ورامبو… وسط هؤلاء برز بودلير كشاعر كان استقبال أعماله مميزًا بلا شك. شاعر “أزهار الشر”، الذي استطاع أن يستخلص الجمال من بيئات عادية. فخلق حداثته الخاصة تحديدًا من استلهامه لأقل جوانب الحياة اليومية شاعرية: فهو يتغذى على ما يرفضه، ويتشبث بما يتجاهله.
فما الذي جعل استقبال بودلير في العالم العربي فريدًا من نوعه؟
من خلال موضوعاته المبتكرة أيضًا، وجد شعر بودلير صدًى ليس فقط في فرنسا، بل في جميع أنحاء العالم. فقد روّج بودلير للعديد من الموضوعات التي ستُستكشف بلا نهاية بعده: العطور، والجنات المصطنعة، والنبيذ، والقطط، والغليون، والقتلة، وجامعي الخرق، والعجائز، وغيرها كثير. على الرغم من أن الواقعية كانت، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر فصاعدًا، الأداة المفضلة لدى كل من سعى إلى الحقيقة، إلا أن بودلير رأى في الرومانسية “أحدث تعبير عن الجمال وأكثرها راهنية”، إلا أنه اقترح رومانسية جديدة، تتسم بالروحانية والحداثة بالدرجة الأولى.
كان النشاط الأدبي لشارل بودلير مختلفًا. فهو نفسه مارس الترجمة. فلم يقتصر دوره كشاعر على تأليف ديوانه “أزهار الشر”، بل كان أيضًا مترجمًا ذا رؤية ثاقبة. ولعلّ أشهر أعماله الترجمية ترجمة أعمال الكاتب الأميركي إدغار آلان بو إلى الفرنسية، وهو ما اعتبره رسالةً سامية.
-2-
كان بودلير مفتونًا جدًا بإدغار آلان بو، وذلك، كما ظل يردّد، “لأنه يشبهه. أو بالأحرى، لأنه يريد أن يشبهه”. وتشهد على ذلك السير الذاتية الثلاث التي خصصها له. الأولى، من عام 1852، وتُقدم نفسها كصورة لبودلير على هيئة إدغار آلان بو، مؤلفة من مقالتين أميركيتين “مغرضتين تبالغان في تصوير إدمان الكاتب على الكحول ورذائله”، حسب تعبير الناقدة الفرنسية ماري كريستين ناطا. وهذه الصورة المشوهة لم تكن تزعج بودلير، بل إنها تناسبه تمامًا، لأنها “تتيح له أن يجعل من بو أخًا مختارًا”. يقول لأمه: “هل تفهمين الآن، وسط هذه الوحدة الرهيبة التي تحيط بي، لماذا فهمت بوضوح عبقرية إدغار آلان بو، ولماذا كتبت ببراعة عن حياته البشعة؟”.
ومثل شارل بودلير، يحمل إدغار آلان بو بصمة سوء الحظ، وهي استعارة بالغ بودلير في استخدامها بوضعها في بداية سيرتيه الذاتيتين. تبدأ نسخة عام 1856 على النحو التالي: “مؤخرًا، أُحضر رجل تعيس الحظ أمام محاكمنا، وقد زُيّن جبينه بوشم نادر وغريب: لا حظ! وهكذا حمل فوق عينيه وصية حياته، كما يحمل الكتاب عنوانه، وأثبت الاستجواب أن هذا النقش الغريب كان حقيقة قاسية. في تاريخ الأدب، توجد مصائر مماثلة، لعنات حقيقية – رجال يحملون كلمة سوء الحظ مكتوبة بأحرف غامضة في ثنايا جباههم المتعرجة”، و”في عام 1846، لم يكن بودلير يؤمن بهذه القوة الخبيثة” (م. ك. ناطا).
-3-
اهتمت أستاذة الأدب كلير أوجي بنقل بودلير المزعج إلى المدارس الفرنسية. في كانون الأول/ديسمبر 2021، دُعي طلاب الصف الحادي عشر إلى تجربة “بودلير صوتيًا”، أي تقديم عرض شفوي شعري على نمط الراب، يمزجون فيه كلماتهم الخاصة بكلمات الكاتب الشهير. كان الهدف استكشاف كيف أتاحت هذه الممارسة الإبداعية للطلاب التخلص من الأفكار المسبقة وتطوير منظور أصيل وصادق حول ديوان “أزهار الشر” وبودلير نفسه. من خلال هذه التجربة، كتب الطلاب بعد ذلك تحليلات ونصوصًا إبداعية، وأجابوا عن الاستبيانات، بهدف إبراز أهمية الكتابة الشخصية الإبداعية، والتفاعل بين الأقران، وتجربة الربط بين عالمين يراهما الطلاب متناقضين ولكنهما متشابهان بشكل ملحوظ.
-4-
تتناقض الفوضى العارمة التي اتسمت بها حياة بودلير المادية تناقضًا صارخًا مع إتقانه التام لإنتاجه الأدبي. وينطبق هذا على نقده الفني، وترجماته لأعمال إدغار آلان بو، وبشكل أكبر على شعره. فبينما لم يكن معظم معاصريه قد بلغوا الخامسة والعشرين من عمرهم عندما بدأوا مسيرتهم الأدبية، لم ينشر بودلير ديوانه “أزهار الشر” إلا في سن السادسة والثلاثين. ويمكن تفسير تأخر ازدهاره بمعاييره الصارمة، التي دفعته في عام 1842 إلى سحب مساهمته في المجموعة التي كتبها شاعران هاويان لم يذكرهما أحد، هما: برارون ولو فافاسور. وثقةً منه بتفوقه، لم يرغب في خلط قصائده بقصائد شعراء هواة، رغم لطفهم. وإدراكًا منه أن ثمرة جهوده لم تنضج بعد، فضّل التريّث في نشر ديوانه، الذي أعلن مع ذلك أنه سيصدر “قريبًا”، “قريبًا جدًا”، “في غضون فترة وجيزة”. ومن عام 1845 إلى عام 1847، ذُكر العمل خمس مرات تحت عنوانه الأول “المثليات”. ثم، من عام 1848 إلى عام 1852، نُشر ثلاث مرات تحت عنوانه الثاني “Les Limbes”، “هوامش الجحيم”.
اعتقد الجميع آنذاك، خصوصًا أصدقاؤه، أن بودلير بتأجيله النشر إلى أجل غير مسمى، يخاطر بجذب مقلدين يستغلون أفكاره، ويشوّهونها، ويجعلون ما كان في الواقع “ثمرة تركيز دؤوب” يبدو “كبقايا معاد تسخينها”. لكن بودلير لم يكترث، واستمر في إلقاء قصائده، محققًا شهرة غير عادية، أصبحت مادة للسخرية. وصفه أحدهم بأنه “شاعر غريب ومتغطرس يفتخر ببقاء ديوانه غير منشور”. وفي عام 1852، أسهب الشاعر الشاب “برارون” في الحديث عن “الثروة النادرة” التي حصدها بودلير بصنعه “اسمًا لنفسه تقريبًا دون نشر بيت شعر واحد”.
-5-
استقبل المترجمون العراقيون أعمال شارل بودلير، وتُرجمت بشكل أساسي اعتمادًا على ترجمتين كاملتين. وإن من أهم هذه الترجمات نسخة من ديوان “أزهار الشر” (Les Fleurs du Mal)، صدرت عام 1989 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد، من إعداد الشاعر العراقي خليل الخوري. أما الترجمة الثانية فقد خُصصت لكتاب “سأم باريس” (Le Spleen de Paris). وفي المغرب ترجم مصطفى القصري (1923-2009)، الذي ترجم أيضًا “الأفلاك الضيقة” لسان جان بيرس (1973)، و”نرجس” لبول فاليري (1980)، ثم “أزهار الشر” لبودلير (1998). وتقديرًا لترجمته المبدعة لبودلير نقدم نموذجًا من هذه الترجمة المشرقة.
شارل بودلير
هرمونيا المساء
ترجمة: مصطفى القصري
آن لكل زهرة تميد على غصنها
أن تضوع أريجها كالمباخر،
الأنغام والعطور تحوم في نسيم مسائها
كرقصة كئيبة أو خمار فاتر.
Voici venir les temps où vibrant sur sa tige
Chaque fleur s’évapore ainsi qu’un encensoir
Les sons et les parfums tournent dans l’air du soir
Valse mélancolique et langoureux vertige
كل زهرة تضوع أريجها كالمباخر،
الكمان يرتعش كقلب مغتم حزين،
كرقصة كئيبة أو خمار فاتر،
السماء ذات حزن وجمال، كمقر رحب أمين.
Chaque fleur s’évapore ainsi qu’un encensoir
Le violon frémit comme un coeur qu’on afflige
Valse mélancolique et langoureux vertige
Le ciel est triste et beau comme un grand reposoir
الكمان يرتعش كقلب مغتم حزين،
كقلب حنون يكره العدم الواسع المتلبد،
السماء ذات حزن وجمال، كمقر رحب أمين،
لقد انغمست الشمس في دمها المتجمد.
Le violon frémit comme un coeur qu’on afflige
Un coeur tendre, qui hait le néant vaste et noir
Le ciel est triste et beau comme un grand reposoir
Le soleil s’est noyé dans son sang qui se fige
قلب حنون يكره العدم الواسع المتلبد،
ويلتقط كل أثر من الماضي المشتعل اللماع،
لقد انغمست الشمس في دمها المتجمد،
إن ذكراك في نفسي تلمع كالشعاع.
Un coeur tendre, qui hait le néant vaste et noir
Du passé lumineux recueille tout vestige
Le soleil s’est noyé dans son sang qui se fige
Ton souvenir en moi luit comme un ostensoir